نانا فتاة صغيرة في التاسعة من عمرها. جميلة وذكية، ناجحة في دراستها ويحبها الجميع، لكن لديها مشكلة واحدة.. شامة سوداء كبيرة على خدها الأيسر، بارزة بتناقض مع نقاء بشرتها البيضاء. كانت نانا تكره هذه الشامة لأنها مصدر استنكار واستغراب وحتى استهزاء من زملائها في المدرسة وأقاربها الصغار. بعضهم كان يشير إليها بأصبعه متسائلاً: ما هذا؟! والبعض الآخر كان يحملق فيها بفراسة شديدة وفي تحديقه ألف سؤال وسؤال. أما أكثر ما كان يزعج نانا هو عندما يقترب أحدهم ويحاول لمس الشامة. كانت نانا تكره شامتها كثيراً، وتحكي لأمها عن انزعاجها هذا وهي تبكي بمرارة، لكن أمها لطالما كانت تهدأ من روعها وتقول: ما هذا الكلام يا حبيبتي؟ شامتك مميزة.

في أحد الأيام، فتاة تغار من نانا لأنها أشطر منها في المدرسة، قررت أن تتشاجر مع نانا لتتسبَب في طردها. وكان أن وقع شجار لم تكن نانا السبب فيه. دفعتها تلك الفتاة الشريرة أرضاً وهجمت عليها بقصد أذيتها. وما أن لمحت شامتها السوداء المتنافرة مع بياض وجهها، حتى لمعت في ذهنها فكرة جهنمية، فانقضت بأظافرها على الشامة تريد اقتلاعها. صرخت نانا من شدة الألم فيما سارعت المدرَسة لتبعد الفتاتين عن بعضهما. كانت نانا تبكي وتتأوه من شدة الألم وكلما حاول أحدهم وضع يده على مجهها حيث الشامة المخدوشة، كانت تصرخ متألمة.

أخذوها إلى الطبيب الذي قال أن ثمة جرح حصل للشامة وكان لا بد من تطهيره وتضميده وتغطيته كي لا يتلوث. بكت نانا هذه المرة بحرقة أكبر ليس بسبب ألم الجرح فقط وإنما أيضاً لمنظر الضمادة التي غطت ربع وجهها وبات منظرها باعثاً للسخرية أكثر من ذي قبل.. كيف سأذهب إلى المدرسة بهذا الشكل؟ بكت نانا وهي تتساءل في سرها.

وبات منظر الشامة لا يزعج نانا فقط بل يؤلمها أيضاً، فكلما حاولت وضع يدها على خدها كانت تتألم، وكذلك إن حاولت غسل وجهها.. وكم استفاقت خلال الليل وهي تبكي من الألم إذ يخدش قماش مخدتها خدها فيؤلمها.

عانت نانا يومين متواصلين من الألم، وكانت تأبى تناول الطعام واللعب، وأكثر ما كانت ترفضه العودة إلى المدرسة. كان منظر الضمادة على وجهها مرعباً وكانت تخشى من هزء رفاقها بها، خصوصاً تلك الفتاة الشريرة.

لكن اليومين شارفا على النهاية، ولا بد أن تعود نانا إلى مقاعد الدراسة كي لا يفوتها الكثير فالإمتحانات النهائية مقبلة. إرتعدت فرائص نانا وهي تتصور حجم الهزء والضحك اللذين ينتظرانها عند عودتها للمدرسة.. كيف سأواجه الجميع وهذه الضمادة الشنيعة، بدلاً من أن تخفي شامتي التي أكرهها كرهاً جماً، باتت تظهرها أكثر فأكثر وبشكل مريع أيضاً؟ وقررت نانا أن تدَعي المرض حتى لا يجبرها أهلها على العودة قريباً إلى المدرسة، أقله حتى ينزعوا الضمادة عن وجهها، فحمل وزر شامة مخدوشة وبارزة للأعين أقل من حملها مضاعفة مع ضمادة تخفي ربع وجهها.

وتمارضت نانا، وادَعت أن ألماً مبرحاً في معدتها ورأسها يمنعانها من النهوض من الفراش والذهاب إلى المدرسة. كانت المرة الأولى التي تكذب فيها نانا، وتكذب على من؟ على أبيها وأمها اللذين لم يحرمانها من الحب ومن كل شيء كانت تطلبه، وكانت نانا تبكي كذلك في داخلها لأنها مضطرة للكذب عليهما.. لو كانا يعلمان حجم الألم الذي يعتصر قلبي لفهما سبب كذبي، كانت نانا تفكر وتبرَر كذبها.

وبقيت نانا يومين آخرين طريحة الفراش، أو هذا ما كانت تدَعيه، وبذلك كسبت وقتاً يجنَبها السخرية من أصدقائها.

علمت جدة نانا بمرضها، فجاءت لزيارتها. إنها الجدة المحببة بقلب نانا، فهي صاحبة الإبتسامة الأجمل والوجه المضيء دوماً بضياء نوراني وهي أيضاً تغمر نانا بالحب والكثير من الحلوى.

ما إن لمحت نانا جدتها مقبلة عليها حتى سارعت بالإرتماء في حضنها باكية. أدركت الجدة العجوز أن حفيدتها تعاني، رفعت وجه نانا نحوها وسألتها بمودة وقلق: ما بالك يا صغيرتي؟ لم تبكين؟ أيؤلمك الجرح؟ .. لكن نانا لم تجب بل استمرت في البكاء بحرارة وحرقة كبيرين. أحست الجدة أن هناك ألماً آخر يعتصر قلب حفيدتها الصغيرة؛ وضعت يدها على ضمادة نانا التي فرت فجأة من بين ذراعي جدتها وهي تصرخ: لا، لا تلمسيها.. كانت نانا تبكي بشدة فاقتربت جدتها منها محاولة تهدئتها قائلة: أتزعجك الضمادة إلى هذه الدرجة؟ .. بل تزعجني شامتي، شامتي يا جدتي .. ابتسمت الجدة العجوز وقالت لحفيدتها وهي تتوجه إلى المرآة: تعالي وانظري يا صغيرتي. كانت الجدة تشير إلى نانا بأن تنظر جيداً إلى جبينها. لمحت نانا خيطاً رفيعاً يكاد لا يُرى على جبين الجدة، كأنه أثر لجرح قديم.. إنه أثر لجرح قديم، قالت الجدة وهي تضع إصبعها على الخط الرفيع. حصل أن وقعتُ عندما كنت طفلة بعمرك تقريباً وجُرحت جرحاً بليغاً لم يلتئم إلا بعد سنوات عديدة.. لم يبق من الجرح البليغ إلا هذا الخيط الرفيع الذي لن تلاحظيه إلا أن حدقت جيداً. أترين كيف أن الزمن يمحي الأشياء البشعة؟ .. رمت نانا بنفسها بين أحضان جدتها وابتسمت للمرة الأولى منذ عدة أيام.. كم أحبك يا جدتي، قالت نانا وهي تحتضن جدتها.

في اليوم التالي، ذهبت نانا إلى مدرستها. كانت الضمادة لم تزل على وجهها، لكن نانا لم تكن تفكر بها. إنها ستنتظر مرور بعض الوقت الذي سيمحي جرحها البشع، وربما شامتها أيضاً. ألم تقل الجدة أن الزمن يمحي الأشياء البشعة؟

[email protected]