قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

النّقد و الشّقيقة عبده وازن نموذجا للخواء المعرفي والتّزييف النّقدي 2


في مقالتي السابقة (إيلاف،29 -9 -07)عن laquo;التّسلل النّقديraquo; لعبده وازن- من خلال مقالته : حسن نجمي و ظله يكتبان قصيدة الذّات و العالم، الحياة اللندنية، عـدد 19-9 -07 - وجدتني أركز على laquo; النّزقraquo; اللغوي لصاحبها، الذي عنّ له و لا شك، أنه إذا استعمل كلمات لا يدرِك معناها، فالقارئ سيحسبها مما لا يحيط به إلا مـن سبر أغـوار اللغة فأصبحتْ طوع بَنانه! و القصد الفعلي من وراء هذا هو أن laquo; يبتلعraquo; القارئ المسكين كلّ ما سينفثه قلم هذا المتأدب، laquo;المتـنــــاقدraquo; (على وزن المتشاعر، و أخص بها أدعياء النّقد، طبعا، ويمكن لمن يشاء، وقتما شاء، أنْ يُحل الضـاد محل الدّال...)، من سخف و تهويم. و أريد، في هـــذه المقالة، أن أعالج لــبّ الموضوع، الذي هو سخف المقاربة النّقدية و زيفها لدى وازن... ولا يقولنّ قائل إن الأمر يتعلق بمجرد مقالة في صحيفة، ذلــــك أن التشويش على الأذهان الذي قد ينتج لدى بعض القراء عن مثل هذه

النّقد والشّقيقة: عبده وازن نموذجا لسوء استخدام اللغة
المقالات أكبر بكثير مما يمكن أن تسببه دراسة laquo; أكاديميةraquo; رديئة، لأن المتعامليــن مع هـذا الصّنف الأخير، غالبا ما يكونون من ذوي المراس الذين لا يتعسّر عليهم وضـعُ اليد على السّخف و السّطحية وضروب الخلل... ثم إن المثل الفرنسي: laquo; من يسرق بيضــة يسرق جملاraquo;، قد لا يصح في مجال ما قدْر ما يصح في مجال الكتابة...
إن مقالا من قبيل ما كتبه وازن، لهو نتاج غياب الحس النّقـــدي
و الرّوح الإبداعية (التي قد لا تستنكف من بعض الفوضوية الشّاعرية فــي الكتابة)، وغياب المعرفة النّظرية( التي تمكن صاحبها من كتابة نقدية متماسكة )- في مقال مثل هذا تمتزج الضّحالة بالعِي، إلى حدّ أن من يريد أن يناقشه لا يستطيـــع، بسهولة، أن يحدد لنفسه منهجية في المقاربة، إذ كيف يمكن أن تنظم كلامك على خليط جليط من سفاسف القول؟ سأكتفي، إذن، بعملية laquo;وصفيةraquo; لبعض من الفقرات السّبع لمقال وازن.
-الفقرة الأولى: يبدأ السيد وازن هذه الفقرة بالحديث عن بيان شعري، يقول مرة إن المجموعة الشعرية-التي يتناولها في مقالته- تسعى إلى الإفصاح عنه،
و يعود إلى القول-دون أن يسعفه التّعبير-أنها تكتفي بإلماعات إليه... و تنتهي هذه الفقرة بالعبارة التالية: laquo; هنا تغدو الكلمات أشبه بالألوان بين يدي الشّـاعر،
و تمسي المادّة الشّعرية laquo; خيمياءraquo; لونية. raquo; على ماذا يبني وازن قوله هذا؟ على
كون نجمي يعتبر الصنيع الشعري مشابها للرّسم، يقول هو. و معلوم أن استنتاجات تخص نصا شعريا لا يحب أن تُستقى من تصريحات الشاعر المباشرة، و إنما من ثنايا النص الشعري نفسه، و إلا فإنه لن يكون على شخص ما إذا كتب، مثلا: laquo; تتحدّبين يا كلماتي ثم تنغمرين نحو وهادك مثل مويجات...raquo;- لن يكون عليه إلا أن يعثرعلى شخص له، مثل السيد وازن، استعداد للهذر( و يتميز عنه بشيء من الثقافة، على أية حال) ليكتب عنه أنه يمارس الميكانيكا التموجية في الشعرو الشعر في الميكانيكــا التموّجيّة! ثم ما القصود بقولك، يا سيد وازن:laquo; هنا تغدو الكلمات أشبه بالألوان بين يدي الشاعر و تمسي المادّة الشعرية laquo;خيمياءraquo; لونيةraquo;؟ و ما الذي سيمنع ساذجا يثق بك من القول بأن هذا يصح، حقا و صدقا، على المرحوم نزار قباني الذي كتـبlaquo; الرسم بالكلمات raquo;؟ معلوم أن رامبو كان قد كتبlaquo;خيمياء الكَلِمraquo;، و لكن من منطلقاته كشاعر راء، و باعتبار أن سيرورة القصيدة يجب أن تؤدي في تصوره، اعتمادا علـــى لا انضباطية الحواس، إلى المدهش و الغريب والعجيب...
و هذا صنيع شبيه بما كان يتوخـــــاه الخيميائيون... فرامبو لم يكن يلقي الكلام على عواهنه، مثلما تفعل يا سيـــد وازن... فخبرنا بالله عليك كيف تكون المادة الشعرية خيمياء لونيـــــة...
-ف2 : تبدأ ب:laquo; و يتجلى الرّسم أيضا في مفهوم الغبطة، غبطة الشاعر هاربا إلى الفراغ و اللون...raquo; و تكفي هذه البداية لإعطائنا فكرة عما يليها.
-ف3 و 4 : يركز السيد عبده وازن في هاتين الفقرتين على حضور بورخيس
في قصائد المجموعة، و على تواتر الحديث فيها عن تيمة الليل( التي يسميها الحقل المفهومي أو مقولة الليل!) و عن العمى(الذي هو، عنده، العماء!)، و أريد أن أركز هنا على مسألة الإحالات على النص الشعري لديه، إذ المفـروض أن تكون الأبيات أو العبارات التي تتم الإحالة إليها من الأكثر تمييزا لأسلـــوب الشاعر و طرائقه و عالمه المتخيل... فلنورد بعضا من العبارات التي يستشْهد بها السّيّد وازن، كما هي طبعا:- laquo;يزعجه الغروب مع أنه لا يراهraquo; - laquo; بصوت أجش سرعان ما يتلاشىraquo; - laquo; هو يملي و أنا أكتب صدى شفتيــن تتلامسانraquo; - laquo; كان شغوفا بأن يؤرّخ لليلraquo; - laquo; مثلك حرمت من السّوادraquo; - laquo;ها أنا معتم و أضيءraquo; - laquo; أصبح الليل في حضرتك كثيفاraquo; - laquo; ها أنا أمسك بنحاس الشّمعدان لأتعرّف على عريكraquo;... فهل لهذه العبارات خصوصيــات،
و هل تنم عن تميز؟ و مــا الجدوى من إحالات كهذه؟ و هل هذا الصنف من الجمل هو الذي سيجعلنا نبحث عن هذه المجموعة لنستزيد؟
نشير، أيضا، إلى أن السيد وازن يتحدث إلينا أحيانا بنبرة من اكتشف أمرا عظيما، ليقدم لنا بعضا من مكرور الكلام. فلنقرأ:laquo; فالشاعر... لا يحب أن laquo;يرى ما يُرىraquo; بل ما لا يُرى أو ما يُرى بالعين الخبيئة أو الدّاخليةraquo;، و هذا الكلام ليس بالجديد، ولا يمكننا أن نقرّب بمثله مجموعة شعرية إلى القـــراء،
و قديما قال أبو نواس: - غير أني قائل ما أتاني/ من ظنوني مُكْذِبٌ للعيان-
و جمع إلى قوله الفعل...
كما أن وازن، إذ يعثر على تيمة الليل في مجموعة نجمي، يسارع إلى مقارنة
laquo;ليلraquo; نجمي بما يسميه ليل نوفاليس و ليل رينيه شار و يوحنا الصّليبي( يكتبها عبده، من دون أن يَزن: يوحنا الصّليب!)... و كلّ هذا من باب التّهويل و ذرّ الرّماد في العيون... فالليل تيمة شائعة في الكتابات الأدبية و غير الأدبية و في الأغاني... كُـتِـب عنها و تُغُنّي بها منذ أقدم العصور( قبل: وليل كموج البحر... وحتى Tender is the night لسكوت فيتزجيرالد، و بـــعده Stranger in the night التي طالما شنّف بها السّيّد سيناترا أسماعنا، و قبل هذين كان المعرّي قد قال: - ليلتي هذه عروس من الزّنــــج عليها قلائد من جمان- و بعده بزمان، جاء مارسيل كارني و أخرج Les portes de la nuit، ثم ما كان من ميشو إلا أن كتب: La nuit remue، وبعدها بزمن، كتب
السينمائي الشّاعر أنطون مشوار، بالفرنسية، laquo;أعشاب الليل الطّويلةraquo;... فما الجديد في أن ترد تيمة الليل عند كاتب معاصر أو غير معاصر؟ المفروض أن الناقد الذي يتناول أمرا من هذا القبيل، يركز على ما هو خاص و مميز لمقاربة كاتب محدد لتيمة ما، حتى و إن كان حضورها متواترا في تاريخ الأدب... أما بناء قصور من الرّمال من منطلق أن كلمة ما وردت بكثرة في ديوان ما فأمر جدير بباقل الرّبعي... اللهم إلا إذا لم يكن النّقد لوجه النّقد...
أكتفي بهذا القدر، و كم كان بودّي ألا أجدني مضطرا لكتابة هاته المقالة ولا التي قبلها، و لكن من واجبي إدانةlaquo;التزييف الثقافيraquo; و شجب استسهال الكتابة من قِبل
من لا يكلفون أنفسهم عناء القراءة و التعلم... و من هم دائما على استعداد لتدبيج الأمداح، مقابل رحلة إلى هذه العاصمة أو دعوة لهذا المهرجان...


محمد الأمين حنصل
(
[email protected]