حوار مع الدكتور محمد صالح ناصر

حاوره محمد كاديك ـ أبو أفلح: الدكتور محمد صالح ناصر.. أحد كبار رجالات الأدب الجزائريين الذين صاغوا صفحات ناصعة في الجزائر المعاصرة.. شاعر مرهف، ناقد بصير وكاتب من أولئك الذين عانقوا السمو الأدبي في أرقى صوره.. حينما يصوغ القصيدة تراها تنساب انسياب الماء العذب إلى القلوب العطشى، وحينما يكتب البحث الأكاديمي تراه ورعا يتحرى الدقّة والموضوعية، وكل مؤلفاته تروي قصة حبّ رائعة تجمعه بالكلمة.. كلمة الحق انتصارا لبلد أحبّه وخفق به قلبه.. الجزائر.. جمعتنا جلسة حميمية بالدكتور ناصر حضرها الأستاذ شريفي بلحاج بن سعيد، الأستاذ يحيى حمدي أبو اليقظان والأستاذ أحمد حجوج.. الجلسة كانت في رحاب منزل الدكتور ناصر، فكان لنا معه هذا الحوار..

* مرحبا بكم الدكتور محمد ناصر.. طال غيابكم عن الساحة الجزائرية..
- أهلا وسهلا، شرفتم محلكم بارك الله فيكم.. فعلا، طال غيابي لظروف صحية ولظروف سفر إلى الخارج، فقد قضيت حوالي عشر سنوات في عمان، والحقيقة أنني لم أغب عن الجزائر قط، لأنها كانت دائما في وجداني أكتب عنها أينما حللت أو ارتحلت، أؤلف وأكتب وأحقق، وأنشر هنا وهناك، فإن غبت جسدا فإنني لم أغب روحا إن شاء الله..

* ما هو جديدكم في التأليف دكتور
- بعد أن أتممت حلقة طويلة هي عبارة عن سلسلة من كتب للأطفال في ثلاث مراحل في حوالي تسعين كتابا، عدت الآن إلى ما كان في أرشيفي وانتظرني عشر سنوات، بين يديّ الآن خمس مشاريع إن شاء الله، المشروع الأول سميته /مشائخي كما عرفتهم/، أكتب فيه عن المشائخ الذين درسوني وكانت لي بهم صلة قوية مثل الشيخ بيوض رحمة الله عليه، الشيخ عدّون الشيخ القرادي، الشيخ بوسحاق ابراهيم اطفيش الذي تعرفت عليه لما كنت طالبا بمصر، الشيخ أبو اليقظان عميد الصحفيين، الشيخ الدكتور شكري فيصل الذي تعلمت منه الكثير، الشيخ محمد علي دبوز، الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلّي.. هؤلاء أكتب عنهم من انطباعاتي، أقصد كيف استفدت منهم وكيف درست عنهم، والعلاقة التي كانت تجمعني بهم، ويضم هذا الكتاب وثائق لم تنشر من قبل، أما المشروع الثاني /تأملات في القرآن الكريم/ في ثلاثمائة صفحة، وهو تفسير موضوعي أو تحليلي للقرآن،فعلى مدى الدراسة، آخذ موضوعا ثم أركز عليه وأحلله من خلال القرآن مثلا /النظر العقلي في القرآن/، /مكانة العقل في القرآن/، /الصبر في القرآن/، /الأسرة المسلمة في القرآن/، وهكذا موضوعات متعددة سميتها /تأملات في القرآن/، المشروع الثالث ما كتبته من مقالات حول الإمام الشيخ بيوض جمعته وسميته /الإمام الشيخ بيوض مصلحا وزعيما/ لأنني أعتقد أن الشيخ بيوض يجمع في شخصيته هاتين الميزتين الكبيرتين ن، فهو مصلح وزعيم /أمة/، واستطاع أن يجمع بينهما بكل قوة في شخصيته وعلمه واجتهاده وما وهبه الله من بسطة في العلم والجسم، هذه كلها أهّلته ليكون كما كان سيدنا ابراهيم /إن ابراهيم كان أمة/، فهو كان أمة في عصره، وجمعت فيه كثيرا من الوثائق التي ربما تنشر لأول مرة، خصوصا بعض التقارير التي كانت تكتب ضد الشيخ بيوض في الثلاثينيات والأربعينيات، وهي التقارير التي كان يكتبها الفرنسيون ضده، استطعت أن أحصل على بعض منها، وخصّصت فصلا سميته /الشيخ بيوض.. المفترى عليه/ رددت فيه على بعض الأشياء التي اتهمت الشيخ بيوض في وقت من الأوقات بالخيانة، فرددت عليها بكل موضوعية من خلال الوثائق، وضممت إليها شهادة الرئيس السابق بن يوسف بن خدة، وهي شهادة رائعة في حق الشيخ بيوض..المؤَلَف الرابع هو /الأعمال الشعرية الكاملة/ أجمع فيها كل القصائد وتضم قصائد أنشرها لأول مرة، وديوانا شعريا بعنوان /وحي الضمير/ ينشر لأول مرة ويضم محاولات فترة الشباب بين 1959 إلى 1964 ثم تأتي مرحلة القاهرة، والمراحل الأخرى متتالية، ديوان /في رحاب الله، /ألحان وأشجان/، /البراعم الندية/، وهذا ديوان خاص بالأطفال، والديوان الأخير سميته /الخافق الصادق/.. ويبقى بين يديّ كتاب /كيف تكتب بحثا جامعيا؟/ ويقدم الإجابات للطلبة من الأشكالية إلى المناقشة، أقصد الخطوات العملية التي ينبغي أن يسير عليها الطالب حتى يقدم أطروحة علمية أكاديمية بأتم معنى الكلمة، والكتاب وضعته من خلال المحاضرات التي كنت ألقيها في معهد الأدب العربي بالجزائر أو في معهد العلوم الشرعية بعمان، جمعت كل هذه المعلومات وأضفت إليها أشياء جديدة لأقدمها في كتاب..تقريبا هذه هي المشاريع التي بين يدي حاليا، وأتمنى أن يتم إنجازها قريبا..

* كنتم دكتور ناصر بشهادة كثير من المثقفين أحسن من شرح وشرّح الساحة الثقافية في الجزائر وأرّخ للشعر الجزائري.. اليوم، بناء على ما عرفتموه وتوصلتم إليه في دراساتكم السابقة، كيف ترون الساحة الثقافية في الجزائر؟
- يبتسم الدكتور محمد ناصر ويقول:/سؤال صعب لمن غاب مدة عشر سنوات.. ولكنني أتابع../يبتسم/..الله أعلم، أنا أقول دائما أن الساحة الثقافية الجزائرية فيها خطان متوازيان، خط معتدل، وخط متطرف إلى ناحية الانحلال، لكن الذين يمثلون الأصالة الجزائرية موجودون والحمد لله، موجودون في كل مرحلة من مراحل الجزائر، حتى قبل الاستقلال، ألاحظ أن هذا التيار كان موجودا، تيار متجدد وتيار محافظ، تيار رومانسي وتيار ثوري، هذان الخطان كانا دائما موجودين في كل العوامل والظروف، لعلها تعود إلى ظروف شخصية تعود إلى ذات الشاعر أو الأديب أو الكاتب، وظروف أخرى منها ما هو اجتماعي واقتصادي.. وما يؤلمني الآن في الساحة الثقافية الجزائرية أنها تفرّقت شيعا، فقد قرأت اليوم مقالا للأخ زتيلي يكتب ضد عز الدين ميهوبي بكلمات ما كان ينبغي أن تكون، كل واحد صار يتهم الآخر باتهامات فظيعة، وما كان ينبغي أن ننزل إلى هذا المستوى، ومؤلم أن تصبح رسالة الأديب في الجزائر عبارة عن ملاحقة للكرسي أو للنفوذ أو للجاه أو للسلطان، ونتشرذم هذا مع فلان وهذا مع فلان، أنا لا أريد أن أذكر الأسماء حتى لا أظلم أحدا، لكن الساحة الثقافية تشرذمت، ولم تعد هناك رسالة توحد أو تجمع، هي حالة من التشرذم لم نعرفها حتى في السبعينيات مع ما كنا نواجه من تيارات مؤلمة، وتعرفون التيار الشيوعي أو التيار الاشتراكي المتطرف وما كان يكيد للتيار الإسلامي والمقالات المنشورة آنذاك تشهد بذلك، مع ذلك كنا نلتقي مع هؤلاء ونناقشهم ونقيم الندوات معا، لماذا؟.. لأن الجزائر في الأخير تجمعنا، لكن الآن ـ للأسف ـ دخلت تيارات مختلفة، ودخلت شنشنات مختلفات تحاول الكيد، أو هي ـ مع الأسف أقول مع الأسف ـ تسيّر من خارج الجزائر، وهذا ما يُؤلم.. أن يكون الأديب أداة كـ/القراقوز/ يحرك بخيوط خفية، عندئذ لا يصبح للأدب رسالة، وإذا فقد الأدب رسالته أصبح هراءً..

* ألا يمكن القول أن /التشرذم/ المسيطر على ساحة الثقافة الجزائرية سببه أنه لا يوجد مشروع ثقافي واضح المعالم، ثم إن الساحة تعجّ بأسماء تنتسب إلى الثقافة، ولكنها في عداد المتعارف عليه بـ/النخبة المغشوشة/، فهناك أسماء عديدة تُقدّم على أساس أنها تمثل الشعر أو القصة، ولكنها ليست على علاقة بها..
- .. صحيح، صحيح..أنا أوافقك تماما على هذا التحليل بارك الله فيك..فعلا..، نستطيع القول دائما أن الثقافة وجه للسياسة شئنا أم أبينا، ولابد أن تتأثر بالوضع السياسي بصفة عامة دون الحديث عن الوضع الاجتماعي فنحن لا نشك في التأثير الاجتماعي، ولكن ما أثّر أكثر هو أن الأدباء أصبحوا صورة للتشرذم السياسي، وإن شئت التصريح، فلنقل صورة للأحزاب، فلان ينتمي إلى الحزب الفلاني، والآخر إلى الحزب الفلاني، فإذا كان من حق الأديب أن ينتمي إلى حزب، فليكن انتماؤه سياسيا، ولكن لا بد أن يكون هنالك ـ على الأقل ـ قدر مما يجمعنا بالنسبة للمصلحة الجزائرية، فلا ينبغي للأديب أن يكون صورة لمتطلبات حزب معين، وعندئذ يكون /بوقا/، وانتهى، ويتحول إلى انسان يستقبل ولا يرسل، كأن يأخذ المعلومة أوالخبر ثم يوظفه على حسب هوى من يسيّره لا على حسب ما يشعر به هو في ذاته، وإذا فقد الأدب الصدق الفني فقد ضيّع كل شيء، ولذلك نجد روائع الأدب الخالدة من الأدب العالمي أو الأدب العربي أو الإسلامي هي تلك التي تنبع من ذات الشاعر أو الأديب، من أحاسيسه الذاتية الداخلية بعيدا عن أعمال المناسبات، لقد دخلنا فترة شعر المناسبات في الجزائر، فعندما يكتب الواحد قصيدة تلبية لرغبة فلان أو بأمر من جماعة..

* /متابعة/ يكون الجانب الوجداني من القصيدة قد ذهب، فلا يبقى لها معنى..
- ..نعم.. نجد أنفسنا في مرحلة شعر التكسب.. في الزمن القديم، كان المتنبي ـ على ما فيه ـ فلديه قصائد ينزل فيها إلى الحضيض لأنه كان يكتبها برغبة تكسبية محض، وقصائد أخرى يكتبها وهو يؤمن بما يقول، فتجد البون شاسع كما قال ناقد قديم /تجد عنده الذهب والبعر/ /نتبادل الضحكات مع الدكتور ناصر ثم يواصل/.. واليوم نجد التكسب من هذا النوع، عندما يتكسب الشاعر أو الأديب من أجل منصب أو كرسي، أو لأن هناك تطاحن حول اتحاد ليكون رئيسا، فتراه يلبي رغبات جهات معينة..

* دكتور.. لو تولى المثقفون الحقيقيون التأسيس لمشروع ثقافي في الجزائر، كيف تتصورن هذا المشروع؟
- .. الله أعلم..يبدو لي أن أول خطوة هي العزل بين السياسة والأدب، فلا نكون أبواق ولا طبول لأي اتجاه مهما كان هذا الاتجاه، هناك شيء واحد فقط يجمعنا هو مصلحة الجزائر، هذا الذي ينبغي أن يجمعنا، لأن الأشياء الآنية، والسياسة آنيات تتغير في كل وقت، لا تنفع الأدب في شيء..

* اسمحوا لي دكتور أن أعود إلى /محمد ناصر/ الانسان، الدكتور الأكاديمي الورع المطالب بالموضوعية المحض، ثم الشاعر الذي يحتاج إلى ذاتيته وأحاسيسه المرهفة كي يكتب روائع الأشعار.. كيف توفّقون دكتور بين متطلبات العمل الأكاديمي، والشاعرية التي تعيشونها؟
- الأكاديمية تفرضها المصادر والوثائق والمراجع، أما الذاتية فهي سبحة من السبحات التي تأتي في السحر عندما ينام الناس جميعا، أكثر من مرة توظني القصيدة حين أكون نائما، وأغلب قصائدي كتبتها ما بين الثانية والنصف صباحا إلى الرابعة، والمخاض دائما يكون في المطلع، فإذا بدا المطلع ينهال الشعر، خاصة إذا كان الحدث أو الإبداع الذي تريد كتابته سبقته فترة من الترسبات النفسية، وإن أعطيته المدة الكافية كي ينضج في اللاوعي، فتيقن أن اللاشعور هو الذي يكتب القصيدة..


* الدكتور محمد ناصر يكتب القصيدة العمودية على أوزان الخليل، لماذا لا يجرب قصيدة التفعيلة؟
- أكتب قصيدة التفعيلة..

* آه.. معذرة دكتور، فاتتني هذه، أتذكر الآن أن مدرسة محمد ناصر كانت تجمع بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة ولم تفرق بينهما..
- وآخر قصيدة كتبتها كانت عن /فلوجة الشهداء/، وكانت قصيدة تفعيلة..

* طيب.. ما موقف الدكتور ناصر من النوع الحداثي الذي يدعونه /الشعر المنثور/؟
- صراحة، سئلت أكثر من مرة عن الشعر المنثور فقلت أنني لا أستسيغه، ولا يمكن أن أتقبله على الإطلاق لأنه يخالف طبيعة الشعر.. لماذا يحب الناس الشعر يا أخي؟.. لأنه يجمع بين الصورة والموسيقى، فإذا ما نزعت الصورة، يكون الكلام باهتا، وإذا نزعت الموسيقى فقد نزعت أهم مقوّم من مقومات الشعر، فإذا تحدثنا عن شعر التفعيلة، فمعناه أننا ما زلنا نحافظ على الموسيقى، والموسيقى قد تكون خارجية من بحور الخليل، أو داخلية من خلال الكلمة نفسها، فالكلمة لديها جرس موسيقي فهي موحية، فإذا قلت /سلسبيل/ مثلا، تشعر بأنه ماء حلو رائق، ويحضرني الآن ذلك الأعرابي الذي قيل له /هل تفهم كلمة أذغاغ؟/، وهي كلمة بربرية، ولكن الجاحظ كتبها على أنها فارسية ـ سبحان الله ـ.. المهم.. أجاب الأعرابي قائلا:/لا أفهم هذه اللغة، ولكنني أشعر بأنه شيء صلب/.. وترى كيف استلهم الأعرابي إحساسه، والكلمة تستطيع أن توحي لك بالمعنى من خلال الإيقاع الموسيقي..و/أذغاغ/ تعني الصخر..

* هل يعني هذا بأن الدكتور ناصر لا يعترف للحداثيين بأنهم شعراء، ولا غير ذلك؟
- لا، أستغفر الله، ليس بهذه النظرة الشمولية، قد يكون هناك شاعر مُجيد في قصيدة أو قصيدتين إذا ما التزم بالصورة، وفي استطاعته أن يلتزم بالصورة والموسيقى فيكون عمله متقبلا.. لكن كلام منثور أو يقال شعر منثور..أنت تذكر ولا شك موقف العقاد وموقف الشيخ البشير الابراهيمي وأساتذتة كبار تذوقوا الأدب، ولم يستطيعوا استساغة هذا النوع من الكتابة على الإطلاق، لأن منطق الذوق يخالفه.. لماذا نحب الشعر؟ نحبه لشيئين اثنين، لمضامينه ولشكله، فإذا فقد إحدى الميزتين، فقد الشعر..

* الديوان الشعري لا يجد مقروئية اليوم.. ماذا تغيّر؟
أعتقد أن التغير من الجهتين، من الشعراء والقراء، كان الناس أكثر قراءة للأدب في الستينيات، المشكلة اليوم أن أشياء كثيرة دخلت إلى البيت، فإنك تجد الفيديو والتلفزيون والقرص المضغوط والكمبيوتر مزاحمين للكتاب، حتى الكهرباء تساعد على الكسل، تصور لو انقطعت الكهرباء، فإن الواحد منا لن يتوجه إلى التلفزيون، بل يتوجه إلى الكتاب تحت الضوء الخافت الذي يتوفر له، من ناحية ثانية، نحن شعب ـ بكل صراحة ـ لا نقرأ، أتذكر كتابا للأستاذ محمد عدنان سالم عنوانه /سوء القراءة أولا/ ويقول فيه /أمة إقرأ، لا تقرأ/، فلو يتأمل الانسان في حكمة الله سبحانه وتعالى حين اختار /إقرأ/ أول كلمة تنزل من السماء إلى الأرض لتغير العالم والحضارة والانسان.. هي كلمة /إقرأ/، سبحان الله، لو يتدبر الانسان في هذه الكلمة فحسب فسيجد الجواب الشافي والكافي لكل مشاكله، ولكن نحن ـ للأسف الشديد ـ لا نقرأ، ونهتم بالماديات، وأذكر قول الشافعي /لو كُلّفتُ بصلة، ما حللت مسألة/.. الماديات تشغل الناس كثيرا فيلهثون وراءها ولا يجدون وقتا للقراءة.. أمس تابعت نجيب محفوظ على إحدى القنوات المصرية، سألوه عن كيفية تنظيم يومه فأجاب /من الثامنة إلى الثانية موظف، ومن الرابعة إلى الثانية عشرة ليلا أديب، أقرأ من الرابعة إلى الثامنة، ولا شيء غير القراءة/ هذا نجيب محفوظ والعقاد وطه حسين وغيرهم.. وأذكر أن الأستاذ عدنان سالم ذكر في كتابه الذي ذكرناه آنفا أن الأمريكيين ارتاعوا عندما وجدوا أن الروس سبقوهم إلى الفضاء سنة 1961، فدرسوا المشكلة في تأخرهم ووجدوا /أنهم شعب لم يكن يقرأ/ فحثوا على القراءة ووظفوا القراءة وفتحوا المكتبات وسهلوا الطباعة، فلم تطلّ عليهم سنة 1969 حتى كانوا سبقوا إلى المشي على القمر..

* دكتور ناصر.. هل تتذكرون القصيدة التي قرأتموها فأحببتموها فجلعت منكم شاعرا؟
- والله.. كنت أقرأ لشعراء العصر العباسي بصفة خاصة، أبو تمام والمتنبي، ولكن في فترة من الفترات كنت أقرأ لمحمود غنيم خاصة عندما كنت في مدرسة الحياة، كنت أقرأ له ديوان /صرخة في واد/ وأحفظ كثيرا من قصائد هذا الديوان..

* من خلال تجربتكم مع غنيم إلى اليوم، من تنصحون لنا بقراءته من الشعراء المعاصرين.. طبعا..أمر مفروغ منه أننا من قراء الشاعر محمد ناصر..
- يعجبني شعر أحمد مطر، وشعر الدكتور مصطفي العشماوي، شعره قوي ومتين، يجمع بين الأصالة والتفتح، يعجبني نزار قباني في قصائده السياسية عندما لا يتسفّل إلى حضيض مخاطبة الغريزة الانسانية، فأنا دائما أومن بأن الشعر رسالة، ونزار لا يفقد شاعريته حتى ولو كتب عمّا يكتب في موضوعه الذي تخصص فيه، فهو شاعر حتى في كتاباته النثرية، عندما تقرأ له /الشعر قنديل أخضر/ فكأنك تقرأ قصيدة وهو يكتب عن الشعر، وعندما نقرأ له /يوميات امرأة لا مبالية/ نجده يبدع عندما يعالج أي موضوع، فهو شاعر يعرف كيف ينقي الكلمة الموحية.. على كل حال الشعراء كثيرون في البلاد العربية، لا أستطيع الحديث عن الجزائر، ولكنني لم أر من أراه شاعرا حقا..

* الجزائر حصدت أغلب الجوائز العربية المخصصة للشعر، هناك الزبير دردوخ، وابراهيم صديقي..
- آه نعم.. ابراهيم صديقي.. هذا شاعر ممتاز يا أخي، هذا يعجبني فعلا، شعره ممتاز ومتمكن وأصيل.. صديقنا وحبيبنا مصطفى الغماري بدوره شاعر كبير، ولكني كنت دائما أقول للغماري /إنك مكثر مما يجعل القصائد متشابهة/، هو شاعر ما شاء الله يمتلك رصيدا لغويا قويا، فهو يعتمد على ذلك الرصيد، وكنت أقول له دائما اترك الحدث يتفاعل معك ثم اكتب بعد ذلك..

* دكتور ناصر.. سؤال كنتم تتوقعون أن أطرحه عليكم، ولكنني لم أفعل..
- .. /يضحك الدكتور ناصر/..هو هذا السؤال../أجاب ضاحكا/..

* كلمة تختمون بها جلستنا الطيبة هاته..
- على كل حال.. سررت برؤيتكم والتعرف عليكم، بارك الله فيكم، وأنا في الحقيقة ممتن ومعتز كثيرا بهذا اللقاء الذي نرجو أن يستمر ويكون له أثر نفيد به الساحة الثقافية الجزائرية..