لقاء من الشوارع الخلفية مع الشاعر حسين علي يونس:
حاوره عادل كمال: هذه بداية سلسلة من حوارات مع مثقفين ساسة وادباء، هي محاولة للتجول معهم في شوارعهم الخلفية، بغية كشف المستور في الشارع الثقافي او السياسي من جانب، ومن جانب المساهمة في اغناء الحياة الثقافية بكم من الحقائق، التي ستكون عرضة للحوار مع مثقفين اخرين ياتي ذكرهم فيها: انها محاولة لم انجز منها لحد الان سوى حوارين: الاول كان من الشاعر صادق الصائغ، الذي رايت تاجيله، على اهميته، لحلقة قادمة، والثاني مع الشاعر حسين على يونس، انشره اليوم على " ايلاف " قافزا على فكرة كتابة مقدمة لكل ضيف في الحوار، معطيا له فرصة ان يقدم نفسه كما يريد..![]()
* في كردستان، ايام المعارضة، سمعت من احد القادمين من بغداد، انك اسست حزبا معارضا لنظام صدام، وبقدر مابدا الامر مشرفا، بقدر ما وجدتني مستغرقا في تامل فكرة كونك ربما اصبحت مقاولا سياسيا اخيرا، فبقيت اضحك لعدة ايام: معقولة، كيف خطر لـ "حسين الصعلوك" ذلك، قلت مع نفسي، وبعد سقوط صدام التقينا، فوجدتك مجردا: لاحماية، لامليشيا مسلحة: والادهى انك عاطل عن العمل، كما قبل، ما القضية ياصديقي؟
ـ " يضحك".. الحكاية بسيطة: قبل سقوط صدام بحوالي سنة او ثماني اشهر، وبعد نقاش بيني وبين والروائي طه حامد الشبيب، حول الوضع العام، اقترحت عليه تاسيس حزبا سياسيامعارضا: هو " حركة الاخاء والسلام ". الفكرة بدات هكذا، اي فكرة الحزب، وهي فكرة تحريضية، غايتها توجيه الاستياء العام، لدى الناس، ولدى بعض المثقفين، وتحويله الى نوع من الاحتجاج والرفض للممارسات الفاشية. لم نكن نطمح الى اكثر من هذا: احداث قطيعة بين الناس والنظام: موقف اخلاقي وثقافي، ازاء التدهور العام: كان هذا اقصى ما نستطيع فعله، حيث لا امكانية مادية اكثر من الوعي، فنحن كنا نعيش وضعا ماديا تعسا من كل النواحي، وامكانيتنا محدودة جدا، لاتتعدى مصروف الجيب.." يضحك "
كنت اعرف مجموعة من المثقفين الماركسيين، الذين كانت لهم رغبة في تكوين تيار او حزب معارض، وقد كان هؤلاء هم نواة التنظيم، الذي كان خيطيا. اما على صعيد الوسط الثقافي، فقد عرف بعض المثقفين، بمرور الايام، بوجود هذا الحزب، وكانت ردود الفعل ازائه متباينة، بين الخوف والشك او القبول او التعاطف او الرفض، مع ذلك فقد تمكنا من ان نجمع الينا كثيرا من الوجوه الثقافية المعروفة، كان هناك مسرحيون وشعراء وقصاصون وادباء ونقاد ومفكرون. وكان معنا الناقد محمد مبارك، وحنون مجيد، وحميد المختار.. واخرون كثيرون، وكان كل نشاطنا يتركز على توزيع المنشورات او اصدار البيانات، وتوجيه الرسائل " التنبيهية " لبعض الرموز والنخب الثقافية، والى الوزراء في حكومة صدام.
المسألة وطنية بحتة بالنسبة لي، فلست سياسيا، وانت تعرفني، بالرغم من اني املك صلات مع بعض الاحزاب السياسية الموجودة في الخارج، ومع بعض النخب الثقافية المعارضة. كنت اعمل على تكثير البيانات التي تصلني عبر اناس موثوقين: ساهمت في تكثير وتوزيع عدد كبير من منشورات حزب الدعوة، والحزب الشيوعي العمالي.. والحزب الشيوعي العراقي، بالرغم من اختلاف القناعات مع هذه الاحزاب، الا اني رايت نفسي مستعدا لعمل اي شيء، يمكن ان يضر بنظام صدام، ولذلك كانت مكتبتي، في مدينة الثورة، بمثابة مكتب لحركة الاخاء والسلام: وكنا نعقد اجتماعاتنا في تلك المكتبة، واتذكر انني اقترحت على الدكتور طه الشبيب ان يكون الاستاذ محمد مبارك هو امين عام الحركة، وقد وافق، فمحمد مبارك كان اكبرنا سنا، بالاضافة الى كونه وجها اجتماعيا وثقافيا مقبولا...... " يضحك ": يعني انا كنت معارضا، لكن على طريقتي.. المهم: " سويت فد شي "...
* وما مصير الحركة او الحزب، فيما بعد؟
ـ الحركة موجودة لحد الان، وهي تعمل في الساحة السياسية، ولها رصيد اجتماعي وسياسي، وجريدة ومطبوعات، لكن الموضوع انتهى بعد سقوط صدام بالنسبة لي: لقد ساهمت في خلق ظاهرة معينة، في فترة سياسية خاصة، او هكذا رايت: ان علي ان اخلق نوعا من القلق في جسد وكيان سلطة سرقت منا الهدوء والامل، سلطة منعتنا من التحليق ولو في داخل انفسنا، وقد فعلت ذلك.. وهذا يكفي: حققت واحدا من اهم احلامي: ان اقلق النظام. ومع ذلك ياصديقي فها انا عاطل عن العمل.. لست اشكو، فالموضوع على مايبدو اننا لايمكن ان نتفق او نتوائم او نتآخى مع اي نظام.. " يضحك ": " هيه شمره.. ماكوجاره.. احنه مانرهم.. ": كتابة قصيدة عظيمة هم اصيل، لايملكه ايا كان.. وكذلك قراءة شيء عظيم، او التعرف على انسان عظيم.. هاهي همومنا القديمة تعود مثل طيور كانت مهاجرة، فنطير معها او فيها.. ام ان لك رأيا آخر؟
* انت تعرف رايي في مسالة الاجيال الشعرية، فانا لا اومن الا بمناطق شعرية او اساليب شعرية خاصة، فمسالة الجيل الشعري وتقييده بعشر سنوات، خاصة في العراق، الذي اخذ فيه صراع الاجيال صفة تناحرية، نتيجة لتسلل السياسي الى جسد الثقافي، وبالتالي استيلاد اسماء وعناوين، بعمليات قصيرية معروفة.. هذه المسالة تبدو لي شائكة ويجب اعادة قرائتها وفق معطيات اكثر موضوعية، ومع ذلك فانت من ابرز الاصوات التسعينية، ماهو رايك بمفهوم الجيل، كما هو مطروح، وماهي - من وجهة نظرك - المميزات الفنية الهامة التي جاء بها التسعينيون، الذين اعتقد انهم اكثر الاجيال قربا من الروح الستينية؟
ـ الجيل الشعري مفهوم تاريخي، مرتبط بظروف اجتماعية وسياسية وثقافية معينة، ولايمكن ان ننظر اليه بهذا التجريد، بكلام اخر لايمكن عزل النتاج الشعري عن الظروف التي ساهمت في انتاجه موضوعيا او ذاتيا، وهكذا الجيل الشعري ايضا. لايعني هذا ان كل ماينشر في فترة زمنية معينة يمثل السمات الفنية لتلك المرحلة، فهناك سبعينيون نشروا في الثمانينات او في التسعينات، وهكذا. اريد ان اقول ان النشر لايعد فيصلا في تحديد هوية الشاعر او انتسابه الى جيل معين، بل الفيصل هو ما يحمل نتاجه من خصائص فنية، لكن مسالة التوثيق مهمة: من هم الستينيون او السبعينيون او الثمانينيون.. هذه هي المسألة. كما ان هناك الكثير ممن يكتب معتقدا بنفسه انه صار شاعرا بمجرد الكتابة، ثم مرت الايام وتبين العكس: اين تلك الجعجعات الكلامية والنقدية واين تلك الاسماء التي غزت الصحف والمجلات، على مختلف المراحل والاجيال: في الحقيقة لاتوجد سوى اسماء: اسماء قليلة يحملها شعراء حقيقيون من اول لحظة: ماذا تبقي من الجيل السبعيني غير عقيل علي ورعد عبد القادر وهاشم شفيق، مثلا؟
* لكن هناك كلام كثير حول عقيل علي..
ـ عقيل علي شاعر كبير، وهو من اروع شعراء قصيدة النثر العراقية والعربية، ومن يقول كلاما مخالفا لذلك انما ينطلق من اسباب تتعلق بالضغينة او الحسد، او الشعور بالضآلة من منجز عقيل، وهناك نفر كبير من المتشاعرين يعلقون فرية الاسناد النظري من الشاعر لقصيدته او لمنجزه: موضة تبناها ناقصو الموهبة، لتفسير قصائدهم الفقيرة لميزة الشعر العظيم: الصورة المبتكرة، هؤلاء يريدون من عقيل ان يدعم منجزه باطار نظري، وهو الفاقد لذاكرته.. اي ثقافة هذي؟
كأن القصيدة لاتخفي تحتها اعظم النظريات، حسب باشلار، بما فيها تلك القصائد البدائية. طبعا انا مع ان يكون الشاعر مثقفا او قارئا كبيرا او صاحب نظرية، لكني اقول كل هذه الاشياء لوحدها لاتصنع شاعرا، مالم تكن هناك موهبة اصيلة.. كما ان هناك كلاما اخر عن عقيل، كلاما مؤلما.. الا اننا تعيش ثقافة غير صحية، واخشى من اقول شيئا لصالحه شعريا، لكنه ينقلب عليه اجتماعيا.. لكن عقيل اعظم صوت شعري سبعيني عراقي، وبلا منازع..
* نعود الى مسألة الجيل، والجيل التسعيني..
نعم، هكذا المسالة: الجيل للتوثيق، للتاريخ.. وهناك ماراثون، من يعرف كيف يغذي طاقته الشعرية بالتجربة سيستمر. لاحظ الجيل الثمانيني كذلك، الذي ظهر في مرحلة هامة وخطرة من تاريخ العراق: اين تلك الاسماء والمجاميع الشعرية والحفاوات النقدية والاجتماعية: لم يبق منها الا اسماء معدودة، قياسا الى الكم الهائل من الاسماء، خاصة تلك التي دأبت على كتابة نشيد التعبئة الحربية.. هناك اسماء قليلة بقيت: باسم المرعبي، خالد جابر يوسف، محمد مظلوم، ونصيف الناصري، وهذا الاخير شاعر من طراز خاص..
هذه الاسماء، من كل جيل، تصلح ان تكون ممثلة لمراحل تطور الشعرية العراقية فيما بعد، اما فيما مضى فالجيل الفلاني هم فلان وفلان وفلان.. هذا ايضا ينطبق على جيل التسعينات، الذي ولد على اعتاب منعطفات دولية ومحلية: انهيار الاتحاد السوفييتي، غزو الكويت، انتفاضة اذار.. الحصار الدولي: التسعينات ايضا شهدت حركة هجرة مكثفة من العراقيين الى الخارج، ومن تداعيات هذه الهجرة حدثت امور كثيرة، اهمها لفت الانظار الى مايحدث في العراق ثقافيا وفكريا وسياسيا: لفت الانظار الى حجم الدمار في الروح، وبالتالي بالفنون التي تنتجها هذه الروح، هذا دعا المؤسسة البعثية الى ان تعيد النظر في جملة حساباتها، فكفت عن امور كثيرة كانت تمارسها في المراحل السياسية السابقة، من بينها غض النظر عما يكتب، اي تحجيم دور الرقيب وان بدرجة اقل، طبعا بعد ان القت تبعات المراحل السابقة على الرموز البعثية المعروفة: سامي مهدي وحميد سعيد.. والى اخره، واحلال محلهم رموز جديدة: رعد بندر مثلا، وتحت رعاية مباشرة، من البيت الحاكم نفسه، عندما صار عدي رئيسا للتجمع الثقافي.. الخ
اريد ان اقول: ان التسعينين ولدوا في تلك المرحلة، واخذت قصائدهم حرارتها من خصائص الحياة السياسية والاجتماعية الحديدة: الجوع، وانهيار منظومة القيم الاجتماعية، والبتالي الثقافية، الهزيمة النفسية والغربة الفظيعة للنظام نفسه: وهناك شيء هام: انكسار حاجز الخوف لدى الفرد العراقي، كنتيجة مباشرة لانتفاضة اذار، والحملة الاعلامية المكثفة التي قادتها الولايات المتحدة ضد النظام.. هذه العوامل ساهمت بظهور كتابة شعرية واحدة تقريبا، ساهمت بها اجيال شعرية عديدة: صرخة واحدة بحناجر عدة.. اما عن تاثير جيل الستينات فعندي ملاحظة مهمة: اهم شيء انجزته الستينيون، واقصد شعراء الطليعة فيه، هو انهم كتبوا شعرا قائما على هاجس الثورة: الثورة على الايقاع وعلى الشكل، والاكثر على الرؤى التقليدية السائدة، وللاسف لم يتمكن السبعينيون من استثمار هذا او دعمه، او التأسيس عليه، وطبعا كانت هناك اسباب ايديولوجية وراء ذلك، فقصيدة النثر كانت ممنوعة من النشر والتداول، حتى منتصف الثمانينات، واسباب المنع معروفة، اذ كنا نعيش نظاما مغلقا، يخشى اي اتساع في الرؤيا.ولذلك يمكن القول عن جيل الثمانينات انه جيل توصيلي: جيل ـ اذا استثنينا نشيد التعبئة - استطاع ان يتصل بالتجربة الستينية، بتبنيه مشروع قصيدة النثر، وبالتالي ايصالها الى مناطق جديدة، وهذا بدوره انعكس على جيل التسعينات.. ومع ذلك فمن بقي من تلك الاصوات التسعينية؟
* حقا من بقي، في رايك؟
ـ ان تقدم روحك كشاعر لوحده شيء، وان تكون واحدا من جماعة هي الجيل شيء اخر، وفي الحالتين هناك قاعدة هامة، هي ان الشعر له شروطه الخاصة، ومواصلة كتابته لا تقدم شيئا ان كنت فاقدا للموهبة اصلا: الشعر له شروط خاصة، فهو موهبة اولا، وحساسية عالية جدا ازاء الكون والوجود والاشياء ثانيا، ثم القابلية الفذة غلى خلق الصور، وضمن هذه الشروط هناك صوتان خاصان في التسعينات: خالد مطلك، وخالد عبد الزهرة.. هذا رايي، بدون حرج، لكن ذلك لايعدم وجود اصوات شعرية اخرى تتوفر بها، بدرجات متفاوتة، بعض تلك الشروط..
* هل نسيت: سليمان جوني.. مثلا؟
ـ سليمان جوني شاعر جيد ايضا.
* انت الشاعر الاول الذي اصدر مجاميعه الشعرية على نفقته الخاصة، مع انك مفلس ابدي: كيف خطر لك ان تستخدم طريقة الاستنساخ في اصدار مجاميعك الشعرية: في الحقيقة، وانا صاحبك وصديقك: كيف خرجت من يافوخك هذه الفكرة، انها فكرة مجنونة، اتعرف؟
- لابد من الجنون، في العمل الفني، والنشر عملية فنية ايضا، لاتقل اهمية عن الابتكار الشعري نفسه: ان تعرف كيف ومتى واين تنشر قضية هامة، تخضع لتقديراتك كفنان، وبالنسبة لي فان طريقة الاستنساخ كانت رد فعل طبيعي، حين رفضت المؤسسة الفاشية طبع مجموعتي: "اساءات": كان الرقيب المكلف بفحصها هو الشاعر رعد بندر، بعد ان قراها اخبرني انها غير صالحة للنشر لسبب بسيط بالنسبة لي، لكنه معقد بالنسبة له: اختلاف في قراءة العالم بلاشك، ففيما كان العالم يبدو لي سيئا اطلقت على مجموعتي عنوان: " اساءات "، كان العالم يبدو له - اي رعد- جيدا..." يضحك ".. عندما طلبت منه مثلا على عدم صلاحيتها للنشر، اي مثل، قدم لي قصيدتي المعروفة: " حوارية " وهي كالآتي:
السائق: اين تنزلين، ايتها الام؟
المرأة: قرب الحمار المربوط..
السائق: اه، ياالهي ماذا افعل، والمدينة كلها حمير..؟
" يضحك" هذه القصيدة اخذتها نصا من حوار بين سائق باص وامراة، لان هناك في هذا الحوار مايدعم وجهة نظري بان العالم سيئا، لكن الرقيب كان يرى عكس ذلك، فصممت على اصدار المجموعة باي وسيلة، ولم يكن امامي سوى الاستنساخ: هكذا ببساطة: لاثورية ولابطيخ.. ولاادعاءات كبيرة، لقد جن جنوني على ان اصدر مجموعتي الشعرية احراجا للرقيب واذلاله، لأقول له: لست بحاجة اليك او لنظامك.. ثم توالت المجموعات واحدة بعد اخرى..
* وماذا كانت ردود الافعال إزاء ما فعلت؟
- المجموعة الاولى: " اساءات " كنت اوزعها باليد في مقهى حسن عجمي، واحيانا في حدائق الاتحاد، او في اماكن تحدث فيها نشاطات ثقافية: هناك اصدقاء شعراء وشرفاء ازروني في توزيعها بين المحافظات، ولذلك فقد حققت انتشارا سريعا: هذا الانتشار بقدر ماكان لصالحي كان ضدي ايضا، فذات يوم جائني الشاعر سامي مهدي، واخذني الى ركن منعزل من اركان حسن عجمي، قال لي: " انته شغلك حلو.. ويعجبني، ولكن يجب تنبيهك الى ان هناك ثمان تقارير مكتوبة ضدك.. موجودة على مكتبي.. فدير بالك على نفسك ". هذا موقف، على أي حال، لن انساه من سامي مهدي، فقد كان صادقا معي: كنت هدفا واضحا ومكشوفا لكتبة التقارير، واعرف ذلك، او ادركه قبل تنبيه سامي، ومع ذلك لم اتوقف.. قلت في نفسي: " هيه خربانه.. خربانه.. شيصير خل ايصير" وهناك مستوى اخر لردود الافعال، فثمة من نظر الى عملي وكانه اساءة للشعر وللثقافة، ولا افهم فعلا.. ما هو المقدس في شعرهم وثقافتهم اولا، ولمَ يفسر عملي بالاساءة، ولايفسر عملهم التطبيلي اساءة حقيقية وجوهرية للناس والثقافة وللشعر في ان واحد، هذا جانب من ردود الافعال وهناك جانب اخر نظر الى الامر برمته، وكأني ابتدع اي وسيلة للفت الانظار الي، وكاني معني بالشهرة او النجومية، فيما الشاعر، اي شاعر حقيقي، لايجب عليه ان يفكر ابعد مما يكتب، لأن الشهرة لاتعني سوى المتاعب والهموم، وسلبك حريتك، بل ان البعض قدحت في راسه فكرة عجيبة، مؤادها - بعد ان تحولت ثقافة الاستنساخ الى ظاهرة - اننا ظاهرة لاتختلف عن ظاهرة السوق الاستهلاكي الذي غزا الفن والادب والمسرح، وكما قلت لك: انا اردت ان امرغ الرقيب بالوحل، اردت ان اريه ان بامكاني وبامكان سواي ان نصدر نتاجنا دون "مكرمته": هذا هو الامر ببساطة، اما كون هذا النتاج صالح او غير صالح فتلك قضية فنية بحتة، يقررها النقد والذوق، اي لايمكن ان تقررها المؤسسة، اي مؤسسة، فكرية او سياسية او حزبية.. ان ادق راي سمعته في شعري هو رايك: "ان شعرك خارج الخلق الرسمي": نعم، ان شعري خارج عن الخلق الرسمي لأي مؤسسة، وتكفيني هذه الشهادة لوحدها..
* حسنا ما هي ردود افعال المؤسسة الثقافية؟
ـ لايمكن عزل ردود افعال المؤسسة عن الواقع المركب العجيب في تلك الايام، فقد تحولت طباعة المجاميع الشعرية والقصصية بطريقة الاستنساخ، بل وبيع وشراء الكتب المستنسخة، الى مشكلة حقيقية لايمكن التعامل معها باسلوب واحد، خاصة وان مكاتب الاستنساخ والسكرين قد بدأت تنشط في تكوين سوقها الخاص، بل وصار الابداع المستنسخ هو الاكثر رواجا بين الجمهور: صار اصدار مجموعة مستنسخة نوعا من الامتياز، لما يحمله من دلالات سياسية وثقافية وفنية، وهكذا لما لم يكن هناك من حائل دون انتشار الظاهرة، تطوع من قال مدفوعا من اوليائه الفاشست: ان ظاهرة الاستنساخ هي رد فعل مقاوم لقضية الحصار، ولقد سمعت هذا الكلام في ندوة على راديو مونت كارلو، وقرأت مثله في الصحف والمجلات العراقية، وما يؤلمني ان بعض جهات " المعارضة العراقية " قد تبنت نفس هذا الكلام.. هذا على مستوى الاعلام، اي على مستوى تسويق الظاهرة اعلاميا، لكسب التعاطف بالمتاجرة بهموم المثقف العراقي، وهناك مستوى اخر، هو الالتفاف على الظاهرة نفسها، بطبع مجاميع شعرية او قصصية بنفس الطريقة لأدباء من خدمة النظام: عبد المطلب محمود وامثاله..
* على ذكر الشهرة، ثمة من يتهمك بانك اطلقت على نفسك لقب: " حسين الصعلوك " طلبا لها، فيما انت تزعم غير ذلك ، ومن جانب اخر: هل انت صعلوك حقا؟
- قبل كل شيء يجب ان اوضح امرا في غاية الاهمية،هو ان خصوصيتك كشاعر تاتي من الشعر لامن الظواهر المحيطة به، ولقب كالصعلوك ليس اي لقب: انه خطر، فهو يمتد عميقا الى منظومة من الافكار والمواقف والقيم، اقصد ان " الصعلوك " ليس انتسابا الى عشيرة أو الى قبيلة، عبر وسائل الانتساب المعروفة، ولذلك ليس بامكان الشاعر بهذه البساطة ان يقول بانه صعلوك وانا - مثلما انت - لست صعلوكا، بقدر مانعيش حياتنا مثلما نريد ببوهيمية خاصة بنا، بوهيمية مرتبة او ممنهجة الى حد ما: لاقرب من السلطة، لاتذلل امام اولياء امور الناس، لاكتابة غير مايعجبنا، لامساومة على الفن والجمال: شروط اربعة تفاهمنا عليها منذ زمن طويل، ولذلك فليس ثمة فخر في الامر: انها حياتنا ببساطة اعجبت الاخرين ام لم تعجبهم، لكن " جان دمو" العظيم وجد في شعري نوعا من الصعلكة التي يحبها.. فقال: حسين صعلوك في الشعر، ومن يومها تلبسني اللقب، ولو لم يكن جان دمو هو الذي اطلقه لما اخذ شهرة، والسبب بسيط وعميق، هو ان جان ينتمي الى منظومة الافكار والقيم والمواقف التي تخص الصعاليك، و التي كرس لها عمر بحاله، وحياة بحالها، ولذلك عندما يصدر هكذا قول من جان، فهو ينطوي على دلالات، استطاع جان لوحده ان يمسك بها، فليس كل احد بامكانه ان يكون جان، او يكرر نموذجه، لان من المستحيل ان يحول المرء حياته كلها الى شعر كما فعل جان: هذا هو الموضوع بكل بساطة: انني اعيش قيمي الخاصة التي انتسب لها وتنتسب لي، لأنها الوحيدة القادرة على رسم بصمتي كما هي.. وليس مهما عندي ان قال الناس عني صعلوك او لا، فهي حياتي وانا الذي اقررها اولا واخيرا، وليس في ذلك اي علاقة بالشهرة..
-*من المحتمل ان يفهم القاريء انك قد تنازلت عن لقب حسين الصعلوك، ربما هذا انصياعا لما كتب هنا وهناك حول علاقة الصعاليك بالديمقراطية، على فكرة: هل انتفت الحاجة الى الصعاليك فعلا؟
ـ ليس ثمة انصياع او خوف في الامر: انه امر مضحك فعلا: ما علاقة الديمقراطية بما تقول؟ وهل المجتمعات الديمقراطية تخلو من ظاهرة الصعاليك؟ او بشكل ادق: لو كان جان دمو حيا، هل تتوقع منه ان يتخلى عن اسماله. لقد قرات مثل هذا الكلام.. عن انتفاء الحاجة الى الصعاليك: انها النيوبعثية ياصديقي: متى كان الصعاليك حاجة؟ هل هم زينة، ام مجموعة مواقف من الكون والوجود والحياة؟
ان طرح اشكالية من هذا النوع، وبهذا الشكل، يدل على ان مستوى الغباء قد وصل الى مستويات متدنية، ففيما تعني الصعلكة طريقة في الحياة، يتصور البعض ان الديمقراطية هي الفوضى، او هي العصى السحرية التي ستحول الشاعر الى فرد من القطيع، ما الفارق اذن، على ضوء هذا الفهم، بين الديمقراطية والاحزاب الشمولية...؟
*انني بصدد كتابة تقرير عن "الصيف الاخير لجان دمو في كركوك.." اتذكر في ذلك العام اني كنت اراه والتقيه كثيرا في كركوك، ومرة رايته يضحك عندما اكتشف انك نشرت قصيدة باسمه في جريدة الجمهورية، قال لي: " سواها الصعلوك.. "، هل كان ثمة اتفاق بينك وبين جان على موضوع ما، او ما الامر؟
ـ لا، لم يكن ثمة اتفاق، لكن جان يمتلك حدسا خاصا، حدسا شعريا محضا. ستاتيك الحكاية، التي هي معروفة تقريبا لدى الجميع: جان دمو كائن شعري، ليس له نظير: والشعري فيه لايحمل اي بعد اجتماعي: جان لن يتكرر ابدا، فالشعر بالنسبة اليه سلوك وطريقة واسلوب في الحياة، اكثر مما هو لنا فعلا تدوينيا: كتابة، ولذلك كان الموقف منه ملتبسا من قبل المؤسسة، ومن قبل اصحاب الادب الرفيع، الذين كان جان يمقتهم بكل قوته، مجاهرة وعلنا، غير عابئ بأي شيء يترتب على ذلك. وعلاقتي به مهما كانت وثيقة الا انها لم تكن علاقة معلم بتلميذ، خاصة من جانبه، فكما قلت لك هو لايعبأ باي ميزة اجتماعية يمليها عليه الواقع: لم يتصرف يوما بوصفه شيخا او استاذا او ابا او اخا كبيرا.. او.. وفق اي معنى اجتماعي اخر.. بل كان يتصرف بوصفه شاعرا، لكن اي شاعر؟ انه الشاعر الذي اراده هو.. لا الاطار الذي تسوقه المناهج والاعراف والمدارس. وقد افادتنى علاقتي بجان باهم ملاحظة قدمها لي مرة: التكثيف في القصيدة، والحفاظ عليها وجيزة من الداخل: بلورة صافية، كما وصفها مرة..
اول لقاء معه كان في حسن عجمي عام 1986، وكان في وقتها قد تعرض لحادث سيارة، فوجدته يتؤكا على عصا، وهناك قدمت اليه ما عندي من شعر، فقرأه.. وبدون تعليق منه تحولنا فورا الى اصدقاء، فكنت ازوره دائما، وافتقده. اما قضية القصيدة فهي كالآتي: مرة قدمت الى محرر الصفحة الثقافية في جريدة الجمهورية مجموعة من القصائد بالتتابع فلم ينشرها، فعمدت الى حيلة: قدمت له قصيدة عنوانها: " الممسوسون في اطراف الناي..." ووقعت عليها بقلم جان دمو، فما كان من المحرر الا ان اعجب بها فورا، ونشرها بعد يومين تقريبا: جان في تلك الايام في كركوك، وهو الصيف الذي تتحدث عنه، فقرأها وقد خمن اني من وراء هذه القفشة، وحين عاد بغداد التقاني ضاحكا: " شوف القصيدة الك.. والمكافأة لي " هذا اصل الحكاية ياصديقي..
* تغيير النظام، وانفتاح الشاعر العراقي مباشرة على ما يكتب او يدور في الخارج، عبر شبكة الانترنيت، هل سيساهم في رأيك في احداث تطور او تقلة موضوعية في الشعر العراقي، او بكلام اخر: ماهو مستقبل الشعر او الشاعر العراقي وفق المعطيات الجديدة؟
ـ لا اتوقع ان يكون الشعر العراقي جيدا او سيئا، لا استطيع ان اقول ذلك ببساطة، لأن مستقبل العراق او حاضره متعلق بشيء اسمه الرؤية، اما الشعر فيتعلق بالرؤى، وشتان بين الرؤى والرؤيا.. ثم ان الشعر محاولة فردية تخص الكائن لوحده بمعزل عن اي نظام او مستقبل.. او أي تنظير، الشعر نقيض الحياة بما هي حياة، لأنه ببساطة حياة اخرى، ولذلك فهو ليس تقريرا عن الواقع، او تصويرا له.. الشعر عالم مجاور لهذا العالم المرئي، لكنه سري، حميمي، وشخصي جدا..
لكنني من خلال الاطلاع على بعض ما يدور في الشبكة، ومن خلال ما نشرته بعض الصحف البغدادية، قرات شيئا عن ما يقال عنه ادب داخل وادب خارج: شعر داخل وشعر خارج.. الخ
ورأيي ان العقل العراقي عقل شعري، وهو ان كان في بغداد او كان في البصرة.. او في ستوكهولم.. ينطلق من نفس البنية، وما يتغير هو المناخ الخارجي: اجواء الحرية، الديمقراطية، الرفاهية.. اما نقطة الانطلاق فهي واحدة.. ولذلك لايوجد ادب داخل او ادب خارج، هذا الا اذا كان هناك ادب بغدادي وادب موصلي.. وكدليل على كلامي تجربة الشاعرتين العراقيتين منى كريم وفيفيان صليبو..
* لكن هناك ثمة من يعتبر منى كريم شاعرة كويتية..او شاعرة من الجزيرة؟
ـ لا.. هذا رأي قاصر، وبينه وبين الحقيقة بون شاسع، فالشعر هاجس قبل شيء، والهوية الشعرية ليست قضية حكوماتية، فمن يقرأ منى كريم يشعر ان ثمة امتدادات شعرية بينها وبين الثقافة والبيئة العراقية.. اقصد ان ثمة سياق ثقافي وشعري تنتمي اليه، وهو واضح جدا لمن يجيد قراءة الشعر.. ثم دعني اسألك سوالا: كيف يمكن ان تعتبر شاعرة تكتب بالفرنسية مثل فينوس خوري شاعرة لبنانية، ولا تعتبر منى كريم عراقية.." يحتد.. هيه كوتره.. " ثم اين العقل الشعري العراقي، الا تجد تجلياته واضحة لدى منى وفيفيان؟




التعليقات