لا يمكن دمشق ان تبقى تنتظر الى ما لا نهاية الأحداث لتقرر في ضوئها ما ستفعله في لبنان ليصبح موقفها فيه مجرد رد فعل، بدلاً من ان تكون هي الممسكة بزمام المبادرة في بلد، هي الأقوى فيه، بين سائر الدول التي باتت تتدخل الآن في شؤونه اكثر من السابق، بعد ان كانت الساحة خالية للسياسة السورية في شكل كامل.
فوقائع الاسابيع القليلة الماضية، منذ صدور قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 9551 في 2 أيلول (سبتمبر) الماضي أثبتت ان الجانب السوري يعتمد سياسة الانتظار. وهو حتى عندما قام بمبادرات، فهي جاءت رد فعل على معارضي استمرار دوره على الشكل الذي تكرس خلال عقد ونيف من الزمن. والشاهد على سياسة الانتظار هو تأجيل الكثير من الاستحقاقات العاجلة. ففي الوقت الذي يتهم حلفاء دمشق معارضيها في لبنان ورافضي خيارها التمديد للرئيس اميل لحود ثلاث سنوات اخرى، بأنهم يراهنون على التحرك الدولي الضاغط ضدها، فإن المسؤولين السوريين هم الذين باتوا يرهنون أي تحرك سياسي في لبنان بالاتصالات الدولية الجارية: لقد تأجلت استقالة حكومة الرئيس رفيق الحريري التي هي خطوة مطلوبة من الجميع من اجل انتظار زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركي وليام بيرنز دمشق، ثم تأجلت في انتظار زيارة الحريري باريس، ثم في انتظار صدور تقرير كوفي أنان. وهذا الاسبوع انتظرت دمشق اجتماع مجلس الأمن أمس لتقرر في ضوئه ما ستفعل. وبين هذه المحطات، انتظرت القيادة السورية مجيء هذا الموفد او المسؤول العربي اليها... وقد دفعت سياسة الانتظار هذه احد عتاة حلفاء دمشق في لبنان، من الذين صوتوا الى جانب التمديد للحود الى السؤال: هل هذا ما آلت اليه اوضاعنا؟ نضبط تحركنا على اجتماع مجلس الأمن، بعدما كانت الساحة خالية لنا والدول الاخرى تلجأ الى دمشق لتطلب منها خدمة ما في لبنان؟
لا يعني هذا الكلام ان دمشق لم تعد هي المرجعية في هذا البلد الذي نسجت معه وفيه علاقات معقدة امتزج فيها التاريخ بالجغرافيا مع المصالح السياسية والشخصية الى حد قل نظيره. ومع ان رقعة القوى السياسية والشعبية المؤيدة لسياستها في لبنان ضاقت بفعل اختلاف اطراف رئيسة ومهمة معها، فإن دمشق ما زالت المرجعية ضمن المعادلة اللبنانية والاقليمية، على رغم دخول مجلس الأمن على الخط، لكن سياسة الانتظار تدل الى لا سياسة. والابقاء على السياسة القديمة، يشير الى ان لا مبادرة سياسية لمعالجة الوضع المستجد بعد الانقسام الحقيقي الذي اصاب صفوف حلفائها، وقاعدة نفوذها الداخلي. بل ان سياسة الانتظار كانت تصلح قبل كل هذه المستجدات، وربما كانت مطلوبة قبل قرار مجلس الأمن، بدل استعجال التمديد. ولا يصلح اسلوب الضغط على معارضي هذا الخيار والسياسة التي انتجته من اجل اعتباره مبادرة، بل هو يقع في خانة رد الفعل.
ان اي مبادرة سياسية سورية هي التي تنتج تسوية جديدة مع اللبنانيين ولو على مراحل تؤدي الى اختراق جدي في الوضع السياسي المتأزم. والحاجة الى هذه المبادرة تبقى قائمة مهما كان توجه مجلس الأمن الذي اجتمع امس، ومهما كان شكل الحكومة اللبنانية الجديدة التي سترى النور بعد أيام. فهي ستفتقد لمبرر الوجود من دون تسوية جديدة للعلاقة بين البلدين. والمبادرة تقتضي تخطي الشعارات حول المصالحة والوحدة الوطنية الى التنفيذ.













التعليقات