يمتاز الاخوان المسلمون في الاردن، تقليديا، بالتزامهم الصريح بالانظمة والقوانين السائدة واحترامهم لها. وقد استطاعت الجماعة، خلال العقود الماضية ان تبرهن على تمسكها بالثوابت الوطنية، واصرارها على ان تكون رمزا للاعتدال والقدرة على «التفاهم» او حتى التحالف مع النظام السياسي الاردني، ضمن اطار من العمل الاجتماعي - السياسي- الدعوِي، دون اي تجاوزات تذكر من كلا الطرفين.
وفي هذا الاطار بالذات، تمكنت «الجماعة» من تمتين علاقتها بالمجتمع والدولة، بحيث تحولت هذه العلاقة، من علاقة «تفاهمية» الى علاقة عضوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وقد اتاحت هذه العلاقة للاخوان المسلمين ان يحصدوا المواقع الرسمية العليا في الوزارات والمؤسسات العامة، واستفاد عدد غير قليل من قياداتهم التنظيمية، من البعثات الدراسية، فتابعوا دراساتهم في الخارج، على نفقة الدولة، وعادوا يحملون الشهادات العليا في مختلف التخصصات الاكاديمية، والتحقوا دون اي معوقات بالوظائف التي تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية، اساتذة وعمداء في الجامعات الرسمية، وموظفين كبارا في مؤسسات الدولة ومواقعها المتعددة.
على هذا الاساس نمت «الجماعة» في الاردن وتجذرت، باعتبارها حركة معتدلة، ليس فقط في علاقتها مع الحكومات، وانما ايضا، وهو الاهم، في علاقتها مع الدين وفهم نصوصه وتعاليمه في اطار حضاري سلمي قيمي، دون شطط او تطرف. ولذلك، قبل الاردنيون الاخوان المسلمين ولم يقبلوا تنظيمات اخرى كانت اكثر مغالاة في نظرتها للدولة وفي فهمها لنصوص الدين وتعاليمه.
هذا التوضيح، من خلال العودة العاجلة الى اساس العلاقة بين «الجماعة» والدولة، قد يكون مفيدا جدا، ونحن نعاين اليوم ملامح «الازمة» بين الحكومة والاخوان.. بحيث يمكن القول: ان الاخوان المسلمين وهم يعلنون التحول في هذه العلاقة، انما يربطونه ايضا، بتحول ملموس تجاه فلسفتهم التقليدية في فهم الدين والاحتكام الى نصوصه، وهذا التحول هو الاخطر والاهم والاحوج للقراءة والمراجعة.
والصحيح ان انتقال «الاخوان» الى خندق المعارضة، بعد تراجع التنظيمات الاخرى، من يسارية وقومية وما شابه، هو انتقال مفهوم، بل ومطلوب ومفيد جدا للحياة السياسية الاردنية، خصوصا بعد ان دخل الاردن في مرحلته الجديدة مع منتصف التسعينيات من القرن المنصرم، وكان لا بد معها من ظهور قوة سياسية مؤثرة وقادرة على التعبير عن «الرأي الاخر» داخل المجتمع، بوسائل قانونية وحضارية مشروعة.
بيد ان المشكلة الحقيقية التي اخذت تتضح منذ سنوات قليلة، وتفاقمت مؤخرا على نحو ملفت، ترتبط بوجود اشارات صريحة على التحول في خطاب الاخوان المسلمين، وتخلي «الجماعة» عن ادائها التقليدي لصالح نمط جديد من الخطاب، الذي اقل ما يمكن وصفه فيه بانه «مقلق» وغير مفهوم، ويشي بأن العلاقة الجديدة تشمل الدولة نفسها ولا تقف عند حد الحكومات وحدها، ومرشحة، مستقبلا، لتشمل المجتمع كله، دون استثناء.
هذا التحول الخطير، يمكن لمسه من خلال المصطلحات الجديدة والمخيفة التي طرأت على الخطاب الاخواني، اذ ولأول مرة، صرنا نسمع من رموز الاخوان مصطلحات من نمط «الطاغوت»، «الحاكمية»، «ملة الكفر»، «المفاصلة» وغيرها من مصطلحات عرفناها جيدا عند جماعات «التكفير والهجرة» والحركات «السلفية الجهادية» بشكل عام!
وهنا، لا بد من القول، وبالاستناد الى القراءات السابقة، ان جماعة «الاخوان المسلمين» شهدت تحولات داخلية كبرى انعكست صراحة على علاقاتها الخارجية بالحكومات والدولة والمجتمع، وقد اتضحت هذه التحولات، وبشكل جليّ، بعد الانتخابات الاخيرة في الصفوف الاولى داخل الجماعة وحزبها السياسي، بحيث غابت بشكل شبه تام القيادات المعروفة باعتدالها ورؤيتها السلمية للعمل العام، واصرارها على احترام القوانين والانظمة السائدة، وحلت مكانها قيادات جديدة، تميل الى الخطاب الجماهيري الملتهب، ولا يرى بعضها بداً في اصدار احكام متشددة تجاه القوانين والسياسات العامة، مع نظرة استعدائية تقارب نظرة من يستندون الى منطق «المفاصلة».
والواقع، ان الحركة الاسلامية المعتدلة والراشدة، هي عماد اساسي من اعمدة الحياة السياسية الاردنية، وخسارتها تمثل خسارة فادحة للحركة الوطنية، الامر الذي يدفعنا جميعا للخوف على مستقبل هذه الحركة، ومدى تقبل الناس لها، ان استمر هذا النمط من الاداء التكفيري التحريضي، الذي لا يليق بالحركة الاسلامية وتاريخها المشرق في العمل العام.













التعليقات