بدا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مدركاً لخطورة الوضع الداخلي الفلسطيني في هذه المرحلة، اذ سهر الليل قبل ايام، رغم معاناته من انفلونزا حادة، لإقناع انصار جهازي الاستخبارات العسكرية والأمن الوقائي في مدينة غزة بوقف الاشتباكات المسلحة بينهما. والواقع ان سلوك بعض قادة تلك الاجهزة بات مقرفاً وضاراً بالمصلحة الوطنية الفلسطينية ومصالح المواطنين الذين يكفيهم ما يلقونه من معاناة ومشقة على ايدي قوات الاحتلال. وقد شخص عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» صخر حبش المشكلة بدقة بقوله ان «كل مسؤول عن جهاز (أمني) يبقى في منصبه اكثر من اربعة أعوام يحول الجهاز الذي يديره لحسابه الخاص».

وإن كانت الاشتباكات والصراعات بين الاجهزة الامنية خطيرة في حد ذاتها، فإنها ليست وحدها التي تهدد المصلحة الوطنية الفلسطينية والمصلحة القومية العربية في فلسطين. ذلك ان الوضع الفلسطيني بات مهدداً بالانهيار في وقت قصير اذا لم تهب الدول العربية في صورة عاجلة لدعم السلطة الفلسطينية مالياً من اجل المحافظة على مؤسساتها التي ستصبح يوماً ما مؤسسات الدولة الفلسطينية. وقد اعلن وزير المال الفلسطيني المشهود له بالكفاءة والنزاهة سلام فياض امام المجلس التشريعي الاربعاء ان الوضع المالي للسلطة «حرج جداً وصعب» ويحول دون تحويل المخصصات المالية الشهرية للوزارات. واوضح فياض ان «ما يصل (من مال) من الدول العربية والاجنبية أقل بكثير من المتوقع».

لكن اهم ما يمكن ان تساهم به الحكومات العربية في خدمة مصالح الشعوب العربية، ومن بينها الفلسطيني، هو ان تشاطر المتنورين النزيهين في العالم، خصوصاً في الولايات المتحدة واوروبا، اعتقادهم الجازم المبني على الحقائق المثبتة، ان الادارة الاميركية الحالية برئاسة جورج بوش تشكل تهديداً للامن العالمي وبالتأكيد للمصالح العربية والاسلامية، وخصوصاً في فلسطين والعراق. ومن يدرك ان النواة الصلبة المتنفذة داخل ادارة بوش، سواء في البيت الابيض اوالبنتاغون، اي من يسمون بـ «المحافظين الجدد»، هم في واقع الامر صهاينة يقف معظمهم الى اقصى يمين حزب ليكود الاسرائيلي، فإن عليه ان يتصرف، فعلاً وقولاً ضد مخططات اولئك العقائديين المعادين الذين خططوا للسياسة التي تنفذها حكومة ارييل شارون الآن ويسّروا لشارون الحصول على «وعد بوش» المضاهي لـ «وعد بلفور»، وخططوا للحرب على العراق التي ادت الى تفكيك الدولة العراقية واضعافها الى حد يضمن عدم امكان اعادة بنائها وتوطيد وحدتها لعقود مقبلة على الاقل.

ان التصدي للسياسات الاميركية الحالية في المنطقة اهم واجب وطني ينبغي اداؤه بحكمة ولكن بصلابة وعناد لا يتركان مجالاً لخوف او خنوع. فتلك السياسات قائمة على تحالف غريب شاذ بين الصهيونية وغلاة المسيحيين الانجيليين الاميركيين الذين يؤمنون بتمكين اليهود من السيطرة على فلسطين التاريخية باكملها، ولا يتورعون في سبيل ذلك عن معاملة العرب كشعوب من الدرجة الخامسة او السادسة.

ان الجبروت العسكري الاسرائيلي مستخدم باكمله ضد الشعب الفلسطيني مضافاً اليه اعتداءات المستوطنين اليهود على الناس والارض والزرع. وفي العراق يستخدم الجبروت العسكري الاميركي، وبالاساليب الاسرائيلية، في محاولة اخضاع الشعب العراقي. ويقيناً ان الديموقراطية لا تفرض بالقهر العسكري.
هل سيرضى العرب بالاحتلالين؟ والى متى؟