بيروت: في دارته في قريطم يجلس رفيق الحريري. يستقبل نواباً ويودّع مستشارين وأصدقاء ويتلقى اتصالات "تهنئة" بالخروج من الحكم. يصعب اتهام الحريري بأنه لا يحب السلطة والإقامة في السراي, لكن الزائر يخرج هذه المرة بانطباع انه مرتاح لخروجه من رئاسة الوزراء.
كانت المبارزة بين الرئيسين اميل لحود ورفيق الحريري طويلة ومريرة. ولم يكن سراً ان الحريري عمل جاهداً لمنع وصول الجنرال الى قصر بعبدا وان لحود حلم بعهد هادئ لا مكان للحريري فيه. لكن تحقيق الأحلام في لبنان امر صعب خصوصاً انه لا يتوقف على ارادة اللبنانيين.
أضاع الرئيسان اربع سنوات كاملة من عمر اللبنانيين حين اضطرّا الى التعايش. تبادل الضربات والكمائن بين فخامة الرئيس ودولة الرئيس انهك الجمهورية وشلّ مؤسساتها. كان الزواج قسرياً وغريباً ويعاني ليس فقط من غياب الحب بل ايضاً من ارتفاع منسوب الحساسية والكراهية والشكوك تحت مظلة العجز عن الطلاق.
أغرب ما في القصة ان السنوات الاربع الباهظة انتهت بطلاق مخملي وكلام ناعم. احتاج الرئيسان الى تجربة طويلة مكلفة لاستنتاج ان الجمهورية تتسع لواحد منهما فقط. وبعد سقوط حلم الحريري بمنع التمديد لم يبق أمامه غير الخروج.
كان من الصعب على الحريري ان يجازف بإعلان رغبته في المغادرة احتجاجاً على التمديد حتى وإن مهره بتوقيعه. خطوة من هذا النوع كان يمكن ان تُفسّر في بعبدا ودمشق معاً بأن الحريري يقدم أعذاراً اضافية للمعارضة الداخلية وللقرار 1559 لدى الدول الكبرى. لهذا كان عليه ان يرتب خروجه ويقدمه في صورة تجاوب مع رغبة في اخراجه لم تتدخل دمشق لمنعها وهكذا كان.
خرج الحريري من جمهورية اميل لحود من دون ان ينتقل الى المعارضة. ثمة خيط مع دمشق لا يريد قطعه على رغم العتب وبعض المرارة. لكن الجمهورية التي ابتهجت بكتاب استقالته أفاقت ضائعة في اليوم التالي. انتابت الجمهورية مشاعر شبيهة بتلك التي تنتاب امرأة أصرت على الطلاق من رجل قوي مقتدر يصعب العثور على بديل منه أو رجل يشبهه.
بدت الجمهورية مرتبكة. فمنذ 1992 تدور أيامها حول الحريري حتى حين غادرها لسنتين في أول عهد لحود في 1998. نجح الرجل في جعل نفسه محرك الجمهورية ومحورها بغض النظر عن اسلوبه واخطائه. ولهذا حين غادر بان القلق حتى على وجوه الذين يصنفون في خانة "المنتصرين". في المكاتب المقفلة تراكضت الاسئلة. كيف يواجه لبنان القرار 1559 بلا طائرة الحريري القادرة على الهبوط في العواصم العربية وعواصم الدول الكبرى؟ من يطمئن الليرة اللبنانية في غيابه؟ وماذا إذا احتاجت الدولة الى وديعة؟ من يطمئن اللبناني ويخترع له آمالاً؟
غداة خروج الحريري بدت الجمهورية كسيدة تسرعت في الطلاق وصار عليها ان تقلع شوكها بيديها في غياب الهالة والحجم الاستثنائي وترسانة العلاقات الدولية وترسانة العلاقات الداخلية والخيوط المحبوكة بعناية في الوسط السياسي والاعلامي. اسئلة اسئلة. هل هناك خطة بديلة من خطة الحريري ام ان خطة خصومه تقتصر على معارضته. وماذا عن الاضرابات والاحتجاجات المتوقعة وأزمات الكهرباء والمازوت؟ من يملك القدرة على توزيع المسكنات؟
خرج الحريري تاركاً السراي لعـمر كرامي لكن الانتخابات النيابية ستجرى بعد شهور. تكرار السيناريو السابق يبدو متعذراً, فالجمهورية لا تتسع للحود والحريري معاً وإذا احتاجت الثاني للاتكاء عليه فماذا تفعل بالأول؟ ثمة من يرى ان وجود الحريري كان ينغص أيام لحود لكنه كان يرد عنه النقمة والاحتجاجات. وثمة من يقول ان السؤال هو متى يرجع الحريري فالجمهورية لن تعمل في غيابه وهل يستطيع البلد انتظار انتهاء السنوات الثلاث المحددة للحود الذي قد يكتشف سريعاً ان الانتصار على الحريري اكثر كلفة من مرارات التعايش معه وان خروج الحريري يعلن بداية النهاية لعهد لحود.













التعليقات