"عندما نشعر ان ثمة رجلاً لا يحبنا، نمضي ساعات في انتظار صوته على الهاتف. اما عندما نكون محبوبين كثيراً فاننا مضطرون الى الاختباء، حتى في المقهى". فرنسواز ساغان

لم يخطئ القائل ان النظر الى روما من فوق مختلف عن النظر اليها من تحت. ولكن الناظر الى بعض القضايا من فوق يكتشف اموراً تحجبها احياناً غشاوة الرؤية المنخفضة! ففي الرؤية المنخفضة لا يبدو من التركيبة الحكومية الجديدة سوى مشهد التناتش، وتقاسم السلطة على نحو بدائي، يذكّر بتصارع الاسود على الطرائد البرية.

فكل فريق، وخصوصاً الشيعي منه وقد صار دوره مألوفاً - يُبعد اصحاب الاخراج (جمع خُرج) الملأى ليتقدم اصحاب الاخراج الفارغة، على طريقة يذهب العاشق ويأتي المشتاق . فيما تدور الدوائر على الماروني الذي يعتبر الرئيس صاحب الحصة الكبيرة يوزعها على من يشاء من القريبين والمقربين، على اساس ان البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير لا يتدخل في الاسماء! - وهو الزعيم الفعلي للمسيحيين، وليس للموارنة فحسب فتروح على الموارنة، كما على الروم الكاثوليك الا اذا وجد من هو بقوة سليمان فرنجية، قائد المردة سابقاً، فيقتطع له من الدولة حصة حرزانة بحجم وزارة الداخلية، بعدما جرّب وزارتين قبلها، واحدة لا قيمة مادية لها هي الزراعة، كما ليس فيها ما يغري الرعية ، والصحة التي فيها اكثر من الكثير وتستهوي فوق ما تُغري... واذا بقي شيء لبكركي فرداء تلفّع به المحامي فريد الخازن، ربما طمعاً في اللوحة الوزارية على السيارة او لالغاء امتياز مغارة جعيتا انتقاماً من النائب نقولا فتوش. ولا نظن ان في الافق مجالاً لطموح الى اكثر، او رغبة في اقتطاع المزيد من حصة الرئيس اميل لحود.

ورب قائل: في مثل هذه الطبخة، بما فيها من عناصر ملتبسة، كمشاركة الدكتور ألبر منصور احد المتباكين خطياً وشفهياً على اتفاق الطائف فليشكر بعض الذين أُدخلوا جنة الحكم ربهم ، لانهم سيجاورون المهندس عاصم قانصوه في وزارة العمل وما وراءه من تنظيم العمالة السورية في لبنان، وما تردد عن فرض السوريين على المؤسسات التي تشغّل عمالاً اجانب، آسيويين وافريقيين وكانت اشارات قد ارسلت الى بعض المؤسسات الخاصة الكبرى في هذا الشأن في عهد الوزير اسعد حردان الى جانب احلال البعثيين في الوزارة مكان القوميين، على اساس نظرية الفارغ والملآن.

وسيجاورون كذلك الجنرال عبد الرحيم مراد، وابرهيم الضاهر ويوسف سلامة وألان طابوريان... وافرحوا ايها اللبنانيون!
نقول هذا الكلام لا لنهزأ بحكومة لم تطرح بعد بيانها الوزاري، ولا نالت الثقة؛ بل لنذكّر اللبنانيين بأن ثمة زواحف في احدى غابات افريقيا تشبه أم الاربع والاربعين ، تمشي الى الوراء. وقد أوحى الينا به مرورنا امام مباني صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، ونحن في طريق عودتنا من زيارة الى الولايات المتحدة استغرقت اسبوعاً.

ففي الولايات المتحدة معركة طاحنة بين مرشحين للرئاسة، واحد يطرح التجديد من اجل مكافحة الارهاب. وواحد يطرح التغيير، وازاحة رئيس يعتبره فاشلاً في سياساته الداخلية والخارجية على السواء.

وعلى الرغم من ان الموضوع الذي يبدو من فوق انه يدور حول الاخطاء التي ارتكبت في الحرب الاميركية على العراق، فان ما يشغل الذين هم تحت لا علاقة له بالعراق والحرب عليها. انه موضوع الانفلونزا الذي تأخرت اللقاحات المضادة له، وقد اعتاد فريق كبير من الاميركيين تلقيها مع بداية موجة البرد والصقيع التي غالباً ما تؤدي الى وفيات بين المسنين.

وبين الحرب على العراق ومكافحة الانفلونزا القاتلة، يفضل الاميركيون الاخيرة، وقد صبّوا جام غضبهم على الادارة التي حصرت استيراد اللقاحات هذه السنة بمختبرات باستور الفرنسية، بينما كانت تنوع الاستيراد في السابق بين اربعة وخمسة مصادر.

والى الانفلونزا، هناك الضمان الاجتماعي الذي يتهم المرشح الديموقراطي جون كيري منافسه الرئيس جورج بوش بأنه يريد خصخصته مما يزيد اعباء العناية الصحية على المواطنين.

هذا هو العالم: اكبر دولة فيه تبحث عن صحة مواطنيها وتقدمها على اي شأن آخر، متكلة في ذلك على دولة خاصمتها في الحرب على العراق ولكنها تساعدها في انقاذ مواطنيها من الانفلونزا.

وتشاء المصادفة ان تكون هاتان الدولتان وراء القرار 1559 الذي ارادتاه مخلّصاً لنا من انفلونزا تهدد اللبنانيين بالموت السياسي، على الاقل الذين منهم قرروا البقاء في الوطن، في حين اعطيت الحكومة التي شكلت قبل ايام مهمة نشر هذه الانفلونزا وتثبيتها في الجسم اللبناني، بادوات لبنانية بعيدة من الالزامات التي فرضها القرار 1559 على سوريا بوجوب اخراج قواتها من لبنان، والكف عن التدخل في شؤونه الداخلية، وتمكينه من استعادة سيادته وقراره الحر. وقد كلف مجلس الامن الدولي، صاحب القرار، الامين العام للامم المتحدة مراقبة تصرفات لبنان وسوريا في هذا الاتجاه، وابلاغ المجلس مرة كل ستة اشهر، وفي تقرير خطي، بمدى التقدم في هذا الاتجاه.

وتنفيذ هذا القرار يعني بوضوح، اعتبار الخط الازرق في الجنوب خط حدود، والاعتراف بأن القرار 425 قد نفّذ، استناداً الى ما اقرته الامم المتحدة، وجعل ملف مزارع شبعا مسألة معلقة على قدرة لبنان على اثبات ملكيته لها. فيعيدها اليه قرار من مجلس الامن، فاصلاً اياها عن الحالة الراهنة في الجولان وبقية الاراضي السورية المحتلة.

كذلك يعني القرار، ارسال الجيش اللبناني الى الحدود مع اسرائيل تأكيداً للسيادة المستعادة.
ولا ينبغي النظر الى توزير الياس سابا، شيخ المصرفيين ورجال المال والاعمال وصاحب الآراء المعروفة في الاقتصاد، ولكن غير المثبت نجاحها عملياً في اي مجال، انه الزير الذي سيشيل البلاد من بير المديونية التي اصابتها الانفلونزا الاستراتيجية ، منذ بداية تحوّل لبنان من بلد جاذب للاستثمار الى بلد طارد للاستثمار. ليس بسبب وجود الرئيس رفيق الحريري على رأس الحكومة مدة عقد من الزمان، ولا لوجود الوزير فؤاد السنيورة في وزارة المال مدة مماثلة، بل لان لبنان تبنى استراتيجيا المواجهة في موضوع زرائب مزارع شبعا، وابقى جبهته مفتوحة على العمليات العسكرية، سواء من جانب الفلسطينيين او المقاومة. كما ابقى اجواءه مفتوحة للطيران الاسرائيلي المعادي.

وهكذا، عاش لبنان منذ اواسط تسعينات القرن الماضي يستدين شهرياً نحو ملياري دولار من السوق المصرفية في شكل سندات خزينة لم تكن سرية بل كانت تعلن اسبوعياً، من اجل دفع رواتب الموظفين، ونفقات تسيير الدولة، الى جانب الانفاق على بعض مشاريع البنى التحتية.

لقد تبنى لبنان، ثوابت استراتيجية، حربجية دون ان تكون لديه الادوات اللازمة للمواجهة.
لذلك لجأ الى الخيارات الريعية التي هي ثروة القطاع الخاص والقرش الابيض لليوم الاسود.
واننا لنعجب كيف ان بلداً في حالة حرب، لا ينتج شيئاً، وقد استوعب البطالة المتعاظمة فيه بتضخيم حجم القطاع الوظيفي العام و أكل الدولة من جهة، وبدفع خيرة شبابه الى الهجرة، من جهة اخرى يستطيع ان يفكّر في تخفيف ديونه، وهو المستمر في الاستدانة وتأجيل الاستحقاقات بـ السواب .

وهنا تظهر اهمية القرار 1559 الذي من شأنه اعادة لبنان بلداً طبيعياً، جاذباً للاستثمارات، ومحمّساً على العمل والابتكار... ليليق به عندئذ وزيران مثل الياس سابا والدكتور ألبر منصور. لانه يكون عندئذ قد استعاد حريته، وسيادته، واستقلاله، وارادته.

وحتى لا يبقى هذا الكلام نظرياً نورد الآتي:
في بداية عهد الطائف سافر الرؤساء الثلاثة (الياس الهراوي وحسين الحسيني وعمر كرامي) الى الولايات المتحدة. وصادف احد رجال الاعمال مسؤولاً لبنانياً سابقاً رفيع المستوى وسأله: هل تنصحني بالاستثمار في بلدكم، علماً ان الاستثمارات التي تعقب الحروب غالباً ما تكون مربحة؟ فاجابه: هل لديك تلسكوب؟ تناوله ووجهه صوب لبنان وقل لي ماذا ترى. انك ترى خراباً ودماراً كبيرين داخل البلاد، وعدواً شرساً على الحدود يحتل الارض ويهدد البلاد واهلها، ويرسل طائراته يومياً لاختراق حرمة اجوائه. فهل أنت على استعداد للاستثمار في مثل هذه البلاد؟
على أي حال البلدان اللذان يتعاونان الآن ضد الانفلونزا مصممان ايضاً - وهذا بات ثابتاً - على ابقاء القرار 1559 على الطاولة ، كما يقول الفرنسيون، حتى تنفيذه. وكلنا نريد تصديقهما هذه المرة.