عمان: يأتي كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي» للناقد فاضل تامر الكاتب في سياق مشروع نقدي امتد لاكثر من ثلاثة عقود وبدأ منذ كتابه النقدي الاول (معالم جديدة في ادبنا المعاصر) وكتابه الثاني (مدارات نقدية) ويؤكد الناقد تامر في كتابه الصادر عن دار المدى ان مشروعه النقدي الذي زاوج بين المنظورين الجمالي والاجتماعي في خطاب السرد العربي قد أخذ تجلياته الواضحة في كتابيه ( الصوت الاخر- الجوهر الحواري للخطاب الادبي) واللغة الثانية في اشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث وفي كتابه الاخير يتصدى لبعض الاشكاليات النظرية والمعرفية الخاصة بتجربة السرد العربي الحديث كما يعكف على تقديم مقاربات تطبيقية للتجارب السردية لعدد من الروائيين والقصاصين العرب فثمة نص غائب او مواز للنص الظاهر كما يقول الناقد فاضل تامر وهو يسعى لبناء منهجه في البحث عن البنى والثيمات في علاقات الحضور والغياب مرجعا للكثير من مظاهر الغموض والترميز في الخطاب الروائي العربي الى تزايد المساحات البيض والممحاة من النص المكتوب اذ يحيل هذه الاشكاليات الى سلسلة من الضغوط الداخلية والخارجية، فضلا عن سلطات التراث واللغة والتقاليد الادبية والمؤثرات الثقافية الاجنبية.
ويحاول فاضل بحسب مراجعة لاحمد علي هلال ونشر في «الثورة» السورية التنقيب عن تجليات المسكوت عنه لاماطة اللثام عن النصوص الموازية وايديولوجية النص الروائي والدلالة الثقافية والفكرية والانساق السردية التي يتحرك من خلالها النص والتي تتضافر مع مستوى ا لعناصر الحضورية والظاهرة لاعادة تشكيل وتكوين الصورة الممزقة للخطاب الروائي الاصلي كما يشير الى ذلك الناقد وهو يستنكه المتن الروائي للروائي نجيب محفوظ وابراهيم نصر الله، وابراهيم الكوني، واحلام مستغانمي وعبد العروي وغائب طعمة فرمان ومحمد برادة وغيرهم ليستقرئ البنية السردية وتعدد الاصوات في الرواية العربية الحديثة لافتا لظاهرة الانتقال من السرد الاحادي المنظور الى سرد متعدد المنظورات راصدا تجليات الرؤى السردية المتنوعة عارضا لاحتفاء النقد العربي السريع بمفاهيم باختين حول الطبيعة الحوارية للخطاب الروائي وعن حضور الاراء الغيرية في خطابات الاخرين المختلفة بمعنى وحسب باختين نفسه ان ظاهرة تعدد الاصوات او تعددية اشكال الوعي في ا لرواية الحديثة تمنح اهتماما خاصا للمنحى الحواري في الرواية مضيفا ان هذه النزعة استطاعت ان تحرر الشخصية الروائية من رقابة المؤلف ومنحتها حرية واسعة في الحركة داخل العمل الروائي وان ما يلاحظه الناقد للصوت كبنية روائية في نموذجه التطبيقي المختار (اعترافات كاتم صوت) ليستحضر نقيضا اخر هو الصمت ويرى ان هذه الثنائية الضدية تتحول الى بنية سردية تدفع القارئ للكشف عما هو مغيب ومضمر داخل المستوى الحضوري لسيل الدالات ويمضي ليؤكد في سياق امثلته التطبيقية الى ان سلطة الصمت تتمثل في مواقف وادوات مثل الغياب، الحلم، الخوف .. اي ان هذه الثنائية تتشكل في اطار بنية متعددة الاصوات وتحيل الى تجربة تراجيدية تنتقل من المأساة الفردية للبطل الى المأساة الجماعية للاسرة بكاملها ضمن سياقات التناقض الفاجع بين ما هو واقعي وما هو حلمي !! وهكذا تطرد الامثلة في المنحى التطبيقي - التأويلي- ومن ضمنها دلالة المظهر الغرائبي في السرد العربي الحديث دون انتفاء الحاجة الفنية لبقية مستويات التعبير السردي الاخرى كالسريالية او العبثية ودون اغفال حقيقة البحث عن هوية خاصة للخطاب الادبي والسعي لتأسيس خطاب ادبي وطني لا يكتفي باعادة انتاج وتداول ما يقدمه خطاب الاخر تاركا بين ايدينا تساؤلات هامة حول خصائص لبنية سردية جديدة في المشهد القصصي الاردني والعراقي وسواه وفي بحثه عن تأسيس شعرية سردية واعية او ما يدعوه بالسرد القصصي بين الرؤية البصرية والرؤية الاستذكارية كل ذلك ليقف بالنقد عند فحص المنحى التأويلي الجاد المتشكل حديثا في خطابنا النقدي العربي الحديث لا سيما في محاولة تأويل النص السردي التراثي.
ويمكن القول: ان دقة اختيار الامثلة والطبيعة الاجرائية لتأويل النصوص المختارة المتنامية بحثا عن فضاء المسكوت عنه سيتجاوز خصوصية الرواية والقصة القصيرة الى الفنون الاخرى التي تضمر هي الاخرى نصا غائبا سيدفع الى مزيد من التأويل ليس بالبحث عن (اقيسة منطقية) للانواع الادبية بل في ظل خيارات الابداع ووعي المبدع بذاته ذلك الوعي السابق على النظرية النقدية ونشير الى ما قاله الناقد الفذ ـ ت ـ س ـ اليوت ( ان لاصلاحية مطلقة لقوانين النقد!) لان اللحظة النقدية هي لحظة متغيرة لكنها لا تهجر جدله ولا تخفف من ثرائها واختبارها ونظام مفاهيمها المعرفية ولعلها الاهمية الاستثنائية - للكتاب كمنجز نقدي يسائل حداثة مفتوحة وللناقد في تأسيسه لمنهج يقرأ نصا غائبا بفاعلية قراءة منتجة تردم فجوات النصوص المتماسكة والمتناقضة ظاهريا هي نصوص اخرى مفارقة للواقع والخطاب لكنها لا تفارق وعينا الجمالي والاجتماعي والنقدي في آن معا.