الأرجح أن الفريق الأكثر رفضاً لما يجري في إيران اليوم من اضطرابات وعنف وانهيارٍ أمني، هو دول الخليج. أبسط البديهيات والمنطق أن يكون جارك في هدوءٍ وطمأنينة. وأن يطمئن إليك وتطمئن إليه. وأن يكون هو مرتاحاً لكيلا تخشى على نفسك من عدم الارتياح. واضحٌ طبعاً أن إيران لا تؤمن بكل هذه البديهيات فهي مرةً تتبنَّى ما يحدث في دول الجوار من شغبٍ وعدم استقرار، ومرةً تذهب إلى حد التباهي بما تسببت فيه من تفجرات اجتماعية وسياسية على مدى المنطقة. ربما لم تهتم للمسألة كثيراً لأنها كانت تعتقد بكونها محصنةً خلف حدود من الرماد الحار رسمتها بيدها في دقةٍ شديدة وعلى مدى نصف قرنٍ تقريباً. فقد تراءى لها أن ما تفرضه أذرعها من أسوارٍ حول حدودها يحمي أراضيها من أي تدخل. لكن نظرية الأسوار والحدود لم تعد ذات فاعلية اليوم، فالحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل شملت في مداها أجواء إيران برمتها، وبلغت المنشأة النووية الأساسية، وأغلقت أجواء العاصمة والمدن الرئيسية.

غير أن الإغلاق بالحشود والمتظاهرين والقنابل الأرضية، أكثر خطراً وفاعلية بكثير. ومن أوجه الخطورة أن المدن اشتعلت خلال أيامٍ قليلة وتلاقى المتظاهرون من دون قيادةٍ معلنة على نحوٍ متزايدٍ بشكلٍ مخيف للنظام. وكما حدث في الثورة بدا أن ما بدأ لن يتوقف. ولعب الموقف الأميركي الدور الأكثر أهمية عندما أعلن الرئيس دونالد ترمب تأييده لمجموعة من المعترضين يفترض أنه لا يعرف هويتها ولا أحد غيره يعرفها.

الانقسام حول أحداث طهران لا جديد فيه. فمن معها هم معها والمعارضون معارضون منذ البداية. لكن العنف الشديد الذي بادرت به السلطة أهل الاحتجاج، جعل بعض المجموعات الدولية مثل أوروبا تخرج عن حيادها وصمتها، لكي تستنكر مستوى القمع والتنكيل الذي وصلت إليه السلطة في تحدٍّ لكل الضوابط المتفق عليها عادةً.

هذه أكثر مرة يشعر فيها النظام الإيراني باقتراب الخطر الكبير أو بالأحرى بعد أخطارٍ كثيرة، منها صراعات بين المحتجين أو خلافات حول القيادة خصوصاً بعد ظهور نجل الشاه كقوى سياسية، وإن لم تكن ذات حجمٍ كبير.