قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

باتر محمد علي وردم ب: النقاش الحاد الذي يسود الأوساط السياسية والثقافية الأردنية حول الترويج للدعاية الانتخابية العراقية- الأميركية المشتركة في الأردن ينطلق من معتقدات الموقف السياسي العام المعارض للاحتلال الأميركي، ولكنه في كثير من الأحيان يتجاهل حقيقة رئيسية في هذا الحدث، وهي أن السماح بالترويج للدعاية الانتخابية العراقية هو قرار اقتصادي يرتبط بالبزنس بالدرجة الأولى، ومصالح الأردن الاقتصادية على المدى الطويل.

من الناحية السياسية فإن موقف الأردن السياسي الرسمي أوضحه جلالة الملك بدون مواربات في الكثير من تصريحاته، وهو دعم الانتخابات العراقية، ودعوة السنة في العراق للمشاركة فيها للحفاظ على حقوقهم السياسية، واعتبار الانتخابات خطوة سياسية على طريق الاستقلال والتحرر من الاحتلال. وقد مثل هذا الموقف الملكي دعما قويا لدور الحكومة والقطاع الخاص في التعامل مع المستجدات العراقية، كما أن موقف الملك والحكومة لم يصادر الرأي الآخر المعارض للانتخابات.

أما الاتجاهات الرافضة للدعاية الانتخابية العراقية فهي تنطلق من آراء إيديولوجية وسياسية في معظم الحالات، حيث ترفض الانتخابات باعتبارها وسيلة لترسيخ الاحتلال وإقامة حكومة عميلة له، أو أنها- في الإطار العقائدي الداعي إلى الفتنة- تهدف إلى تحجيم دور السنة وإعطاء السيطرة السياسية للعراق، وهذا ما يعبر عنه بامتياز ووضوح تيار الزرقاوي والتعصب السلفي. ولكن مشكلة هذا التيار الرافض للانتخابات أنه يدعي تمثيل الشعب العراقي أيضا، حيث لا تخلو بيانات الأحزاب وتصريحات معظم النواب والزملاء الكتاب من عبارات مثل » ويتفق الشعب العراقي وقواه الوطنية على رفض الانتخابات« أو » القوى الوطنية العراقية تقاطع الانتخابات والقوى الداعمة للاحتلال تؤيدها«، ومثل هذا التعميم وإدعاء النطق بلسان العراقيين عادة مكتسبة لدينا في الأردن منذ أيام التغني ببطولات القائد صدام حسين وحب الشعب العراقي الأبدي له!

لا شك أن هذا المجال الكبير من الحرية للدعاية الانتخابية العراقية في الأردن يثير الإشكال. هذه هي المرة الأولى التي يسمح فيها الأردن بنشاط انتخابي عربي على أراضيه، فنحن أيضا لدينا جالية مصرية والكثير من الأخوة اللبنانيين واليمنيين ولكننا لم ندعم يوما »تسهيل« قيام الأشقاء بواجبهم الانتخابي، أو نفتح لهم مراكز اقتراع. ومع أن الحكومة لم تدعم طرفا على آخر في الانتخابات إلا أن يافطات التأييد لإياد علاوي أصبحت في كل الأردن مما يعطي إشارة واضحة إما لثراء دعاية علاوي الانتخابية، أو لوجود قرار سياسي بتسهيل الترويج لقائمته.

ولكن النقطة المفصلية هي أن الانتخابات العراقية ممولة جيدا، وهي مصدر مالي ممتاز لتحريك قطاعات كبيرة في مجالات الدعاية والإعلان والتنظيم، وهذا الضخ المالي هو بمثابة استثمار في الاقتصاد الأردني، قد يكون محدودا بطبقة معينة ولكنه في النهاية نشاط اقتصادي بامتياز، قبل أن يكون سياسيا.

من الواضح أن هناك قرار أردنيا استراتيجيا بتعظيم استفادة الاقتصاد الأردني من كل النشاطات المرافقة لإعادة الإعمار في العراق، سواء عن طريق تدريب الشرطة أو المؤسسات العراقية المختلفة، أو فتح أسواق جديدة أو تسهيل المعاملات التجارية العراقية وأخيرا تسهيل الدعاية الانتخابية، وهذا التخطيط »الاستراتيجي« الاقتصادي لعلاقة الأردن مع العراق لا يختلف أبدا في أبعاده الأخلاقية مع العلاقة مع النظام السابق، فهناك كنا نتعامل مع نظام قمعي نهب موارد شعبه وعذب المواطنين، وهنا نتعامل مع احتلال وحكومة مؤيدة له.

الترويج للدعاية الانتخابية العراقية بزنس منتشر ومفيد في الأردن، وكل الموضوع يتم تطبيقه في إطار اقتصادي بحت ولكن النقاش الحاد حوله يرتبط بالسياسة، وهو نقاش بيزنطي ليست فيه حقيقة مطلقة لأن الأمر لا يتعلق برؤية الأردنيين بل العراقيين، وإذا كان 11 ألفا فقط من العراقيين قد سجلوا للتصويت، فهذه هي الإشارة الأكثر مصداقية لموقف العراقيين في الأردن من الانتخابات!