قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سألت مادلين أولبرايت عن أكثر ما استرعي انتباهها خلال زيارتها الحالية لمصر فقالت علي الفور‏:‏ ذلك النقاش القومي الجاري الآن بين مختلف فئات الشعب حول قضايا الاصلاح‏,‏ وأضافت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة‏:‏ إنني حين أتحدث عن الاصلاح فأنا لا أقصد الإصلاح السياسي فقط وإنما الإصلاح بمعناه الأشمل والأعم‏,‏ فقد وجدت إلي جانب من يهتمون بتعديل الدستور أن الناس مهتمة أيضا بإصلاح الوضع الاقتصادي وبإصلاح التعليم وبالارتفاع بمستوي الخدمات وغيرها‏.‏
ولقد حضرت عدة لقاءات لمادلين أولبرايت خلال زيارتها الأخيرة لمصر كان أولها ذلك اللقاء الذي نظمته لها غرفة التجارة الأمريكية المصرية مع مرافقها في هذه الزيارة عضو الكونجرس السابق فين ويبر‏,‏ كما حضرت بعد ذلك اللقاء الذي عقده الضيفان‏,‏ مع ممثلي الصحافة والإعلام المصري‏,‏ ثم دعيت لحضور لقاء ثالث مع وزيرة الخارجية السابقة ضمن مجموعة من الكتاب والصحفيين عقد بجريدة المصري اليوم‏,‏ ثم كان لقائي الرابع مع مادلين أولبرايت في عشاء خاص أقامه لها الصديق الدكتور طاهر حلمي رئيس غرفة التجارة الأمريكية المصرية بمنزله بالزمالك‏.‏
وتجئ زيارة مادلين أولبرايت لمصر هذه وبعد أن تركت منصبها كوزيرة للخارجية في عهد الرئيس بيل كلينتون بوصفها رئيسة الصندوق الوطني الديمقراطي بالمشاركة مع فين ويبر المنتمي للحزب الجمهوري وفي ذلك معني لا يخفي حول التعاون القائم بين الحزبين المتنافسين فرغم الخلافات التي لم تخفها وزيرة الخارجية السابقة حول السياسة الأمريكية الحالية فإن التنسيق ـ بل الاتفاق ـ بدا واضحا في حديث كل من الضيفين حول رغبة الولايات المتحدة في دفع عجلة الديمقراطية في العالم العربي‏,‏ وقد كان ذلك هو عنوان الزيارة التي أتت بهما إلي القاهرة‏,‏ وقد اقتصر الاتفاق بين الضيفيين علي مجال الديمرقراطية وحدها‏,‏ أما في المجال السياسي فإن أولبرايت لم تخف انتقادها المعروف للسياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الحالية‏,‏ وقد علق علي ذلك أحد الوزراء المصريين السابقين الذين حضروا لقاء الضيفين بالغرفة الأمريكية فمال علي وقال‏:‏ إنهم علي ما يبدو متفقون علينا فقط‏,‏ لكنهم مختلفون فيما بينهم علي كل شئ آخر‏!.‏
وربما كان من أهم ما قالته أولبرايت في خلافها مع الإدارة الحالية هو ردها علي سؤال يقول‏:‏ لو كنت وزيرة للخارجية الآن فكيف كنت ستعالجين الوضع في العراق؟ حيث أجابت أولبرايت بلا تردد‏:‏ لو كنت وزير للخارجية لما كنا ذهبنا إلي العراق أصلا‏,‏ وقد أكدت أولبرايت أنها مازالت عند رأيها بأن حرب العراق كانت حرب اختيارية ولم تكن حربا ضرورة‏,‏ وإن كانت تعتقد أن التوصل إلي حل هناك قد أصبح الآن ضرورة وليس اختيارا‏,‏ كما قالت أولبرايت عن السياسة الأمريكية الحالية أنها جعلت الناس في العالم يكرهون الولايات المتحدة‏,‏ كما أعابت علي الادارة الحالية عدم اهتمامها بقضية الشرق الأوسط وقالت إن محاولة التوصل الي حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي سيخدم المصالح الأمريكية‏,‏ وقالت إن إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون وصلت في مسعاها في هذا الصدد إلي حد لم تصل إليه أي إدارة أخري وأرجعت السبب في عدم اتمام الاتفاق بين الجانبين الي الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي رفض هذا الاتفاق وقالت ان مثل هذا العرض لن يتكرر ثانية‏,‏ وتلك نقطة خطيرة لم يتسع وقت اللقاء ولا طبيعته لمناقشتها كما يجب‏,‏ خاصة ان أولبرايت لم تعف مصر من اللوم‏,‏ قائلة إن مصر لم تبذل الجهد اللازم لإقناع عرفات بالتوقيع‏,‏ وإن كانت عادت فقالت لي بشكل شخصي بعد ذلك إنها تعتقد بأن المسئولية كانت مشتركة بين مصر والولايات المتحدة حيث لم تبذل الولايات المتحدة هي الأخري الجهد الكافي لدفع مصر للقيام بهذا الدور‏.‏
وكنت أعرف مدي المرارة التي كانت لدي وزيرة الخارجية السابقة من الفشل الذي منيت به مفاوضات كامب ديفيد الثانية عام‏2000‏ بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏,‏ ذلك أن اللقاء الذي عقده الرئيس بيل كلينتون بين عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي أنذاك ايهود باراك كان بمبادرة وإلحاح من مادلين أولبرايت نفسها التي كانت تريد إنجاح المفاوضات بأي ثمن وتصورت أن تدخل الرئيس الأمريكي سيكون له التأثير المطلوب‏,‏ لذلك فقد رأيت أن أتعرض للقضية بطريقة أخري فقلت لمادلين أولبرايت‏:‏ لقد صدع الإسرائيليون أدمغتنا بمقولة إن عرفات هو العقبة الحقيقية أمام محاولات التسوية في الشرق الأوسط‏,‏ وقد أخذ الأمريكان يرددون ذلك أيضا‏,‏ والآن فقد ذهب عرفات‏,‏ فماذا فعل الإسرائيليون؟ وماذا تتصورين أن يفعل الأمريكان؟
قالت‏:‏ لقد كانت لي تحفظات كثيرة علي سياسات عرفات ونطقت أولبرايت اسم عرفات مسبوقا بلقب‏Chairman‏ نسبة الي موقعه في منظمة التحرير الفلسطينية ولم تقل الرئيس عرفات ثم أضافت‏:‏ لكني لم أقاطعه ولم أرفض التعامل معه‏,‏ بل قابلته وتباحثنا معا‏,‏ أما عما ينبغي أن تفعله أمريكا فالكرة الآن في ملعب الإدارة الحالية‏.‏
قلت‏:‏ ألا ترين أن علي الولايات المتحدة أن تبذل جهدا مع الجانب الإسرائيلي بدلا من هذا التأييد غير المشروط لشارون والذي أصبح يثير دهشة بعض الإسرائيليين أنفسهم ممن لا يوافقون علي سياسته‏.‏
قالت‏:‏ الولايات المتحدة لها دور كبير بلا شك ليس فقط مع إسرائيل وإنما مع جميع الأطراف‏,‏ وذلك في مصلحة الولايات المتحدة نفسها لأن السياسة السليمة لأي دولة هي تلك التي تجعل العالم مكانا أكثر أمنا لهذه الدولة‏,‏ فما من دولة تستطيع تحقيق أمنها علي حساب غيرها‏.‏
قلت‏:‏ أليس هذا هو ما يفعله أرييل شارون رئيس الوزراء الحالي؟ أليس إصراره علي ضرورة وقف العنف قبل إجراء المفاوضات دليلا علي عدم جديته في التفاوض؟‏.‏
قالت‏:‏ لقد كنت أكن لرئيس الوزراء السابق إسحق رابين احتراما كبيرا وقد نطق ذات مرة بالسر في نجاح أية مفاوضات حيث قال‏:‏ علينا أن نتفاوض وكأنه ليست هناك أعمال عنف‏,‏ وعلينا أن نتعامل مع العنف وكأنه ليست هناك مفاوضات‏,‏ إننا بحاجة الآن لمثل هذه السياسة‏,‏ لأن وضع وقف العنف كشرط للتفاوض يعني أننا نعطي العنف حق الفيتو علي أية مفاوضات حيث يصبح بإمكان أي شاب متطرف أن يوقف المفاوضات في التو واللحظة اذا قام بعملية تفجير هنا أو هناك‏.‏
ثم أضافت‏:‏ إنني أتفهم بالطبع أن الجانب الإسرائيلي لا يستطيع أن يتفاوض وهو مهدد‏,‏ وأتفهم أيضا أن الجانب الفلسطيني لا يستطيع أن يتفاوض وهو مهدد‏,‏ لكن المفاوضات يجب أن تستمر تحت جميع الظروف والتقدم فيها هو الكفيل بوقف العنف في النهاية‏.‏
وتذكرت أول مرة قابلت فيها تلك السيدة قصيرة القامة والتي كثيرا ما ذكرتني بأنفها المعقوف وبنظراتها الحادة بالصقر حين ينقض علي فريسته‏..‏ كان ذلك علي ما أتذكر في عام‏1995‏ وقت كانت هي المندوبة الأمريكية بالأمم المتحدة‏,‏ وتذكرت لماذا كرهتها في ذلك الوقت حيث كان لها ذلك الموقف العدائي مع السكرتير العام المصري الدكتور بطرس بطرس غالي وهو الموقف الذي أدي الي خروجه من منصبه‏,‏ ثم حضرت بعد ذلك بعض لقاءاتها الصحفية بعد ان صارت عام‏1996‏ وزيرة للخارجية حيث كانت اول امرأة في تاريخ الولايات المتحدة تتبوأ هذا الموقع المهم‏,‏ وهي التي ولدت في بلاد التشيك عام‏1937‏ وهاجرت مع أسرتها إلي أمريكا في سن الـ‏11‏ وكان اسمها آنذاك ماري جانا كوربيلوفا‏,‏ إنها الكاثوليكية ذات الأصول اليهودية التي تزوجت جوزيف أولبرايت عام‏1955‏ فصار اسمها مادلين أولبرايت ثم طلقت منه عام‏1982,‏ لكن شخصيتها كان لها خلال زيارتها الأخيرة للقاهرة وقع آخر بنظرتها الصائبة وموقفها الواضح وشجاعتها النادرة في مواجهة السياسة الحالية للإدارة الأمريكية‏.‏