يشعر العربي بارتباك غير مسبوق. تنتابه فسحات من الأمل بمستقبل افضل سرعان ما تغرقها مشاعر المرارة والضياع. يطرق التغيير بابه وباب وطنه فيتردد في فتح الباب. يخاف من الذهاب الى المستقبل عارياً مما كان يدرجه في باب الثوابت والمسلّمات واوراق القوة الدائمة. الضباب كثيف ولا يلمح علامات الطريق ولا يثق بالمرشدين الجدد وموزعي النصائح والوصفات الجاهزة. ثقبت التطورات مظلة الاستقرار فيما الاحداث تعد مرة بالتغيير ومرات بالاضطراب الكبير. يشبه العربي مريضاً يقر بحاجته الى العلاج لكنه يخشى اجتهادات الاطباء ولا يثق بالأدوية المقترحة ويخاف من الجراحات العميقة المتسرعة.

ولا غرابة ان يشعر العربي بهذا القدر من الارتباك. ما عاشه في العامين الماضيين، بدءاً من سقوط بغداد، كان اكبر من قدرته على الهضم والاحتمال. كانت المشاهد كبيرة وخطيرة وعنيفة ومتلاحقة. شاهد العربي دبابة اميركية تتقدم في شوارع بغداد لتقتلع نظام «السيد الرئيس القائد» الذي كان ينتظر في القصر موعد عودته الى التاريخ الذي انجبه وارسله وكلّفه قيادة العراق. ثم رأى الرجل الذي أدمن الثورة الايرانية وشطب الكويت من الخريطة يخرج من حفرة ليقتاده الجنود الاميركيون الى السجن لا الى التاريخ.

رأى العربي عراقيين يقاومون الاحتلال الذي ازاح الطاغية. ثم اكتشف ان المقاومة اسيرة جزء من الخريطة، ولا تملك تفويضاً شعبياً خارج «المثلث». ثم شاهد هجماتها تختلط بحرب المقاتلين الجوالين ودوي هجمات الزرقاوي وبياناته ورائحة الحرب الاهلية. وشاهد ملايين العراقيين يذهبون الى صناديق الاقتراع. وسمع ان صدام حسين تمكن من مشاهدة جلال طالباني يتولى رئاسة العراق التي تسند للمرة الاولى الى كردي.

رأى العربي ياسر عرفات يتحول سجيناً في مقره في المقاطعة. ورأى الدول الكبرى تتعامل معه وكأنه العقبة. ثم رأى الجموع تبكي في جنازته. وشاهد محمود عباس (ابو مازن) رئيساً منتخباً. ثم شاهد «حماس» و"الجهاد» تقرّان بضرورة «التهدئة» او «الهدنة» ما يعني احالة الانتفاضة الى التقاعد او اعطاءها اجازة مفتوحة.

رأى العربي مشاهد مؤلمة تشبه الطعنات المتوالية في القلب. شاهد قامة بحجم رفيق الحريري تتحول جثة محترقة في احد شوارع المدينة التي انتزعها من خرائبها وحارب الظلمة والظلم فيها بسيف الضوء والاعمار فجاء العقاب مدوياً. رأى العربي «الوحدة» اللبنانية ـ السورية وهي اطول وحدة عربية، تنهار على وقع الهتافات في شوارع بيروت وعلى وقع بنود الشرعية الدولية والتحذيرات الاميركية والاوروبية والعربية. ورأى القوات السورية تنسحب من لبنان، بعد ثلاثة عقود، في ختام فصل طويل في العلاقات الثنائية المتشابكة وفي ختام فصل من الدور الاقليمي لسورية.

رأى العربي ابناء مدرسة 11 ايلول (سبتمبر) ينفجرون هنا وهناك ينحرون وينتحرون ولا وعد لديهم غير النحر والانتحار وزعزعة الاستقرار. وعلى رغم محاولة هؤلاء الاستمرار في الغرف من آبار التشدد والخوف واليأس فإن مشروعهم للاصطدام بالحكومات والمجتمعات والعالم بات يصطدم بوعي متزايد لدى الناس لخطورة مشروع الانتحار الكبير ونتائجه الكارثية.

في موازاة ذلك رأى العربي حديث الاصلاح يمتد من طاولات المقاهي في العواصم الى شاشات الفضائيات وصولاً الى مبنى جامعة الدول العربية. وبين قرار الاصلاح الوافد من الخارج وافتقار التربة الى ما يناسب وصفاته العاجلة وبين محاولة ترويض الاصلاح وجعله برنامجاً طويلاً يقف العربي غاضباً او شامتاً او ضائعاً. انها مرحلة خيارات صعبة وتدريبات مؤلمة تربك العربي التائه بين المشاهد.