(1)
أمريكا اللاتينية تنادي العرب
بهذه الكلمات المفرحة اختتمت بعثة الأهرام في أمريكا اللاتينية جولة الأيام التسعة عشر في امريكا اللاتينية من المكسيك إلي فنزويلا ثم المكسيك والأرجنتين حتي شيلي, وقد رأس الأستاذ ابراهيم نافع مجموعة مرموقة من زملائنا الكتاب والباحثين, السادة هاني شكر الله ومجدي صبحي ومحمد عبدالهادي وعماد جاد بحصافتة المعهودة.
حصاد واسع من الانجازات في جميع المجالات, خاصة الاقتصاد والمرونة السياسية ومواجهة القضايا المجتمعية بدقة وفاعلية, ونجاح في التعليم إلي رفع مقام أمريكا اللاتينية في ساحة العالم الجديد.. تساءلت: كيف يمكن مواكبة هذا العمل الجماعي الريادي بما أتاحه الزمان, ربما, من تحصيل وتجارب, ورأيت ان أخرج هذه المرة عن موقف المحلل لأضع بين يدي اخوتي وأخواتي في الوطن صفحات من التحصيل الميداني ذلك أن دراسة أمريكا اللاتينية والعمل بها ومعها امتد منذ عام1965 لأكثر من ثلاثين عاما, بينما انتقل مركز اهتمامنا وعملنا إلي آسيا في الأعماق وبشكل متصل منذ عام1971.
في صيف عام1969, لبيت دعوة مع سلفادور الليندي1969/5 الدكتور كلاوديو فيليز, مدير معهد الدراسات الدولية بجامعة سانتياجو عاصمة شيلي أستاذا زائرا في لحظة كانت تستعد فيها شيلي إلي الانتخابات الرئاسية. التي قيل إنها بالغة الأهمية. كانت هذه أول زيارة عمل ودراسة الي أمريكا اللاتينية بعد رحلة كوبا عام1965.
وقد رتب الدكتور فيليز لقاءات مع المرشحين الخمسة لرئاسة الجمهورية, وكذا الجنرال براتس رئيس هيئة الأركان العام للقوات المسلحة, بغية التعارف علي الوجهات القائمة في شيلي آنذاك من المنبع, كان الدكتور سلفادور الليندي, مرشح تحالف الوحدة الشعبية اليساري
ابعد المرشحين الخمسة رؤية في لحظة تاريخية اشتدت فيها وطأة الولايات المتحدة الدولة العظمي في الشمال علي عموم أمريكا اللاتينية, خاصة بعد أن تفردت كوبا بالاستقلال والتوجه الاشتراكي.
ثم رأي مدير المعهد ان أزور كلية الحرب لضباط الأركان قرب ميناء فالبا ريزو, القاعدة البحرية الرئيسية علي المحيط الهادي لالقاء محاضرة يتلوها سيمنار وذلك بطلب من مدير الكلية, وقد علمت فيما بعد انه كان عضوا في الحزب الشيوعي, أحد مكونات تحالف الوحدة الشعبية اجتمع السيمنار بحضور نحو120 من الضباط العظام برتبة المقدم والعقيد وكلنا نتطلع الي تناول علاقة العالم العربي والشرق الأوسط بالمحيط الدولي خاصة نصف القارة الغربي وأمريكا اللاتينية, رأيت الحضور ينقسم الي ثلاثة أقسام أو أجنحة تتساوي تقريبا: مجموعة باسمة متحمسة علي يسار الصالة عرفت أنهم من أنصار الليندي, ومجموعة أكبر نسبيا في الوسط هادئة تترقب, ومعظمهم من الحزب الديمقراطي المسيحي من يمين الوسط الحاكم آنذاك, ثم جناح ثالث متحفظ ويكاد جميع أعضائه يرتدون نظارات سوداء( ربما للشمس). دار النقاش بشكل شيق وجاد, وقد لاحظت ان القطاع الثالث الساكن الواجم يكاد لايشارك. وأذكر أنني شعرت عندئذ بأن هذا القطاع الثالث لايرضي بموضوع السيمنار أو الأستاذ الزائر, لست أدري.
وبعد يومين دعاني الدكتور الليندي إلي تناول طعام غداء يوم الأحد في داره مع الأسرة لمتابعة حديثنا الأول. سألني بطبيعة الأمر عن سيمنار كلية الحرب في فالباريزو, ورأيي في دروس هذا السيمنار. فقلت له بصراحة أنه من الواجب ادراك واقع هذه القوي واقامة التحالف بين اليسار والوسط تأمينا لأغلبية ثابتة تدعم رئاسته القادمة, خاصة أنني شعرت بان القطاع الثالث كما شاهدته يمقت التوجه الي اليسار وقبل ان يعقب الدكتور الليندي انتفضت جماعة من الشباب من أبناء وبنات الأسرة وأصدقائهم كانوا يحيطون به أثناء الغداء, وراحوا يعلنون شعارات اليسار الجديد المنتشر آنذاك بين شباب أمريكا اللاتينية حول أسطورة جيفارا وافكار توتسكي عن التوتر الدائم, ينددون بافكاري البعيدة عن الثورية, كما قالوا, ويحذرون من العواقب. جو صاخب ملتهب, والدكتور الليندي يستمع, يفكر. كررت الرأي الأول بقوة مضيفا أن رفض تقديم التنازلات من أجل تكوين التحالف مع الوسط واليمين الديمقراطي المسيحي سوف يعني الكارثة. كان هذا آخر لقاء مع المرشح الدكتور الليندي. غادرت شيلي بعد إتمام المحاضرات بالجامعة تم انتخاب الدكتور الليندي رئيسا للجمهورية عام1970 معلنا ا
لانتقال الي الاشتراكية عندئذ قررت القيادة الأمريكية حول نيكسون وكيسنجر دفع القطاعات اليمينية من الجيش الشيلي بقيادة الجنرال بينوشيه للقضاء علي الليندي, فكان الانقلاب الدامي, والقضاء علي الرئيس الليندي بعد ضرب قصر الرئاسة بالطائرات الحربية. بدأت سنوات الظلام, وعمت الاعتقالات والتعذيب والاغتيالات القطاع الأوسع من كوادر وأنصار الحكم الاشتراكي وكذا عدد من كبار قادة الجيش وعلي رأسهم الجنرال براتس ومدير كلية الحرب.
قاد الحزب الديمقراطي المسيحي المعارضة برئاسة فراي حتي اجراء انتخابات حرة في نهاية1989 جاءت بالرئيسين ألوين ثم فراي الي الرئاسة بعد1990 الي أن تم انتخاب رئيس الحزب الاشتراكي الدكتور ريكاردو لاجوس رئيسا للجمهورية.
وانطلقت شيلي بشكل مذهل إلي الأمام في مجالات التنمية الاقتصادية والتعليم والسياسة الخارجية بفضل الرئيس لاجوس الذي أدرك أن الجبهة الوطنية( الجبهة الوطنية المتحدة حسب المصطلح المصري) هي ركيزة الثبات وضمان الديمقراطية وأداة التعبئة وطريق الانطلاق. الحزب الاشتراكي يتولي القسط الأوفر من الحكم, ولكنه يشرك العديد من الوزراء والمستشارين والخبراء المنتمين الي الوسط واليمين الليبرالي المسيحي, وذلك تأكيدا لأن الحكم في شيلي باسم الأمة كلها وليس عودة إلي توجه أحادي خاطئ.
وفي الوقت نفسه قررت الحكومة تعويض28 ألف شخص من الذين تعرضوا للتعذيب في عهد الديكتاتور بينوشيه, هذا بينما عادت قيادات الجيش تدريجيا الي الولاء للحكم المدني الدستوري بينما بدأت محاكمة بينوشيه, لكن دون المساس بكرامة جيش شيلي الذي تعتز به البلاد.
الجبهة الوطنية قاعدة الأمة الحرة
تعال نمضي معا في مسألة شيلي اليوم
1 ـ لم تنضم شيلي حتي الآن الي التجمع الاقتصادي الرئيسي لأمريكا الجنوبية ميركوسور, ولكنها تقدمت بطلب المشاركة منذ شهور وفي الوقت نفسه وقعت العديد من اتفاقات التبادل التجاري الثنائي مع العديد من الدول بدءا من الولايات المتحدة والصين.
ورغم هذا, قررت شيلي رفض الموافقة علي غزو العراق. وكانت في طليعة دول أمريكا اللاتينية, وخاصة الجنوبية, لإعطاء العلاقات الاقتصادية مع الصين المقام الأول. ومعني ذلك أن ثبات ركيزة حكم الجبهة الوطنية برئاسة لاجوس أتاح لشيلي قدرا واسعا من حرية التحرك في الساحة العالمية, ليس بمنهج ايديولوجي وإنما بالمنهج الواقعي الذي يحترم علاقات القوي ليحقق أوسع مجال ممكن من حرية التحرك. وفي هذا مايرضي مختلف المدارس السياسية والاقتصادية والمدارس الفكرية للجبهة الوطنية في شيلي.
2 ـ موضوع الجيش في شيلي يحتل مكانة خاصة, بدءا من انتصاراته العسكرية في حرب المحيط الهادي
(1879 ـ1884) لتوسيع حدوده مع بوليفيا وبيرو والأرجنتين. وبالتالي جاءت سياسة الرئيس لاجوس تجاه الجيش, خاصة قياداته, بالغة الحصافة والذكاء: احترام المقام دون تحفظ مادام الجيش يحترم الدستور والقيادة المدنية السياسية المنتخبة, مع قدر محدود لابد منه من استبعاد العناصر غير الصالحة التي شاركت في المجتمع أيام بينوشيه. انها عملية بالغة الدقة, تمت, ومازالت جارية بنجاح مشهود له مرة أخري بفضل ثبات ونضج القيادة السياسية. تصحيح المسار يصاحب دوما كل تغيير سياسي جذري. ولكن المهم في مثل هذا التصحيح ألا يتخذ شكل الاستبعاد الظالم أوالانتقام أو التشفي, وإنما يلتزم بالدستور وسيادة القانون واحترام القيم. مرة أخري. هذا أمر لاتقدر عليه إلا الجبهة الوطنية التي تمثل غالبية قوي المجتمع وترفض بشكل قطعي تحكم أي قطاع, أكان أقلية أم أغلبية نسبية, علي من يشاركه الحياة والأمل علي أرض الوطن.
3 ـ مسألة التعليم والثقافة تحتل مكانة خاصة, ليس فقط في شيلي وإنما في عموم أمريكا الجنوبية. نشر التعليم لجماهير الشعب دون استثناء, رفع مستوي المعارف وتعبئة الطاقات العلمية والفكرية يواكب هنا مايتم في معظم دول امريكا الجنوبية. وإنما الاشارة إليه هنا توكيد لوجود هذا العمل بفاعلية كبيرة في شيلي, خاصة وقد تولت نخبة من صفوة المفكرين والمثقفين أمور الحكم والادارة. واللافت هنا تصريح وزير التعليم لأعضاء بعثة الأهرام بأنه من واجب العرب ان يتعرفوا علي أمريكا الجنوبية بشكل مباشر, اي بدراسة أحوالها, وانتاج كتابها ومفكريها, بدلا من ترديد الرؤي والمعلومات إلي عالمنا العربي من أوروبا والولايات المتحدة.
وبهذه المناسبة أود أن أتوجه بالشكر والثناء لمجلسنا الأعلي للثقافة الذي رأي الاحتفال بمئوية كبير شعراء شيلي وأمريكا اللاتينية بابلو نيرودا منذ شهور. صفحات من كراسة الذكريات, إذ كان نيرودا أخا كبيرا ودودا السنة تلو السنة, خاصة أثناء استضافتي في داره الممتدة فوق الساحل الصخري المتعامد علي المحيط الهادي في إيلانجرا حيث تم التعارف علي طلائع من كتاب وشعراء شيلي إلي ان كانت أيام سفارته في باريس. بعد أن تولي الدكتور الليندي مقاليد الرئاسة حتي لقاء الوداع بعد اغتيال الليندي: دعانا لفيف الأحباء إلي دار السفارة قبل أن يغادرها بعد المأساة.
أصر ان يؤكد الأمل, فدعا زوجته شريكة حياته ماتيلدا إلي مشاركته رقصة الفالس توديعا للحياة, ثم عاد إلي ايلانجرا حتي نهايته بعد شهور. أشهد أنه كان أكثر المحللين ذكاء وأبعدهم رؤية: كان يري حتمية الانتقال إلي حكم الشعب المتجه إلي الاشتراكية, ولكنه كان يدرك أيضا استحالة هذا التحرك, وكأنه بلا حدود أو قيود وعند السؤال كان يعود الي تلاوة الشعر فينشد القصيدة بلغته الاسبانية وقد تداخلت أمواج المحيط الهادي بايقاعها. يتلو.. ينشد, حتي تهدأ النفوس حوله. ثم يبتعد.
صفحات من كراسة الذكريات, تلحق بها صفحات أخري بعد قليل صفحات منتقاة, ولكنها الرحلة في أعماق أمريكا اللاتينية في حاجة إلي جميع الطاقات والهمم علي المدي الطويل.
قال صاحبي:
يعني أن المسألة ليست مجرد إجراءات تصحيح اقتصادي ومالي ـ حكاية القطط والفئران ـ وإنما العمل الشجاع المتصل لبناء الجبهة الوطنية المتحدة بوضعها القاعدة الحيوية للاستقلال والديمقراطية..
لماذا نجحوا هم, ومازلنا نحن نفكر ونتأرجح ونتردد؟.. رغم أننا نملك الخبرة التاريخية, وجميع الامكانات؟ هل تري: مسألة إرادة ورؤية واقدام؟...














التعليقات