أحمد عبدالعزيز من موسكو: منذ عام بالضبط، وفي كانون أول (نوفمبر) 2003، صدرت صحيفة (ستاليشنايا غازيتا)، أي "صحيفة العاصمة"، بمادة ي غاية الأهمية أثارت الرأي العام، ودفعت الناشطة اليمينية المتطرفة، والشهيرة أيضا، فاليريا نوفودفورسكايا إلى التدخل العاجل وتهديد السلطات الروسية بـ "ثورة حتى النصر".
على الرغم من مرور عام كامل على الضجة التي أثيرت حول هذا الموضوع، وبالرغم من تراجع السلطات الروسية عن طرح القوانين التي كانت جاهزة لهذا الأمر، إلا أن صحيفتين غربيتين ( واشنطن بوست الأميركية وديلي تلغراف البريطانية، أثارتا الموضوع من جديد ولكن على مستوى آخر.
القضية ببساطة هي القبلات الروسية في مترو الأنفاق والشوارع وبقية الأماكن العامة، وفي الاجتماعات السياسية والمطارات، أثناء استقبال المسؤولين السياسيين والبرلمانيين المحليين والأجانب، وفي مجلس الدوما والمجلس الفيدرالي بين نواب البرلمانين.
في تشرين أول من عام 2003 قامت حكومة موسكو بإعداد مجموعة من القوانين الصارمة التي تمنع السيدات والرجال من تبادل القبلات في الأماكن العامة عموما، وفي مترو الأنفاق على وجه الخصوص، وليس فقط بين الصديق والصديقة، وإنما أيضا بين الزوج وزوجته. وكانت الحجة هي الإعلاء من منظومة القيم والأخلاق في موسكو.
وقالت الصحيفة الروسية إنه بعد شهرين بالتمام والكمال، أي في كانون أول (يناير) 2004 سيتم التصويت على هذه القوانين، وأن قوات الشرطة،
| قبلة في مترو الانفاق |
وفي ظل هذه الحملة، صرحت نائبة رئيس إدارة شؤون التربية بوزارة التعليم الروسية تاتيانا مكسيموفا بأن "الأطفال ليسوا بحاجة إلى تلك الثقافة الجنسية في المدارس، وهو الموضوع الذي يدور حوله جدل واسع في روسيا". وأضافت بأنهم يحصلون يوميا على تلك الدروس اللاأخلاقية عندما يرون ما يجري حولهم من أحضان وقبلات حتى على الدرج المتحرج في مترو الأنفاق.
ولكن أستاذة قسم علم النفس الاجتماعي بكلية العلوم النفسية التابعة لجامعة موسكو الحكومية نتاليا كوجان رأت أن "الأوضاع في مترو الأنفاق ليس مرضية تماما. فهناك عشرات الآلاف من الناس، والزحام الفظيع، والتدافع البشع، الأمر الذي يفسد الحالة النفسية ويعكر المزاج. وعلى الرغم من كل ذلك، لا يوجد سبب لمنع شابة وشاب من تبادل القبلات. يعجب هذا البعض أو لا يعجبهم، فهو في كل الأحوال لا يشكل أي ضغط نفسي على المحيطين". واستثنت الباحثة حالات الأحضان الساخنة والمشاهد شبه الجنسية التي تجري في المترو. ووصفتها بأنها مخالفة للذوق العام وتستحق العقاب.
وعلى الفور صدرت (واشنطن بوست) بموضوع حول هذه القضية نصحت فيه هي الأخرى، ولكن بسخرية حادة، الشباب الروس من الجنسين بعد تبادل القبل في الأماكن العامة، وفي مترو الأنفاق، وعدم الدخول في جدل عقيم مع أجهزة الشرطة التي ستنفذ القوانين الجديدة.
وفي غمزة جديرة بالملاحظة، قالت الصحيفة، إن قبلة خفيفة بين شابة وشاب على الدرج المتحرك بالمترو تجعل الناس يديرون وجوههم إلى بعضهم البعض مما يشغلهم عن مطالعة الإعلانات التجارية!
| فاليريا نوفودفورسكايا |
وهكذا انتهت قضية "القبلات الروسية في مترو الأنفاق" إلى لا شيء. وبعد عام كامل، وعلى أرضية تاريخية لها مرجعيتها في الميثولوجيا الشعبية-السياسية في روسيا، نقلت شبكة (نيوز. رو) الروسية عن صحيفة (ديلي تلغراف) البريطانية موضوعا آخر كثر إثارة للدهشة. ولولا وجود اسس الواقعية له في روسيا، لما كان أقرب إلى الحقيقة. وفي الواقع فقد اعتمدت (ديلي تلغراف) على صحيفة (موسكوفسكي كمسوموليتس) الروسية في التعاطي مع هذه المادة.
الأمر يتلخص ببساطة في ظهور اقتراح مقدم إلى المجلس المحلي لمدينة موسكو بمنع تبادل القبلات بين المسؤولين السياسيين والبرلمانيين، والرسميين بشكل عام. واستند الاقتراح إلى فكرة مفادها أن القبلات والأحضان بين المسؤولين تستهلك وقتا طويلا يمكن أن يكفي لعقد عدة لقاءات هادفة وأكثر نفعا. ويكفي تماما المصافحة حتى وإن كانت حارة.
المثير للدهشة، أن المسؤولين الرسميين أعربوا عن غضبهم الشديد عندما بدأت الصحف تنشر صور قبلاتهم مع معارفهم أو ضيوفهم أثناء العمل. غير أن الصحف ردت من جانبها بأنه "إذا جمعنا زمن القبلات والأحضان خلال العام الواحد، فإن الإجمالي يكفي لإقامة فعاليات أخرى يمكن الاستفادة منها".
ونقلت الصحيفة عن عضو المجلس المحلي في كراسنويارسك ألكسي كليشكو قوله "يجب الابتعاد عن القبلات بين أفراد الجنس. يكفي المصافحة. وإذا تحدثنا عن علاقات صداقة قديمة، أو علاقة أب بابنه، فهذا أمر آخر تماما". وقال برلماني آخر، فلاديمير جورلوف، إنه "يقبل يد السيدات فقط أثناء العمل. وهناك بروتوكولات تحدد اللقاء الرسمية، ولكن في الوقت نفسه توجد لقاءات غير رسمية". وأضاف: "لا يعجبني أن يقبل رجل رجلا أثناء لقاء رسمي".
وتعرضت الصحيفة إلى معنى وميكانيزم القبلات في روسيا. فالمعروف أن الرجال يقبلون بعضهم البعض 3 قبلات، وفقا للتقاليد الروسية. وكانت قبلة القيصر، مثلا، لأحد ما تعني رضاء لا نهائيا عن الشخص.
أما الزعيم السوفياتي السابق ليونيد بريجنيف، والذي دخلت قبلاته الحكايات والنكات والطرائف والعروض المسرحية والأفلام، فقد كان الأشهر في هذا المضمار. وتم توزيع الصورة التي يظهر فيه مقبلا زعيم الحزب الشيوعي الألماني الشرقي إريك هونيكر على نطاق واسع، وعلقت على جدار برلين ممهورة بـ "يا إلهي، ساعدنا على تحمل هذا الحب القاتل!".
كان بريجنيف يقبل زملاءه من الرجال في الحزب بنفس "القوة" التي كان يقبل بها ضيوفه الأجانب من الرجال. وقامت وسائل الإعلام الأميركية بنشر صور قبلاته للرئيس جيمي كارتر بعد توقيع اتفاقية التسليح في فيينا عام 1979.
وهناك مئات النكات الروسية حول بريجنيف تحديدا في هذا المجال. وفي إحداها "بعد مغادرة أحد الزعماء السياسيين الأجانب الذي كان ضيفا على الكرملين، نظر ليونيد إليتش قائلا: سياسي لا جدوى منه، ولكنه رائع في قبلاته".
أما أول رئيس روسي ما بعد سوفياتي، بوريس يلتسين، فقد حاول قدر الإمكان الابتعاد عن إظهار انفعالاته، وحاول جاهدا التقليل من عادة التقبيل. ومع ذلك لم يغلبه في هذا الأمر إلا رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات الذي جذبه أثناء زيارته لموسكو وأمطر وجهه بالقبلات على الطريقة البريجنيفية، وهو ما أثار حالة من الضحك بين الروس والعرب آنذاك في موسكو.




التعليقات