قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

موسكو: كنت أودّع صديقًا في إحدى محطات القطارات في موسكو،وبعد أن تحرك القطار حاملا صديقي الي مدينته الجنوبية،اتجهت لبوابة الخروج من المحطة،واذ بثلاثة أطفال لم تتجاوز أعمارهم الثالثة عشرة، يركضون نحو رصيف المحطة وكان أحدهم يترنّح وكأنه ثملا،وكان يركض في أعقابهم شاب وفتاة لا تدل ملامحهما على أنهما من الشرطة،عبر الاطفال قضبان السكك الحديدية واختفوا في الحارات الخلفية لمحطة القطارات،وعاد الشاب والفتاة وكانت ملامحهما تدل علي خيبة الأمل،ودفعني فضولي الصحافي للاقتراب منهما.

وبعد أن عرفتهما بنفسي سألتهما.. لماذا تركضان وراء الاطفال؟هل سرقوا منكما شيئا؟أجاب الشاب..إسمي فلاديمير وادرس في معهد علوم المجتمع،وهذه تانيا تدرس في جامعة موسكو،نحن نعمل مع مركز "أطفال الشوارع"،ومهمتنا هي اقناع الأطفال المشردين بالذهاب للاقامة في دور الطفولة التي توفر لهم المسكن والطعام والعلاج والتعليم،ولمدة أسبوع كامل كنا نتردد علي هذه المحطة لاقناع هذه المجموعة من الأطفال إلا أنهم كما ترى فروا منا، لقد ذهبت جهودنا ادراج الرياح دون تحقيق أي نتيجة،وسألته.. لماذا كان احد الاطفال يترنح؟ أجابت تانيا.. انهم مدمنون شمّ الصمغ وبعضهم يتعاطى المخدرات…

صدمتني هذه الحادثة وسيطرت علي مخيلتي- وأنا في طريق العودة إلي منزلي- قصة عالم الطفولة الروسي في الماضي،لقد كان الطفل في روسيا الملك المتوج،اذ كانت دور الحضانة تستقبل كافة الاطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 – 7 سنوات،حيث يقضي فيها الطفل عشر ساعات يوميا، ويقدم له فيها أفطارا وغذاء،ويتم تعليمه الرسم واللغة والحساب،ثم تخصص له ساعات للعب،وتوفر دار الحضانة لعب الاطفال،وأسرّة للاطفال كي يناموا مدّة ساعة بعد الغذاء،بالأضافة للرعاية الصحية،ومقابل ذلك تدفع الأسرة شهريا ما يعادل دولار واحد.ولم يكن الوضع يختلف كثيرا في المدارس،وانما يضاف الي ذلك المعسكرات الصيفية التي تنظمها إدارات المدارس.

كان واضحا أن حقوق الأطفال ومكتسباتهم قد شهدت تراجعا ملحوظا في الأعوام الأخيرة بسبب الأزمات الإقتصادية التي تمر بها روسيا،وأصبحت دور الحضانة والمدارس تفرض رسوما لقبول الأطفال،وتطالب اسر الأطفال تقديم المساعدات،بل إن بعض المدارس لجأت لتأجير مساحات منها للأكشاك التجارية لتوفير التمويل اللازم للحفاظ علي مبانيها في حالة صالحة.وقررت أن يكون الأطفال المشردون موضوعا لمادتي الصحافية.
في اليوم التالي توجهت إلى محطة القطارات فى محاولة لدراسة واقع الطفولة المعاصر في روسيا، وفي هذه المرة توجهت على الفور للحارات الخلفية باحثا عن الأطفال الذين يفترشون الارض ويلتحفون السماء،في البداية لم أجد أحدًا منهم،وسألت امراة كانت تبيع الخضروات عنهم: قالت..مع حلول الظلام سيأتون إلى هذا المكان ليستريحوا،ونظرت للمكان الذي كان عبارة عن فجوة في جدار عريض يحيط بمحطة القطار،وكانوا ينامون في هذه الفجوة،وقبل أن يحل الظلام ظهر فتى في الرابعة عشرة من عمره،وما أن رآني حتي عاد أدراجه محاولا الهرب، إلا أنني تمكنت من الأمساك به،وقلت..الا تريد أن تكسب بعض المال كل ما اريده أن نتحدث،توقف قليلا ثم وافق،وإذ ببائعة الخضروات تقول لي.. لا تعطيه المال سيصرفه على المخدرات،اشتري له طعامًا،وافق الفتى لانه كان جائعا،وبعد أن تناول الطعام الذي قدمته له،بدأ (ساشا) يحدثني عن قصته.. عاد والده الذي كان جنديا من الحرب الشيشانية الأولى في عام 1995 بعد أن فقد ساقيه،وأصبح عاجزا،واضطرت والدته للعمل كعاملة تنظيف في أحد المستوصفات حيث كانت تتقاضى أقل من 40 دولارًا شهريا،وبسبب إحساسه بالعجز أدمن الجندي المقعد الخمر بعد أن فقد الأمل في أن يكون نافعا،أو أن يمد له أحد يد العون لمواجهة مصاعب الحياة ومطالب أسرته الصغيرة،واصبحت مشاجراته مع زوجته مسلسل يومي حتى تعطيه ثمن الخمر،وشعر (ساشا) بمأساة حياته عندما بلغ العشرة من عمره،ولم تعد أسرته قادرة على توفير مستلزمات دراسته،وتغيرات أحلام الصبا وتبدلت قيمه الأخلاقية،وسيطر عليه حلم أن يصبح (بلطجي)ويحصل على أموال كثيرة،مثل ابن جارهم الذي كان يعمل مع رجل من الجنوب ويجمع له الاتاوات من بائعين البازار الذي يسيطر عليه،وفي بداية العام الماضي لم يعد(ساشا) يطيق المشاجرات بين والديه وضيق ذات اليد الذي يحرمه من ما يتمتع به اقرانه،غادر المنزل وصار يحصل على طعامه من التسول او مما يكسبه من غسيل السيارات،وفي الشتاء القارس لم يجد المآوي التي تحميه من برد الشتاء، أضطر أن يلجأ ل(فاسيا) ابن جارهم الذي يكبره بعشر سنوات،وطلب منه المساعدة،رحب (فاسيا)به وقال له ستعمل معي وسأعطيك في اليوم 100 روبل( أقل من 4 دولارات)وستقوم بتوزيع المخدرات على الزبائن ولا تخشى الشرطة لانك قاصر لن تذهب للسجن،لم يهتم (ساشا) بطبيعة عمله المهم أن يجد المآوي من البرد القارس،والطعام،وبدأ يتحول إلى مدمن للمخدرات التي يوزعها…

وخلال أحاديثى مع بقية الأطفال وفي أماكن مختلفة،إكتشفت أن قصة(ساشا) تتكرر يوميا مع آلاف الأطفال،إذ كشفت إحصاءات وزارة الداخلية الروسية عن أن أعداد الأطفال المشردين تصل لأكثر من 200 الف طفل في روسيا،فيما تفيد البيانات الصادرة عن الجمعيات الدينية أن أعداد هؤلاء الأطفال تقدر بأكثر من مليون طفل منهم أكثر من 40 الف طفل في موسكو.وتؤكد منظمات رعاية الطفل أن أكثر من 30% يخضعون لسيطرة الجريمة المنظمة التي تستخدمهم في السرقة وتسويق المخدرات،بينما يتم الاتجار بحوالي 12% منهم للاستخدام الجنسي،ويعمل حوالي 29% في تنظيف السيارات،و18% يعتاشون من التسول وجمع القمامة،أما البقية فيتم استغلالهم كأيدٍ عاملة رخيصة في الأسواق والبازارت.وقد كشف النائب العام عن أن المشردين من القاصرين قد أرتكبوا مئتي ألف جريمة في عام 2002،منها 2000 جريمة قتل،و7000 جريمة سطو مسلح،وبالرغم من سلسلة القوانين التي اصدرها البرلمان الروسي لحماية الأطفال من الاستغلال،وإجراءات وزارة الداخلية في ملاحقة هؤلاء الأطفال لإرسالهم لدور الرعاية،إلا أن تفاقم الأزمات الإقتصادية و نقص التمويل المالي لدور الرعاية أدى إلى تنامي ظاهرة تشرد الأطفال.

وتكشف دراسات منظمات رعاية الطفولة في روسيا عن أن الحرب الشيشانية الأولى قد تسببت في تشرد أكثر من 30 الف طفل، فيما أدت الحرب الشيشانية الثانية إلى تردي الأحوال المعيشية لأكثر من 250 الف طفل روسي وشيشاني بعد أن فقدت اسرهم القدرة على توفير الدخل المادي لإعالتهم إما بسبب وفاة الاب،او إصابته بعجز.كما تؤكد هذه المنظمات أن تأثير الحروب على نمو وحياة الأطفال كان بالغ الخطورة، ولم يقتصر على تردي أحوالهم المعيشية، وانما تسبب في انتشار الأمراض الناجمة عن سوء التغذية والتلوث، وكشفت دراسات طبية عن ارتفاع نسبة الأطفال الذين يعانون من الأمراض الناجمة عن تلوث المياه، وحذر عدد من الأطباء النفسيين من الآثار السلبية الناجمة عن استمرار الحروب على التطور الروحي للأطفال،والتي تنامي لدي جيل المستقبل النزعات العدوانية،وتؤدي لسيطرة مفاهيم القوة والقسوة علي قيمهم الأخلاقية.

وخلال متابعاتي الصحافية لظاهرة الأطفال المشردين في روسيا حرصت على زيارة مركز (أطفال الشوارع) الذي يعمل معه (فلاديمير) و( تتيانا)،والتقيت هناك بالسيدة ( فالنتينا) مديرة المركز التي أكدت لي أن أسباب هروب الأطفال من منازلهم إلى الشارع، تكمن في سوء الأوضاع الاقتصادية للعديد من الأسر التي لم تعد قادرة على إعالة ابنائها،ثم عرضت تجربة المركز في تشكيل فرق من الطلاب المتطوعين الذين يتجولون في مناطق تواجد المشردين لاقامة صلة إنسانية معهم لإجتذابهم إلى دور الرعاية،وقد تمكن هذا المركز من استقطاب أكثر من 1500 طفل، منهم من عاد للاقامة مع والديه،ومنهم من يقيم في دور الرعاية،ويتابع أخصائيو المركز عملهم مع الأطفال بهدف إعادة تأهيلهم من خلال جلسات ينظمها الأخصائيون تمنح فرصة لهؤلاء الأطفال للتعبير عن أنفسهم وهمومهم و من أجل تبديد غضبهم على المجتمع،ليس فقط من خلال الحديث وانما ايضا من خلال الرسومات،وسمحت لي المشرفة على المركز بحضور إحدى جلسات العمل مع هؤلاء الأطفال.لم تكن المهمة سهلة وإذا كانت الجلسة في بدايتها قد أعادت لذاكرتى احداث مسرحية مدرسة المشاغبين،بسبب تعامل هؤلاء الأطفال باسلوب متمرد لكل ما يقدم لهم من المجتمع، إلا أن الجلسة التي بشكل تدريجي تحولت من لقاء للتهريج الى ورشة عمل جماعي،كشفت بوضوح عن تأثير المشاعر الإنسانية السحري على هؤلاء الأطفال.

وينظم المركز للأطفال معسكرات صيفية،يعملون فيها نظير أجر خلال فترات العطل الدراسية.ومما لاشك فيه أن هذه المراكز تعاني من أزمات مالية، إلا انها تحاول حل مشكلة نقص التمويل اللازم بالإعتماد على تبرعات رجال الاعمال والمساعدات التي ترسلها المنظمات الدولية،بالإضافة للميزانيات الحكومية المتواضعة التي تقتنصها إدارات هذه المراكز.