بيروت: "كان الامر مكلفاً لنا في البداية خصوصاً لجهة تغيير كل الكتب التي كان يستعملها اخوة ابني قبل تغيير المناهج ولم يكن ينقصنا سوى هذا التغيير
تى تزيد اعباؤنا الاقتصادية" الكلام لرلى والدة رامي البلغ من العمر 7 سنوات والذي يتعلم في مدرسة خاصة في لبنان وتضيف " فضلا عن ذلك هناك كثافة جديدة في الكتب والتعليم وحتى بعض المواد يصعب علي تعليمها لابني ما تطلب الاستعانة بمدرس خصوصي".
من جهتها ترى منى (15 عاما) ان تغيير المناهج التربوية في لبنان اوجد فسحة تعليم جديدة وانفتاحاً على تغيير تربوي جديد لم يكن قبل سبع سنوات ولم تنس ان تضيف ان الامر تطلب منها ومن زميلاتها جهداً مضاعفاً للحاق بركب هذا التغيير".
من يتسنى له أن يطلع على تفاصيل ملف "تعديل المناهج التعليمية" في لبنان بالتحديد، سيكتشف أنه يقف وجهًا لوجه أمام واقع مثير، يختلف كل الاختلاف عن واقع المناهج التعليمية الأخرى في البلاد العربية عمومًا. فنحن، باختصار، أمام مناهج تعليمية يصفها أصحاب الشأن والاختصاص والخبرة بأنها "مناهج علمانية" نوعًا ما، ويعود ذلك إلى سبب "تعددية" المجتمع اللبناني وانقسامه بين شرائح إسلامية وأخرى مسيحية وغير ذلك.
التعددية والدستور
هذا التعدد في الديانات والاختلاف في الطوائف والمذاهب سيكون له أكبر تأثير وانعكاس على مجريات ما يتعلق بملف "المناهج التعليمية" وعلى غيرها أيضًا من المسائل والقضايا التي تشكل خصوصية المجتمع اللبناني.
ولعل هذه النقطة المهمة هي التي ستشكل العلامة الفارقة أو جوهر الاختلاف الكبير بين مناهج التعليم في لبنان ومناهج التعليم في الدول العربية والإسلامية الأخرى، خصوصًا في منطقة الخليج العربي حيث يشكل الدين الإسلامي الركيزة الأساسية والمنطلق لأي منهج.
وإذا كان التعدد الديني يشكل سببًا رئيسًا في إضفاء صفة معينة على مناهج التعليم، فإن هناك سببًا آخر أيضًا يتمثل في أن هذه المناهج تستمد عناوينها وأسسها من الدستور اللبناني نفسه!
وهكذا تصبح مناهج التعليم في لبنان واقعة بين فكي كماشة: التعددية والدستور! إذ من غير المعقول أن يرد في هذه المناهج ما يتعارض ولو بكلمة واحدة مع هاتين الركيزتين.
ثمة ملحوظة أيضًا لا بد من إيرادها هنا، وهي أن القوانين المتعلقة بالتعليم في لبنان تسمح للمدارس والمعاهد باعتماد أي سلسلة من الكتب أو أي نوعية ولو كانت مستوردة من أي مكان!
باستثناء كتابي التاريخ والتربية المدنية، حيث يصبح الأمر ملزمًا لكافة المدارس، مع العلم أن هناك بعض الخروقات المعروفة في هذا المجال، حيث تعتمد بعض المدارس كتبًا ومناهج أجنبية بحتة!! بما فيها كتابا التاريخ والتربية المدنية!!
اهل الاختصاص
قول الدكتور جورج سعادة رئيس المدارس الخاصة في لبنان ل"إيلاف" ان مرسوم تغيير المناهج التعليمية في لبنان والذي يحمل الرقم 10272 صدر في
| جورج سعادة |
ويعتبر سعادة ان هذه المناهج اتت 100% لصالح الطلاب دون ان ينسى ابداء بعض الملاحظات التي سينظر اليها مركز البحوث ومنها كثافة كل مادة وعدد المواد وبعض الثغرات الاخرى التي ينظر بشأنها مركز البحوث والانماء ويقول سعادة ان هذه المناهج لم تطبق في كل المدارس والسبب يعود الى عدم كفاية التجهيزات في بعضها خصوصاً المواد الفنية كالرسم والموسيقى والمسرح لم تطبق في كل المدارس الخاصة والرسمية.
أما عن تأهيل الكادر التعليمي للمواد والمناهج الجديدة فيقول سعادة "مع بداية تطبيق المناهج الجديدة عمدت المدارس الى حملة لتدريب المعلمين في المدارس الرسمية والخاصة خصوصاً من مدارس المنهج القديم لفترة زمنية طويلة لكن تلك التدريبات بقيت ناقصة وكان الامر يتطلب على الاقل سنة تعليمية يترك فيها المعلم المدرسة ليلتحق بدور المعلمين الا ان انجاز الامر كان صعبا على الكثيرين.
واشار سعادة الى ان المناهج القديمة كان لا بد ان تتغير خصوصاً انها استمرت 28 عاماً من العام 1969 حتى العام 1997 ولا يجوز ان تبقى على ما هي عليه الا ان الامر كان مكلفاً على اولياء التلامذة لجهة زيادة الكتب وزيادة الاساتذة وبالتالي زيادة القسط المدرسي.
وللاطلاع عن كثب على الموضوع كان ل"إيلاف" لقاء مع نمر فريحة" الذي يحمل شهادة الدكتوراة بالمناهج وطرائق التدريس ويدرسها في كلية التربية في الجامعة اللبنانية في بيروت، وهو الذي كان يشغل منصب رئيس المركز التربوي للبحوث والإنماء في السنوات التي شهدت العمل بتطبيق المناهج الجديدة.
عن رأيه وتجربته شرح لنا قائلاً: تاريخية مناهج التعليم في لبنان تعود في بداية القرن العشرين إلى ارتباطها المباشر بسلطات الانتداب الفرنسي التي جعلت من المناهج اللبنانية نسخة عن المناهج الفرنسية التي كانت تضعها لجان مشتركة من اللبنانيين والفرنسيين.
لكن بعد الاستقلال اللبناني عام 1943 صدرت المناهج الجديدة عام 1946 لتلائم الوضعية الجديدة، وكانت من وضع لجان لبنانية مستقلة أخذت بعين الاعتبار ظروف المرحلة الجديدة وبناء الوطن المستقل وحاجات المجتمع في تلك الظروف.
وقد استمرت مناهج ما بعد الاستقلال حتى العام 1968، أي إنها استمرت ربع قرن بالتمام والكمال، حيث بدأ العمل حينها لوضع نظام تعليمي جديد يواكب المرحلة المتجددة والمتطورة.
وفي العام 1971 انتهت الحلة الجديدة للمناهج التعليمية، لكنها قوبلت ببعض الأصوات المنتقدة واللائمة، بحجة عدم حيازتها لكافة المواصفات المطلوبة من مناهج وغايات، وكان الملاحظ حينها أنها جاءت أضعف من مستوى المناهج القديمة. لكن كل محاولات تقييمها آنذاك أو إصلاحها أو تعديلها توقفت حينها بسبب اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وهكذا قيض للمناهج الصادرة عام 1971 أن تستمر هذه المرة أكثر من ربع قرن بسبب الحرب.
اتفاق الطائف
إذا كانت السيطرة الأميركية هي الداعية لتغيير المناهج التعليمية في هذه الآونة في كافة أنحاء الواقع العربي، فإن "اتفاق الطائف" الذي وقع نهاية
لثمانينات كان هو الداعي المباشر لتغيير المناهج التعليمية في لبنان.
فاتفاق الطائف هو الاتفاق الإقليمي الذي تم بموجبه وضع نهاية للحرب اللبنانية التي استمرت عقدًا ونيفا من الزمن، فقد وضع اتفاق الطائف بنودًا كثيرة وعديدة لحياة سياسية واجتماعية جديدة في لبنان، عرفت فيما بعد بمرحلة ما بعد الحرب.. وكان تعديل أو تغيير المناهج الدراسية جزءًا أساسيًّا من بنود اتفاق الطائف الشهير الذي رعته المملكة العربية السعودية.
وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى كان العمل قد بدأ من جديد لتغيير المناهج التعليمية.
بناء على هذا الواقع يقول الدكتور "نمر فريحة": إن التدخل الخارجي لم يكن له أي نفوذ في المسألة، بل كانت القضية بناء على دعوة محلية وداخلية من قبل كل الأطراف اللبنانيين روعيت فيها مسألة التقاطع السياسي والاجتماعي والتربوي.
وبالفعل أثمرت دعوة اتفاق الطائف عملاً دؤوبًا على مراحل متعددة في كل من وزارة التربية والتعليم العالي والمركز التربوي للبحوث والإنماء، وكل من عمل بوضع خطة النهوض التربوي والهيكلية الخاصة بالتعليم.
ومن العام 1995 وحتى العام 1997 كانت كل الخطط قد أنجزت ليبدأ العمل بأول إنجازاتها في نهاية العام 1998.
ومن بعض مقومات ومواصفات خطة تعديل المناهج المدرسية اللبنانية أنها ألغت المراحل السابقة (الابتدائي والمتوسط والثانوي) وجعلت البديل أربع حلقات تشكل كل الأعوام الدراسية، وتأتي على الشكل التالي:
- الحلقة الأولى: أول – ثاني – ثالث (التعليم الأساسي).
- الحلقة الثانية: رابع – خامس – سادس (التعليم الأساسي).
- الحلقة الثالثة: سابع – ثامن – تاسع (التعليم الأساسي).
الحلقة الرابعة: عاشر – حادي عشر – ثاني عشر (التعليم الثانوي).
فالتعليم الأساسي يتضمن الصفوف التسعة الأولى من المنهاج المدرسي، أما التعليم الثانوي فهو حلقة واحدة فقط.
ومن ميزات مرحلة تغيير أو تعديل المناهج المدرسية في لبنان أن التعديل جرى عمليًّا في مراحله الأولى على الصف الأول من كل حلقة، فكان التعديل الفعلي أول ما بدأ على الشكل التالي:
- للصف الأول الأساسي.
- للصف الرابع الأساسي.
- للصف السابع الأساسي.
- للصف العاشر الثانوي.
وردًّا على سؤال حول الدعوة الحالية والمتزايدة من قِبل أميركا مباشرة، لتعديل مناهج التعليم في الوطن العربي، يقول الدكتور فريحة: هذه دعوة مرتبطة بارتباطات سياسية مباشرة؛ حيث تأتي الدعوة ضمن نظريات كثيرة جدًّا تم التداول بها بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر).
وحين سألناه إذا كان الجو السياسي يبرر التدخل في مناهج التعليم، قال: في كل مكان تقف السياسية وراء تعديل المناهج غالبًا.
وأضاف: فعليًّا على الأرض بدأت ورش العمل لإعادة النظر، ويبقى الأهم متعلقًا بالنتائج. وبكل حال، يجب عدم فصل الأمة عن تاريخها مطلقا؛ فمناهج التعليم كالنباتات التي لا تعيش خارج بيئتها. فمن المستحيل أن نأتي بمنهاج التعليم الياباني لنطبقه في لبنان، والعكس صحيح.
الدكتور "فريحة" ختم الحديث عن إمكانية التدخل الأميركي لتغيير المناهج بقوله: ربما نعتقد أن التدخل أو التعديل سيحصل في المستقبل في خلال كتب اللغة الأجنبية على اعتبار أن المواد العلمية لا تدخل في هذا النطاق، لكن السؤال: هل سيكون بإمكان اللغة العربية ومواد الاجتماعيات أن تبقى صامدة بوجه التحوير أو التغيير؟.
[email protected]




التعليقات