سقوط بغداد... الحقيقة الكاملة (2/3)
سلطان هاشم أحمد الرجل الصحيح في الزمن الخطأ

زيد بنيامين من دبي: كانت كل القنوات العربية وكذلك المحللون الغربيون يحذرون من الحرس الجمهوري، بينما صدام كان يراه خطرًا عليه، وفي عام 2001 قرر صدام تعيين ابنه الأصغر قصي في رئاسة هذا الجهاز ليكون قائدًا لجيش النخبة في العراق، على الرغم من أن كل خبرة قصي في الحرب هي زيارة الجبهة العراقية الإيرانية ومراقبة الحرب من بعيد لساعات قليلة عام 1984.

صدام حسين يغسل ملابسه في السجن

يقول سلطان هاشم احمد في معرض إفادته للجنة الأميركية، نشرتها مجلة فورين افريس (العلاقات الخارجية) حول هذا الموضوع: quot;العمل مع قصي صدام حسين كان خطأ، لم يكن على علم بشيء. كان يفهم الأشياء العامة حاله حال أي رجل مدني، كنا نحضر المعلومات له لكي يقبلها أو يرفضها باعتباره القائد العام لقوات الحرس الجمهوري، وغالبًا ما كان يستعين بمجموعة من المستشارين لاتخاذ القراراتquot;. كان على قصي اتخاذ القرارات النهائية بعد عرض المعلومات الأساسية عليه، ما لم يتدخل صدام حسين بنفسه. وكان الكثير من قادة هذا الجيش يبدون امتعاضهم من قراراته، وقليلون انتقدوا هذه القرارات بصورة علنية ولو محدودة.

بعد انتهاء الحرب، الكثير من كبار قادة هذا الجيش اشتكوا من أن قصي لم يكن يأخذ حتى بنصائحهم. ولكن في النهاية، يبقى أن قصي هو أحد الأسباب الرئيسة لسقوط بغداد، وليس كل تلك الأسباب. وقد تبين فيما بعد أن حتى المستشارين الذين استعان بهم قصي، وقد عرفت هوياتهم بعد الحرب، لم يكونوا مؤهلين لإبداء النصيحة. فيما تم الإبقاء على المؤهلين صامتين حتى حينما كانت تمنح لهم فرصة بالكلام.

كان (برزان عبد الغفور سليمان المجيد) قائد قوات الحرس الجمهوري الخاصة أحد الذين يعول عليهم العراقيون في هذه الحرب، لكن تبين أن أقرباء الرئيس كانوا الأسوأ في أداء المهمات. يقول احد قادة الحرس الجمهوري المقربين من المجيد عن ملابسات اختياره قائدًا لهذه القوات: quot;كان ابن عم الرئيس ... إضافة الى ميزتين اضافيتين جعلته المفضل للمهمة، هي انه لم يكن ذكيًا لكي يمثل خطرًا على النظام، والثانية لم يكن شجاعًا لكي يشارك في مخططات قلب النظام قد يقوم بها آخرونquot;.

الأكثر من ذلك، أن برزان نفسه كان خائفًا من الحرب، وخائفًا من المركز الذي هو فيه. ووصف المجيد في مقابلة بعد انتهاء الحرب مهمته بالقول: quot;تم استدعائي الى بغداد، وقد كنت في عطلة وقيل لي أن اتولى قيادة قوات الحرس الجمهوري الخاصة، لم يكن لدي خيار. لقد كنت غير راضٍ على تولي القيادة، لأنها كانت أخطر وظيفة في النظام كلهquot;. هذا الرجل الذي كان عليه ان يكون الملاذ الأخير لصدام حسين قضى الحرب وهو... مختبئ!

كان سلطان هاشم الطائي وزير الدفاع هو الرجل الوحيد في المكان الصحيح في كل نظام الرئيس صدام حسين. كان منافسًا لصدام حسين داخل المنظومة العسكرية، وصوله الى الوزارة تطلب منه الصمت أكثر داخل اجتماعات التخطيط. في واحدة من الاجتماعات التخطيطية تكلم كل الجنرالات حول خطة، وافق صدام عليها لحماية بغداد بينما اختار هو الصمت، يقول احد القادة الحاضرين في الإجتماع،إن العديد من الجنرالات الموجودين هناك كان هدفهم إسعاد صدام حسين، بينما كان وزير الدفاع رجلاً نبيلاً، واختار ألا يتدخل بالتعليق على الخطة تاركًا رؤاه الاستراتيجية لنفسه.

كان دور فريق هاشم سلطان احمد في تقليل خسائر العراق في مفاوضات خيمة صفوان بعد حرب الخليج 1991 واضحًا ، شهد له حتى قائد القوات الأميركية آنذاك شوارتسكوف، كما كان أبناؤه على غير عادة كل أبناء الوزراء في العراق الأكثر اقترابًا من الناس، وخصوصًا ابنه البكر (عامر) الذي عرف بالتزامه بمبادئ الدين اثناء دراسته في بغداد، كما لم يسجل انه استخدم سلطاته ضد أي من مخاليفه أو منتقدي النظام العراقي أمامه.

في عام 2002، قرر الرئيس العراقي صدام حسين وضع الفريق سلطان في صورة خطة لحماية العراق، وفوجئ رجال الحرس الجمهوري بعد أيام بدعوتهم لمناقشة خطة جديدة، يقول قائد الفرقة الثانية/حرس جمهوري: quot;تقرر دعوة كل قادة الحرس الجمهوري في مركز القيادة وحينما سألت لماذا؟ قالوا لي إن لدى الحرس الجمهوري خطة جديدة لحماية بغداد. وسألت نفسي لماذا بغداد؟ أليس من واجبنا حماية العراق كله وليس فقط بغداد، وحينما ذهبت هناك وجدت قصي صدام حسينquot;.

ويضيف: quot;تم إيجاز المهمة من خلال شرحها على خريطة حائط كبيرة والتي وضحت الجزء الوسطي من العراق، كانت بغداد موضوعة في وسط 4 حلقات. وكل حلقة كان لديها لون، والحلقة الداخلية كانت حمراء وعلى بعد 10 كيلومترات هناك الحلقة الزرقاء ثم 7 كيلومترات ووجدنا الحلقة السوداء والحلقة الأخيرة كانت صفراء، كانت طريقة عرض الخطة غير ملائمة بالمرة وبسيطة مثل قوات حمورابي ستدافع عن شمال المدينة بينما قوات المدينة في الجنوب والنداء في الشرق وسيكون هناك قوات خاصة في الغربquot;.

ويضيف أنه حينما وصل الأميركيون إلى الحلقة الأولى جاء أمر من صدام حسين بانسحاب القوات على الحلقة الأولى إلى الخلف. وتم تكرار هذا الموضوع مع كل حلقةفيما بعد، حتى تم الوصول الى الحلقة الحمراء وهناك بدأت القوات المتواجدة على الدائرة الحمراء القتال حتى الموت. مؤكدًا: quot;إنما جرى كان سطحيًا وسخيفا، وقيل لنا فيما بعد، انها كانت الخطة الموضوعة لحماية البلاد. وقال قصي ان الخطة تم مباركتها من قبل صدام حسين وانه كان علي انا (المتحدث) تفعيلها، لقد قلت لقصي ان الجيش صاحب تاريخ يمتد الى 82 عامًا، ولا يستطيع القتال بهذه الطريقة، ولكن قصي قال إنه لايمكن التغيير الآن لأن صدام قد وقع على الخطة!quot;.

بالمقارنة مع الخطة التي وضعها الجيش العراقي لحماية العراق أثناء الحرب، كانت الخطة الجديدة تتعمد التسطيح، وأهملت كل مبادئ الجيش الاساسية مثل الجغرافية، ولم توضح تلك الخطة كيف يمكن للقوات الإنسحاب من أي دائرة من الدوائر الموضحة في الوقت الذي عليها الإستعداد لأي اشتباك مع قوات العدو، وحماية نفسها من الضربات الجوية. والمشكلة ايضًا أنه حتى بالإشارة إلى هذا الخلل على مستوى القيادات، لم يكلف عدد من قادة فرق الحرس الجمهوري انفسهم عناء التحضير لمعالجته ولو على صعيد فرقهم. أما بالنسبة إلى صدام، فإن تسلمه لرسالة توضح أن كل تعليماته قد نفذت كانت كافية.