التاريخ المغربي الإيراني
الحسن الثاني والخميني: قصة عداوة متبادلة
أحمد نجيم من الدار البيضاء: خلال لقاء بالسفير الإيراني وحيد أحمدي، تفادى الديبلوماسي الإيراني الحديث عن الحسن الثاني، وقال quot; لا نريد العودة إلى الوراء، نفكر في المستقبل quot;، إجابة تخفي رغبة الديبلوماسيين الإيرانيين الجدد في عدم التفكير في تلك الحرب الضروس التي دارت بين الملك الحسن الثاني وآية الله الخميني منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979. حرب استمرت لسنوات ولكن بأشكال مختلفة. قبل أن تعود العلاقات الديبوماسية بين البلدين ( توقفت منذ 1979 ) سنة 1991 لتقطع سنة 2009.
وساطة الحسن الثاني بين الشاه والخميني
قبل تلك العداوة الشهيرة بين الملك الراحل الحسن الثاني والزعيم الديني الإيراني آية الله الخميني، حاول المغرب التدخل لصالح أتباع الخميني، جاء ذلك استجابة لطلب صديق الملك الشاهنشاه (ملك الملوك الإيراني)، إذ طلب منه، حسب عبد الهادي بوطالب المستشار الملكي في مذكراته، القيام بquot;الوساطة بينه وبين الخميني وقيادة الثورةquot;. وقد أرسل الملك لهذه الغاية بوطالب، مستشاره آنذاك، مبعوثا خاصا له إلى الخميني الذي كان موجودا بالعراق.
ويحكي بوطالب أن المهمة كانت سرية، وأنه توجه إلى الرئيس العراقي حسن البكر لتسهيل لقائه بالخميني وأضاف قال لي جلالة الملك :laquo;اطلب من الرئيس البكر أن يؤَمِّن لك الوصول إلى إقامة الخميني بالنجفraquo;. لكن اللقاء لم يتم لأن الرئيس العراقي أخبره أن quot;لا فائدة في الاتصال بالسيد الخميني لأنه سيغادر العراق بطلب منا. وسيذهب عما قريب إلى حيث يشاء.
وأنه لم يبق على موعد مغادرته سوى أيام معدوداتraquo;. ولم يتمكن مبعوث الملك من لقاء الخميني. كما بعث الملك الراحل الحسن الثاني مبعوثا آخر، يتعلق الأمر بالوزير الأول الأسبق مولاي أحمد العراقي، اختاره الراحل لأنه من آل البيت كذلك، فهو عراقي حسيني، له حظوة كبيرة عند الشيعة، لكن اللقاء لم يسفر عن شيء يذكر، لتفشل وساطة الحسن الثاني للدخول بخيط أبيض بين آية الله الخميني المنفي آنذاك في العراق وبين الشاه إمبراطور إيران آنذاك، ذلك الفشل سينعكس سلبا على علاقة الرجلين بغد الثورة الخمينية.
الحسن الثاني يعين أحد معارف الخميني سفيرا للمغرب
| فتوى مغربية: الخميني يكفر |
المؤرخ والدبلوماسي المغربي التازي فوجئ بتصرف أثر فيه كثيرا، ففي أول رمضان من عام 1979 وجه دعوة إلى رئيس الوزراء الإيراني آنذاك رئيس الوزراء مهدي بازركان لحضور حفل إفطار بمقر إقامته بطهران، فلبى المسؤول الإيراني ووزرائه في الحكومة الدعوة، تلبية لا يمكن أن تتم دون ضوء أخضر من مرشد الثورة آية الله الخميني، ويتذكر التازي أن ذلك الإفطار كان حدثا إعلاميا، إذ تحدثت عنه وسائل الإعلام وحاول سفراء مسلمون أن يفعلوا الأمر نفسه لكن رئيس الحكومة الإيراني آنذاك قال في خطاب بالمناسبة أن هذا الإفطار المغربي ينوب عن كل دعوات الديبلوماسيين المسلمين.
تعامل الإيرانيين كان quot;لطيفاquot; يتذكر الديبلوماسي المغربي، فبعد أن توترت العلاقات (نتيجة وصف الحسن الثاني للخميني بquot;مارق منحرفquot; في حوار صحافي مع جريدة فرنسية) عاد السفير في السنة نفسه إليه.
تعيين الحسن الثاني للتازي لم يكن صدفة، فالديبلوماسي قضى سنوات في نفس المنصب بالعراق، وخلال تلك المرحلة سبق أن التقى في مناسبات كثيرة بالخميني quot;كانت لي اتصالات به، كنت أتردد عليه في النجف، وقد أفادني ذلك لما أصبحت سفيرا للمغرب في إيرانquot; يحكي التازي.
وهل كان الإيرانيون يكنون حبا للحسن الثاني؟، يجيب التازي أن الإيرانيين كانوا يكنون حبا للحسن الثاني خاصا، لأنه من آل البيت، ويقول أنه لما زار إيران أيام حكم الإمبراطور الشاه كان يتجول بسيارة مكشوفة، واخبره الإمبراطور أن الإيرانيين يحترمونه بسبب نسبه.
تلك المرحلة ولت إلى غير رجعة، فبدأت محاولات النظام الإيراني نشر المذهب الشيعي في الدول الإسلامية، وخاصة في دول شبيهة بالمغرب، وبدأت علاقة رجل إيران القوي تسوء مع ملك المغرب باعتباره أميرا للمؤمنين وأكبر المدافعين عن المذهب المالكي السني. ويربط مصطفى الخلفي الباحث في الحركات الإسلامية ومدير نشر quot;التجديدquot; المقربة من حزب quot;العدالة والتنميةquot; الأصولي، محاولات الإيرانيين نشر المد الشيعي بالمغرب بمجموعة من المعطيات التاريخية، ويقول quot;إذا عدنا إلى الخطاب الشيعي، نجد أنه يحاول أن يضع له موطئ قدم بالاعتماد على التاريخ، فهم يرون، وهذه مغالطة، أن الدولة الإدريسية شيعيةquot;، الأمر الثاني هو أن quot;الشيعة يعتقدون أنه مادام مذهبهم انتشر في منطقة غير عربية (الفرس) فله حظوظ للانتشار في دولة أمازيغية كالمغربquot; ويضيف أن quot;الخطاب الشيعي يعتبر المغرب بلد شيعي بالتاريخ وسني بالجغرافياquot;. نقطة أخرى، يركز عليها الخلفي، ويوظفها الشيعة في استهداف المغرب، وهي أنهم يعتبرون أن quot;ثقافة الإسلام الشعبي في المغرب شيعيةquot; (من خلال احتفالات المغاربة بأعياد شيعية كعاشوراء). ويذهب أن استهداف المد الشيعي للمغرب سابق عن الثورة الإيرانية quot;في الستينات جاء مغربي هو عبد اللطيف السعداني بعد دراسته في إيران، وقد ألف كتاب quot;حركات التشيع في المغرب ومظاهرهquot;، ليخلص أن quot;نشر التشيع في المغرب سابق عن الثورة الإيرانية ب15 سنةquot;، وأشار إلى أن الحسين الإدريسي نشر قبل فترة دراسة مستفيضة لهذا الكتاب في مجلة quot;المنهاجquot; الإيرانيةquot;.
العداوة قائمة
| التشيع.. حركات إسلامية مغربية تتأثر |
بعد هذا الخطاب بشهر تقريبا ستجري quot;لوفيكاروquot; الفرنسية حوارا يوم 25 فبراير 1984 قال فيه quot;إذا كان الخميني مسلما فأنا لا أدين بالإسلامquot;، قبل ذلك وعام الثورة الإيرانية، وصف الحسن الثاني الخميني بquot;منحرف مارق، مادام يهدف إلى سلطة دينية (ولاية الفقيه) لم يعرفها الإسلام أبدا. وكل العلماء من الفيليبين إلى المغرب يرون هذا الرأيquot;. كان هذا الرأي سببا في قطع العلاقات الديبلوماسية المغربية الإيرانية سنة 1979، فالعلاقة لم تدم سوى أيام معدودات.
المفكر والمؤرخ عبد الله العروي في مذكراته quot;خواطر الصباحquot; (1974 -1981) تساءل قائلا quot;إذا ما طلب من المغرب تسليم الشاه لمحاكمته؟quot; ثم أضاف ما إذا كان المغرب قد quot;أقحم نفسه في مشكل عويص وبعيد عنه؟quot; وختم أسئلته تلك quot;أين الحذق السياسي؟quot;.
إمارة المؤمنين ضد ولاية الفقيه
| أزمة ديبلوماسية: ظلال العداوة تظهر |
لكن هناك أسباب موضوعية، وهي أنه لأول مرة منذ الثورة البولشيفية، تنجح ثورة وهي المرة quot;إسلاميةquot;، ويوضح الباحث عبد الله العروي في الكتاب نفسه ذلك quot;الظاهرة المهمة في أحداث إيران هي تفنيذ كل ما روج منذ عقود عن استحالة الثورات السياسية، وعلى النمط الكلاسيكي، في إطار التقنيات الحديثة. قيل إن ثورة على النمط الفرنسي لم تعد ممكنة بعد فتح الشوارع الحديثة واختراع المدرعات والطائرات والأجهزة اللا سلكية، فجاءت الثورة الروسية وكذبت تلك الادعاءات. وقيل إن الإلكترونيات وما واكبها من وسائل الاستطلاع تمنع أن تتجدد ثورة على النمط الروسي، وها الثورة الإيرانية تكذب مرة أخرى كلام الاختصاصيين. هذه الثورة التي بدأت سنة 1906 تنتهي سنة 1979 رغم كل التطورات الاجتماعية والاقتصادية والعسكريةquot; ليخلص إلى أن quot;السياسة تقهر الاقتصادquot;. هذا التحليل ما كان يخيف الملك الراحل الحسن الثاني، أن يستهدف الإسلاميون نظامه فيثورون عليه، خاصة أن الظرفية العامة نهاية السبيعات تؤشر إلى إمكانية وقوع اضطرابات اجتماعية، وهو ما حدث في مصر، وقد حاول المغرب، حسب الباحث محمد ظريف، تفادي الأزمة، لكنه أجل انفجارها إلى 20 يونيو 1981، كما أن المغرب كان يعيش تداعيات الصحراء، فمع حرب الصحراء أصبح أكثر ارتباطا بدول الخليج خاصة السعودية والإمارات العربية المتحدة، لأنه يتلقى جزءا من الدعم المالي لتكاليف الحرب من هذه الدول.
لكن الخوف الحقيقي الذي طير النوم من عيني الحسن الثاني، يتجلى في إمكانية قيام حركات إسلامية بثورة لإزاحة النظام، ويفسر الباحث محمد ظريف ذلك، quot;لقد كانت الأنظمة في العالم العربي الإسلامي متخوفة من وصول الإسلاميين إلى الحكم عبر الاقتداء بالثورة الإيرانية، فقبل الثورة، كان الإسلاميون قوة ضغط فقط يكتفون بالنصيحة للحكام، لكن بعدها أصبحوا يعتقدون أنهم سلطة بديلة لسلطة الدولة القائمة، لذا، يخلص ظريف، كان عداء الحكام ومنهم الحسن الثاني للثورة وعدم استساغتهم لتخلي الغرب عما كان يلقب بquot;دركي الغرب في المنطقةquot;.
نجاح الثورة الإيرانية جعلت الخميني يعمل على تصديرها، وهذا أمر تهديد حقيقي لأنظمة، مثل النظام الملكي بالمغرب، لأن الخميني وأتباعه رؤوا في الإطاحة بالشاه quot;تعبير عن مناهضة لأنظمة استبدادية غير شرعيةquot; يوضح ظريف.
نقطة أخرى طورت هذا العداء بين الخميني والحسن الثاني، كانت دينية، وهي أن القائدين معا كانا يستمدان سلطتيهما من الدين، فالحسن الثاني يعتبر نفسه ممثل الإسلام والمخاطب الرسمي له لدى الغرب، خاصة بعد تغيير دستور 1962 خاصة الفصل 19 إذ أصبح quot;أميرا للمؤمنينquot;، وهذا أعطاه شرعية دينية دون سواه من الحكام العرب آنذاك (جعفر النميري سيلقب بأمير المسلمين منتصف الثمانينات وزعيم طالبان الملا عمر سيلقب باللقب نفسه سنة 1996)، لذا يرى الباحث محمد ظريف، أن الحسن الثاني شعر بمنافس فعلي جديد له هو الخميني، باعتباره مرشد الثورة الإسلامية، مما زكى هذا التنافس هو أن الخميني الشيعي يعتبر نفسه مدافعا عن آل البيت والحسن الثاني يقر بانتسابه إلى آل البيت، لكن الأول يتحدث باسم الشيعة والثاني باسم السنة. فالصراع كان بين ولاية الفقيه (الخميني) وبين إمارة المؤمنين (الحسن الثاني).
لكن الملك الحسن الثاني لم يظل مكتوف الأيدي، فقد وظف سلطاته الدينية للرد على الخميني، ومن هذا جاءت فتوى علماء المغرب المكفرة للخميني (أنظر الإطار) قبلها كان الملك الراحل قد بعث برسالة عام 1980 إلى قادة وشعوب العالم الإسلامي بمناسبة السنة الهجرية الجديدة، وقد رد عليها زعيم جماعة quot;العدل والإحسانquot; عبد السلام ياسين.
هذا الصراع quot;ظاهره مذهبي وباطنه سياسي، إذ يسعى كل واحد إلى الانفراد بتمثيل العالم الإسلاميquot; يخلص ظريف.
جماعات إسلامية تقتدي بالخمينية
الكراهية الشديدة بين الحسن الثاني والخميني تعددت أسبابها، فتزامن مع وصول رجالات الدين إلى سدة الحكم في إيران، كانت الانطلاقة الحقيقية لجماعة quot;العدل والإحسانquot;، ويوضح الباحث محمد ظريف أن quot;ياسين اتخذ مبادرة تأسيس جماعة بعد إصداره لأول عدد من مجلة quot;المجاعةquot; ثلاثة أشهر بعد قيام الثورة الإيرانية، كما أضاف أن quot;الأعداد الأولى كانت تشرح quot;الحكومة الإسلاميةquot; (كتاب أصدره الخميني)، مضيفا أن quot;كتاب quot;العدلquot; للجماعة يوضح مفهوم الدولة وفق النموذج الإيرانيquot;، هذا ما جعل الملك الحسن الثاني يتخوف من تأثير الثورة، ينضاف إلى ذلك، أن quot;القومة عند بعد السلام ياسين تقابلها الثورة عند الخمينيquot; يشرح الباحث في الحركات الإسلامية عبد الله ترابي، لأن ياسين وغيره من الحركات الإسلامية، رأت أن quot;الثورة الإيرانية يمكن أن تكون نموذجا لقدرة الدين في الدفع بالشعب إلى الخروج والثورة ضد حاكم متجبرquot;.
وامتدت تأثيرات الثورة الخمينية لتشمل الحركات الإسلامية بالمغرب، فقد أثر فكر أحد قادة الثورة علي شارعاتي على أبديات بعض الجماعات الإسلامية المغربية فيما بعد، وكان شارعاتي يوفق بين نوعين من التشيع، الأول أحمر، قادر على قيادة الشعب إلى الحرية، وآخر أسود موغل في التخوف ولا يودي إلا إلى الاستبداد، النوع الأول تأثرت به حركات إسلامية في العالم الإسلامي منها الحركات الإسلامية المغربية، يوضح ترابي. هذا الأمر تطور بشكل كبير في الثمانينات عندما قدم مجموعة من الطلبة الإسلاميين، نكاية في الحسن الثاني، البيعة إلى الخميني.






التعليقات