عبد الله التعزي
.. ثم تَقلّبَتْ قليلاً أمامهم
وتمتمت بهمس الأفق:

...
&وأيضاً هنالك وجوه من الخلف
&لا نضع عليها الضوء ..
&كأننا لا نراها ..
ولا نسمع أصواتها الهادرة ..
&وتبدوا تماماً .. غير موجودة.


يلف نور الصباح رؤوسهم المحاطة بالهواء البارد المنبعث من الأرض. ومع زحف الضوء نحو السماء تبدأ مسيرتهم. مسيرة عبيد خرساء تعطي همساً متسللا في الأفق يزيد من ارتفاع الشمس ويدفع أنفاسهم للخروج قوية من أنوفهم المتيبسة، ليتمدد الدم إلى أن يصل إلى أطرافهم.
مع ارتفاع الشمس تظهر جبال الحفائر صلبة .. باهيه، متعطرة بأنفاس الليل. فتسري قشعريرة صباحهم الباكر وتلفح ببردها أرواحهم المرتجفة.
كانوا يساقون كهزيمة، يتقدمهم النخاس بملابسه المتسخة الأطراف وقد اسودت أظافره بجفاف أوساخ تكومت تحتها. بدا كأحد القادة المنكسرين، قديما، متربا، تعلوه صفرة الدهر.
ينتعلون في أقدامهم أحذية مهترئه من الجلد القاسي، المربوط في منتصف سيقانهم. فتغدو أقدامهم محاصرة بأنفاس الجلد الميت المشدود حولها، لتجعلهم مرتاعين من الموت الحي الملتصق بأقدامهم المتعبة. تـثار حول أقدامهم الأتربة الناعمة لتتطاير ذرات الغبار فيستنشقونها بخوراً متصاعداً من الأرض، ويُدخلونها إلى صدورهم هماّ يلتقطونه من الهواء.
&من أطراف الحفائر الغائرة يتقدمون بهمهماتهم المنتظمة وخطواتهم الساحبة تصدر أصواتاً مرتفعة كلما اقتربوا من الدكة1. يلهثون فيسخن الهواء حول وجوههم.
أخذ بعضهم يستند إلى زميله بينما الصغار منهم لا يكفون عن الكلام. من بعيد يبدون كقبيلة صغيرة من البدو قادمة من وسط الصحراء والشمس فوقهم تتوهج بأشعتها. مربوطين ببعضهم؛ الرجال أولا ثم النساء. عندما تلوح دكت البيع من بعيد؛ يكون العبيد السود منهم قد سخنت الدماء في عروقهم لتتضخم تحت جلودهم اللامعة وتتقسم عضلاتهم فيرتفع سعرهم عند البيع. أما النساء البيض فتضخ حرارة الشمس دماءهن لتحمر وجوههن وتغتسل بالعرق، عندها ينشد الجلد حول وجوههن فتصبح صافيةً وكأنها مملوءة صحة وجمال. وعندما يبدأ البيع تختلط الأصوات وترتفع همهمات المنادين بنقاشات لا تنتهي.
لا أذكر أين شاهدت هذه المسيرة ولا كيف وصلتني تفاصيلها الدقيقة ولكنني متأكد من أنها قد حدثت فعلا. أحياناً أَشعر أن هذا حلم فلا يوجد عبيد ولا تنتصب دكتهم في الجوار. لكنني أتذكرهم وأتحدث عنهم وكأن دكة بيعهم تجسدت أمامي بأطرافها الدبقة في ركن هذه الغرفة المعتمة.
كثيرا ما يحدث هذا معي فيلتبس عليّ الواقع بخيالات هلامية. خيالات أفقد صوابي أمامها وأعجز عن قبولها، فهي لا تُحتمل. أشعر بها تتقدمني وتجاورني مصغية، وكأننا نتحمل معاً صراخنا في الأيام. خيالات تتمدد ألماً يصل إلى ذاكرتي وتتشكل كائناً غريباً يجلس في هذه الغرفة مع جثة سراج الأعرج الدافئة أمامي. ألم الخيالات هذه يضحكني بدموع غيمه لها أطراف الدماء..
هناك أوقات أحتار في فهم الزمن عند تقدم الأحداث البلهاء. فلا تفسير لمسيرة العبيد. ولا يقين بموت سراج الأعرج. لكن جثته تؤكد موته السريع أمامي. والدبيب الهامس لمسيرة العبيد ما يزال يرن في أذني. وأراني عاجزاً عن اتخاذ الحركة المناسبة في هذه الدقائق الخرساء وكأنها لا تعني مرور الزمن. نفضت غبار أفكاري الخائفة وتعلقت بصوتي، عندها دوت هذه الكلمات في رأسي كشظايا صلبة من القاع:
يجب أن أتحرك ..
يجب أن أتكلم ..
هدأت قليلا بعد أن دارت الكلمات حول أذني، لينتصب الصمت بقوة، فسكون الجدار حولي يمزق الوقت ويدفعني إلى شد جسمي بتردد لأنهض وأقترب من جسد سراج الأعرج بحذر. جثته ممدة بعرض الغرفة، هناك قبل نهاية السرير القذر إلى نهاية طرف الباب. قدمه اليسرى لم تدخل الغرفة بعد ويده اليسرى ملقاة كعصاه مكسورة تحاول التماسك. بقدمه اليمنى المثنية وركبته المتورمة بدا وكأنه يحاول أن يمشي ممداً على الأرض. انحسار ثوبه المتسخ كشف عن ساق غطتها الأوساخ وكثير من الشعر الأسود.
عند سقوطه على علبة الحليب القديمة (نيدو) الفارغة انسحب خده على جدار العلبة ليبقى انه ملتصقا بها وخده الأيسر يلمس طبطاب الأرض لمترب. كان انتشار الدم تحت رأسه بطيءً وساخناً يلتهم ذرات الغبار من الهواء.
عندما نهضت لمست مرور الزمن كأسرع ما يكون، وعندما انحنيت علي سراج الأعرج ولمست أعلى خده الأيمن اكتشفت دفؤه المنسحب وأكاد أشعر الآن بحرارة جسده تتسرب إلى الأرض ناشرة الخوف حولي.
كل شيء تم سريعاً. صعودي إليه، دخولي إلى البيت، سلامي عليه، تناوله للأكل، وموته، جميعها حدثت وكأنها تهرب من شيء يتعقبها. أنا لا أنكر أنني كنت أتمنى موته ولكنني لم أتوقع أن يموت أمامي، وبهذا الصورة. رغبتي لم تكن واضحة كفكرة الموت لا أستطيع تجميع ملامحها بصورة واضحة ويقينية إلى أن أمر بالتجربة المربكة وأتقابل مع& الموت كخصمين مندفعين إلى الهاوية. حتى بعد المعركة لا يتحدد من المهزوم لكني موقن بنهاية صراعنا المميت!.
نظراتي إلى الأحداث الآن، كأنها في مفترق الطرق وهي تقف في المنتصف. ثم تتحرك النظرات في اتجاهها الذي حددته بعد أن تركزت في ذاتي المذنبة واستشعرت همسها في الابتعاد عن الخطيئة، غير مدركة أنها نظراتي وأنها جزء مني مهما حاولتُ الابتعاد عنها.
عندما طرقت بابه كنت قد قررت أن أفهم منه، أحدثه، أجعله يحكي لي ماذا يعرف عن الحفائر بعد ذلك سأعرف إذا كانت رغبة قتله تتحرك في داخلي أم أنها دفنت. خصوصا أن سراج الأعرج مقطوع من شجرة كما يقولون، ولن يسال أحد عنه إذا اختفى وستنساه الحفائر مع الأيام.
فمن طبائع الحفائر أن تحفر لكل حكاية قبراً تدفن فيه، ولا تسمح بأَن يوضع لأي منها شاهد قبر يميزه عن غيرة. كانت الحفائر نفسها قبراً كبيراً يحتوي ألوفا من القبور الصغيرة والتي تبدو وكأنها ستستمر في وجودها طالما استمرت أسرارها في الكتمان.
فأن يموت سراج الأعرج، وهذا الاسم كان تكريماً يطلق عليه من غير الشحاذ، شيء لا يسبب إزعاجاً لأحد، مثلما هي حياته سائرة منذ البداية بلا هدف ومن غير أن تقترب هذه الحياة من أحد غيره.
عندما انظر الآن إلى ملامح سراج الأعرج الممدد أمامي أجدها أكثر وضوحا من قبل. فأنا فعلا لم أَستطع تحديد ملامحه بدقة رغم السنين التي عاشها بيننا في الحفائر، إلا أنني أدرك تماما أن كثيرين، مثلي، لا يعرفون من هو سراج الأعرج؟ ذلك الشحاذ الذي أصبح مع مرور الوقت معلماً من معالم الحفائر. هذه الحارة التي لا تخفى على أي شخص يعبرها متجها إلى الحرم من جهة الغرب، لتظهر له متمثلة بطلعتها المتجهة نحو السحاب. وتعتبر إحدى بوابات مكة إلى الحرم، و أتوقعها دائماً مشرعة أمام كل القادمين من الذنوب، كنافذة مفتوحة للصعود إلى السماء.
&وكثيرون أيضاً لا يعرفون كيف أصبح شحاذاً. وأنا لا أتذكر أول مرة رأيته فيها فمنذ أن وعيت نفسي وأنا أراه، أعتبره من الأشياء التي لا يسال عنها بل يجب اعتبارها مسلمات موجودة ويجب التعامل معها مهما كانت غريبة. إلى جانب ذلك فمعرفته بصورة دقيقة لا تعني الكثير فقد جعل نفسه نكرة لا يمكن تعريفها.
في أوقات متباعدة أحتار في عدم معرفة الحفائر ملابسات طبيعته الغريبة وإن كنت أجزم بوجود معاني مختفية خلف أسماله المرقعة. فشحاذته من النوع المجنون. ولا يعيش لكي يشحذ إنما يشحذ لكي يعيش. هو نفسه لا يعي هذا ولكن ما يفعل ينطبق بالفعل على هذه الشحاذة الفقيرة. في مقدوري القول إن حياته بها جمال حيوانات الغابة المنطلقة التي عندما تجوع تأكل باسترخاء ثم تحوم حول نفسها باحثة عن الحياة.
ينظر دائماً إلى الأرض يبحث عن شيء غير موجود ولا يقبل أن يعترض أحد طريقه. كان ينطلق من طرف الشارع من غير أن يهتم بالمارة أَو بالسيارات القليلة العابرة بين حين وآخر، ليعبر الطريق ناظرا إلى الأرض باهتمام غريب. الأمر محيراً للكثيرين، كيف يمشي من غير أن يصطدم بعمود أَو أحد المارة كأنَّ له عينين وسط رأسه العفن. ملابسه متسخة طوال السنة، مع أنني لم اعد أتبين ما أَصل لونها، إلا أنه دائم العناية بها إذا تمزقت، وإذا تمزقت فقط. لا يعمل أي شيء قبل أن يقوم بخياطتها وترقيعها بأي قطعة قماش تصل إلى يديه؛ فلا يهدأ أَو تستقر ملامحه حتى ينتهي من إصلاحه.
عندما كنت في العاشرة كانت ملامحه تبدو كأنها ملامح العم دهديل البيض. وكان أبي يقول عنه:
- ليته يحب يمشط شعره زي ما يحب البيض البلدي.
وسراج أيضاً كان لا يحب العناية بشعر رأسه إلا عندما يستحم في بازان الماء الكائن في ركن (حوش) الشناقطة في الطرف الغربي من الحفائر قبل أن يُهجَر منذ سنوات. كان يغسل رأسه أمام السقاءين كلهم ، أما اليوم فلا أَعرف كيف يستحم. أَسمح له في بعض الأسابيع أن يغسل رأسه في مدخل البيت. يفرك رأسه بيديه والماء ينصب عليه من (البزبوز)2 وهو يتقافز من برودة الماء متمتماً، هادراً ببعض الأصوات الغامضة.
أحياناً أَسمع عن اختفائه المفاجئ ثم ظهوره المفاجئ -أيضا- وعندما يُسال عن ذلك كانت إجابته مباشرة يقذف بها في وجه سائله ممزوجة برذاذ ريقه اللزج:
- يا عم أنا جيعان ..
يتستر بالجوع الظاهر على وجهه المصفر مخفياً سره بين ملابسه البالية ومستخفا، بصورة غير مباشرة بالسائل. وإن سألته أنا وبدأت محاصرته دافعاً به إلى الحقيقة يبدأ في البكاء الممزق ويستند إلى الجدار خلفه و ينزلق ببطء إلى أن يتقرفص مردداً جملته بصوت متهدج مضيفاً إليها "يا عم ارحمني أنا جيعان".
يستحم بكامل ملابسه مرة واحدة في الأسبوع قبل أن يذهب إلى صلاة الجمعة. يخرج بعدها من (البازان3) متجها إلى المسجد من غير أن ينظر إلى أحد بل يصوب عينية إلى التراب كأنة يحاول أن يحصي حباته أَو أن يكتشف شيئاً جديداً بين الحجارة الصغيرة. أَسمعه في بعض الأحيان يقسم هامساً بينه وبين نفسه أنه لن يريه أحداً مهما كان.
في& الحفائر كانت الأقوال عن أَصلة ومكان ولادته متضاربة. منهم من يقول أن أباه كان من كبار المطوفين، ولكنه كان عاقاً له، مما جعل أباه يغضب عليه ويطرده ، ليهيم في الحارات والشوارع والأزقة، إلى أن سقط جدار عليه، وهو نائم في إحدى الخرائب، ففقد صوابه وأصبح غير قادر على العمل، أَو تذكر حياته السابقة ومن يكون؟ فاضطر إلى أن يأتي إلى مسجد الحفائر. ربما الصدفة هي التي قادته ، ليجده الناس ماداً يده عند باب المسجد منذ الفجر. ظل على هذا الحال& قبل خمسين أَو ستين عاماً و إلى اليوم.
وآخرون يتهامسون بأنه ربما كان جاسوساً يقوم بنقل الأخبار ويشي بالناس ، يتستر في هيئة شحاذ كي لا يعرفه أحد..!
وأقرب الأقوال إلى التصديق من قبل معظم أهل الحفائر تقول: أنه مولود وهو متخلف عقلياً في حارة بعيدة قد تكون المعابدة أَو الحجون ، و مع تنقلات الحجاج داخل مكة، ضاع عن أهله وأخذ في المشي على غير هدى إلى أن تعب وشعر بالجوع وسقط في الحفائر فجلس جوار المسجد وطلب أن يأكل. ومع أن كثيرين من أهل الحارة تحمسوا لهذه الرواية إلا أن أحداً لا يتذكر أول من نادى بضرورة البحث عن أهل هذا الولد في مركاز العمدة قائلاً
- لازم نعرف أهله ونسلمه تراهم يدورو عليه دحين.
كان جواب العمدة بعد أن ارتسمت على وجهه علامات الحيرة والتساؤل
- ولكن كيف نعرف أهله وهو ما يتكلم .. وما أظنه& يعرف يتكلم ..؟
- ما أدري .. ندور في كل مكان .. في حارة الباب والشبيكة وجياد والمسفلة وسوق الليل وشعب علي وشعب عامر وفي كل الحواري الين نلاقي له أهل.
ثم أردف منفعلاً :
- لا& زم يكون له أهل .. ما في أحد من غير أهل يا جماعة؟
&بدءوا البحث في الحارات المجاورة لعدة أيام بلا جدوى. و بدأت الأخبار تتناقل بطريقة بدائية عجيبة، حيث نقل الكلام من شخص إلى شخص أخر، وكل واحد منهم يضع كلماته الخاصة بطريقته الخاصة، وفيما بعد تؤخذ بوصفها جزءاً من القصة.
لقد بدأت القصة بولد ضائع موجود في الحفائر وعلى أهله أن يأتوا لأخذه من العمدة. انتقلت القصة من مركاز إلى أخر إلى أن عادت الأخبار إلى الحفائر مرة أخرى عن وجود إنسان له رأس ثور و(يتسول) عند الحرم، ويقوم بأكل حمام رب البيت حياً أمام الناس جالساً على مخدة من ريش الحمام كيسها مصنوع من جلد امرأة سوداء مقتولة. بعدها توقف الناس عن البحث بالتدريج خوفاً من أن يكون خبر الإنسان برأس الثور هذا صحيحاً ..!
الأفكار متضاربة ولا أحد يعرف ما الحقيقة القاطعة؛ كأنها تخفت بين الحفر بانتظار فأس البحث الصلب. ومع مرور الزمن نسي الناس هذه الحكايات كلها. أصبحوا متعايشين معه ينظرون إليه كشيء غير ضار، بل كان نافعا إلى درجة كبيره. الجميع يعرفون قدرته على استخدام الأعشاب الطبية. فهو يداوي كثيراً من الأمراض& ولا يطلب على ذلك أجراً، مما جعل الجميع ينظرون إليه بريبة في البداية ومشفقين في النهاية حتى أنهم لم يحاولوا أن يسألوه عن أهله مرة أخرى.
كنت أجلس مع أبي في غرفة الحجامة بعد انتهاء الزحمة وعندما لا أرى أي ظهر وقبل أن يتغير مزاج أبي أساله بعض الأسئلة الملحة& عليّ. كان أحدها عن سراج الأعرج ولماذا يطلقون عليه الأعرج مع أنه لا يعرج وأقدامه سليمة ..؟
- لمن شافوه الناس أول مرة كانت رجله اليمين متورمة و يعرج عند المشي من يومها سموه الأعرج.
- وسراج مين سماه به ..؟
- سراج كانت الكلمة الوحيدة اللي يقولها لمن لقوه. كان يقول سراج حلو .. سراج طيب.. سراج جيعان. وسموه سراج الأعرج
كنت أستمع إليه باهتمام طفل في الثامنة فاتحاً فمي ومتخشباً في مكاني وكأنه يقول خرافة عن عالم آخر غريب إلى أن تغيرت لهجته وصاح بي قائلاً:
- هيا قوم غسل عدة الحجامة والكؤوس والأمواس قبل ما تنام
- ..
- بسرعة
- طيب دحين
لم أَكن متلكئاً عندما نزلت كفه على رقبتي بقوة. كدت أصطدم بالطاولة الصغيرة التي أمامه. أخذت أجمع الكؤوس والأمواس وبعض الأدوات التي لا أَعرف كيفية استخدامها وأنا استمع إلى تنهداته الطويلة المتحسرة. إرتجاف يدي وأنا أجمع تلك الادوات كان متداخلا مع الظل الذي كان يغرق الغرفة والمتناسب يماماً مع قتامة ادراكي لما يقول.
وخلال تلك اللحظات التي أقوم فيها برفع الأدوات أحس بأنفاس سراج الأعرج المتلاحقة تلامس رقبتي (مكان الصفعة). تسللت الرهبة عندها لتتمدد ببرودة اقشعر لها جسد. اكره هذه اللحظات التي تختلط فيها الذكريات بكوابيس الواقع المزعجة. أنها تدفعني إلى حافة الخيالات المتدفقة كشلال هادر& أمامي لأَقف حائرا وكأنني أتقيأ أنفاسا ليس لها كلمات.
لم يملك سراج الأعرج منزل محدد، فقد كان يتنقل من خرابه إلى أخرى من غير أي التزام أَو مسئولية كقط أو كلب وحيد منسحب من الحارة. إلى أن استقر قبل سنوات في بيت متهدم أعلى الجبل أعطاه له عم معتوق بايلة كوقف يستفيد منه من غير أن يمتلكه بعد أن عالجه من ألم في ركبتيه.
لم يكن بيت سراج الأعرج متهدماً تماما ففيه غرفة كاملة ليس لها باب وحمام عربي تفوح منه رائحة عفنه ومحاط بسور متهدم. لقد قمت بزيارته عدة مرات وفي كل مرة استغرب كيف يمكن لإنسان أن يقترب من هذا المكان وليس العيش فيه؛ بعد أن اخرج أَشعر أنني كُنت في بؤرة عفنة وخرجت منها، لتبقى الرائحة في أنفي ساعات بعد ذلك.
صحته أَكثر شيء أحارُ فيه، كان دائماً معافى. لم الحظه غير مرة واحدة يسعل بشدة ثم اختفى وعاد وقد تجددت صحته كأنه لم يتوعك. أَسمع حكايات غريبة عن جسمه الذي لا يهرم. ذكرت لي ستي معتوقة القرملية أنها كانت تراه منذ خمسين سنة كما هو اليوم، التجاعيد نفسها،& الصوت نفسه كأنما هو صخرة لا ترى النور والهواء. ومن بين ركام الأقاويل كانت تصلني بعض الحكايات عن صحته التي كادت أن تذهب ويموت ولكنه يختفي ليظهر كما كان بصحة جيدة ووجه مملوء بالتجاعيد المتجدرة، ليسير مرة أخرى بلا ألم.
كنت أشاهده في بعض الأيام وأنا خارج من المدرسة وهو يأكل ما يقدم له من بقايا الأكل التي يتفضل بها سكان الحفائر عليه في جميع الأوقات. اعتقد أنه ربما يضطر إلى الصيام بعض الأحيان ولا يشعر به أحد حتى هو نفسه نادراً ما يتألم من ذلك.
لا يطيق سراج الأعرج سماع عبارة كنا نطلقها عليه ونحن صغار، ولا يزال يجن جنونه عندما يسمعها من أحد مهما كان. فهي تخرجه من طوره العادي إلى شيء يقترب من الجريمة، التي من الممكن أن يقوم بها لو استطاع أن يمسك أحداً منا.
- حبيبي يا محروس.. حبيبي يا محروس
لا أجد أي مبرر لها واعتبرها أيضا لغزاً لم يستطع أحد معرفة حل له. الأقوال تختلف وتتصارع أمام هذه المقولة. (سليمان نردومي) قائد (المشكلجية) في الحفائر ورمزهم الذي يمثلهم ويمثل الحارة في جميع المعارك تقريباً و في جميع رقصات المزمار، كان يقول بأَن سراج الأعرج قد تعرف على شخص اسمه محروس ومارس معه الجنس واصبح هو (الوش4) الذي ينبري للدفاع عنه..! وكانت الأيمان الغليظة تتوسط جميع الحكايات التي كان سليمان نردومي يرويها عن تلك العلاقة بينهما والتي يتسلى بها وسط أصحابه وتقابل بالضحكات والنكات التي تقترب من سراج الأعرج على اعتبار ما قاله سليمان نردومي من الحقائق التي لا تقبل النقاش.
ستي معتوقة القرمليه تحكي لأبي عن ولد غير شرعي لسراج الأعرج كان قد أنجبه من بنت الهندية التي في أعلى الجبل. لم أَسمع متى حدث هذا..؟ ولكني أعتقد أنه ربما حدث في شباب سراج الأعرج، عند قدومه إلي الحفائر.& ذكرت ستي معتوقة أيضا أن محروساً هذا قد مات هو وأمه عندما احترق البيت بهما. أَعرف ذلك البيت المحروق وأَعرف أن صاحبته هندية، والبيت أصبح مهجوراً لا يسكنه أحد. لكني لا أدري هل كان هناك طفل أم لا..؟
لم أَستطع تصديق هذه الحكاية و لا غيرها فقد كنت شبه متأكد في ذلك الوقت أن سراج الأعرج ليس إلا شخصاً عادياً ربما ينقصه الذكاء أَو به عيب خلقي منذ الولادة.& ومع الوقت انتقض هذا الاعتقاد تماماً و أصبحت شبه متأكد أن سراجاً ليس إنسانا عادياً مطلقاً.
لحظة فتح سراج الأعرج للباب، وأنا اقف أمامه، وبارتفاع رائحة عرقه الحامضة، برز شؤم مرتبك بيننا منطلقا من الضوء الأصفر المتدفق من السماء. فدخلت منقبضاً، ليتركني مسرعاً إلى الحمام وكلمات اعتذار غير واضحة يتصايح بها. لم افهم ما يقول ولكنني دخلت الغرفة وجلست على طرف السرير. تنفست بعمق مبددا بعض والوقت. ثم تطلعت حولي إمعانا في نفاذ الصبر إلى أن عاد مبللا ثيابه ببقع الماء المنتشرة في المنتصف. جلس على الأرض وأكل إلى أن شبع، وكأنه كره أن يموت جائعا. خرج بعدها ليغسل الصحون. تعجبت من النظافة التي حلت عليه فجأة ولكنه لم يهتم لنظرات وكأنني غير موجود.
تطلعت إلى السقف والجدران والى كومة الملابس في الركن وإلى كل أجزاء الغرفة& إلى أن اصطدمت قدمي بعلبة كبيرة لحليب (نيدو) فارغة اعتاد الجلوس عليها كلما زرته. واليوم دفعتها بقدمي لا خرجها من تحت السرير. لم أرغب في أن يجلس في جواري على السرير برائحته التي تطاق تلك.
كان صوت خطواته المسرعة يأتيني إلى أن وصل إلى الباب وابتسامته البلهاء معلقة على وجهه. اصطدمت قدمه اليسرى بعتبة الباب ليتعثر ويهوى جسمه على الأرض. كانت ذراعه اليمنى ممدودة أمامه وذراعه اليسرى مطروحة بالقرب من جنبه. لقد حاول أن يوزن جسده لكنه انهمر على الأرض ليرتطم رأسه بحافة علبة (النيدو5) الصلب ويبقى ممدداً بعدها بلا حراك. استكان جسده والتصق خده بالأرض ناشراً الدم بهدوء الموت. لم أتحرك من مكاني. مع أن الدم& انسحب من جسمي عندما سقط ولكني تجمدت فوق السرير جمود الموت الرابض بالقرب مني. كانت لحظات سكون أبدية. استطعت بعدها أن أتحرك بطيئاً. اقتربت منه ثم عدت إلى مكاني لا ادري ما افعل. هل اذهب لطلب المساعدة؟ أم اتركه ولا أعود؟ كان خياراً صعباً فأنا لا أريده أن يعود إلى الحياة ولا أريده أن يموت أيضا.&
حفائر تتنفس، فصل من رواية تصدر قريبا عن دار الساقي، لندن.&
1 دكة : مكان بيع العبيد في مكة.
2 بزبوز : صنبور الماء
3 البازان : مكان في مكة ينقل منه السقائن الماء، وعادة يكون فوق بئر ارتوازي.
4 الوش : شخص ينتشى بوجوده في المجلس من قبل صاحبه وبعض الاحيان يكون الطرف السالب في عملية اللواط.
5 نيدو : نوع من انواع الحليب المجفف.