ولد في بغداد ـ محلة الكسرة ـ عام 1955. ترك العراق في أواخر سبعينات القرن الماضي إلى بيروت، ثم إلى باريس حيث يقيم حاليا. صدرت له ثلاث مجموعات شعرية "ذاكرة الصمت" بالفرنسية و"إلى آخره"، "نصوص عن الغير" بالعربية, و تصدر له قريبا باللغتين العربية والفرنسية عن دار "لارمتان" في باريس "على هذه الشاكلة".

قيمة الشعر أولا وأخيرا
يتفق الجميع على حقيقة تقول: إنَّ الكلام أسبق من الكتابة فهو الأساس وهي، أعني الكتابة، مشتقةٌ منه. فاللغة المكتوبة هي إحدى نتاجات الكلام ووسيلته في الوصول والتعبير عن الأفكار وصياغتها. وما الشعر إن لم يكن الكلام بعينه وهو يمضي الى وجوده الأكثر سموّاً والأوفر تألقاً.
إنّ ما سعيت اليه وقمت به ووصلت اليه وهو جد قليل يندرج في ذات البحث اليومي الساعي الى تدوين أفعالنا اليومية والهامشية والعادية عن طريق الشعر.
يقول البعض إنّه يزنُ شعره بميزان الذهب أمّا أنا فبميزان الحياة فهو الأغلى والأدق والأكثر صدقاً.
الحياة خاضعة وبشكل مستمر الى إعادة تقييم وفحص، والنص باعتباره صورة لتجلياتها وانعكاس لما تفيض به من دفق وبما تستنهضه من أسئلة يخضع بالضرورة هو الآخر الى قراءات مستمرة والى إعادة تقييم متواصلة.
أدناه نصوص منها قد سبق نشره ومنها غير منشور. أما المنشورة فقد طرأت عليها تغييرات وأُضفى عليها إضافات أبعدتها عن مسارها الأول جرياَ وراء مبدأ مازلت أعمل فيه مفاده انّ النص يبقى مفتوحاَ ولا ينتهي بانتهاء القصيدة، فثمة حياة بعد النص.
ينبغي أن ينتمي الشعر الى عصره. هذا حق من حقوق العصر على الشعراء ووسيلة الشعر للتخلص من الزائد والفائض والمألوف والمتعارف عليه الى غيرها من أمراض فتكت بجسد الشعر العربي منذ أن كفّ الشاعر أن يكون حرّاَ فقلل من شأن الشعر وحطّ من قيمته فصرنا وقتئذ لا نحسن الفرق بين رأس هذا الشاعر ورجل ذلك السياسي.
بعد كل هذا الخراب، أما آن الأوان أن يستنطق الشاعر العربي زمنه؟ أن يعتني بالشعروحده وبقيمته أولاً وأخيراً.

نص الفزع

في رأسي مناطق نائية
نائية جدا
فيها أتعاب لا تذكر حتى في نافلة القول
وفي قلبي فزع واحد
فزع
واحد
لا
غير
أن تتعثر في لثّة أمّي
كسرة خبز
وعلى مرأى الغير.

نص الصديق
إلى آدم حاتم

كعادته
يخرج الليل من جيبه
باتجاه الدروب التي تؤدي
إلى
ما
لا
يرام
وكعادتها تتنزه الطرقات دوما
على بعد ثلاث عثرات
من قدميه.

نص العناد

على
مسافة
دمعتين من وجهي
أحادث الجميع
عمّا لا يروق للإلهين
وبضعة أنفار من الأنبياء.

ممتلكات

لي
في كلّ حانة عائلة
وقصائد يكتبها الجميع
كلّ حسب حزنه
وكلّ
حسب
عادته.
لي في كلّ زهرة آثار من أصابعها
وبقايا رائحة لامرأة
بين يديها
خمس قارات تنام.
لي في كلّ طريق
ما يشبه هذه الخطوة
وعثرات للآن لا أعرف تحديد مواضعها.
وفي كلّ مكان
لي
موعد
أنساه
على مسافة دمعة من فوات الأوان.

أسئلة

من يحمل عنّي هذه الحقائب
في محطات أغلقت أبوابها
وعاد العائدون إليها
بخفيّ أعمارهم
وخفايا سجائرهم؟
أين
أحطّ الرحال
بسلالة الانتظار التي تتكاثر في وجهي؟
لماذا
في كلّ مرّة
تقودني حياتي إلى مواعيد
فات عليها موسمان
من لعبة البقاء؟
وكيف
لا أبارك ماء الحقيقة
أنا الذي عمّدوه
بنار اليقين؟
كيف...؟
لماذا...؟
متى...؟
أين...؟
ماذا ستصنع بي أسئلتي؟

الآن

الآن
عندما يقيم المساء حفلة للغياب
ويمضي الآخرون
خطواتهم موشومة بانتظارات فسيحة
سأعود إلى نفسي مشيا على الأقدام
أنصب فخّاَ لأحلامي.
الآن
أترك وجهي في خزانة الغرفة
أو في سلّة المهملات.
اغمض عيني لعل الجميع يراني.
الآن
أكتب تاريخ العالم
في سطرين
أكسر وزن القصيدة
ولغيرِك أكتب أشعاري.
الآن
ما أوحش هذه "الآن"

بطاقة شخصية

قد أكون أنا الغريق الملقى
على حافة النهر
فكل شيء يدلّ عليّ
الماء بين الأصابع
القميص الذي كان يلبسني
وانتظار التي لا تجيء.
ولعلني كنت الذي ألقى بأخطائه الشائعة
على مرمى حجر من حياته
ثمّ صافحها بحرارة بالغة
مضى عليها
أكثر من أربعين حولا
من مختلف الأحوال.
ولربما
كنت الذي أوصلوه الى سوق المدينة
على عكازين بهيئة قامته الضامرة
وقالوا له
هناك.. في آخر الرصيف
امرأة صالحة ... للاستعمال
ومقاعد شاغرة لمن أوصلوه
وما وصلوه.
ولعلني
كنت الذي في كلّ ليلة
يرى أصغريه
لسانه
و
قلبه
يتبادلان النظرات معه مثل
Ménage à trois

شوارع

في شوارع مكتظة بالغائبين
لم يسمعني أحد
أنا الذي وضعوا في لسانه
قليلا مما يقال
وفي وجهه ما تبقى من كلام.
لم يعرفني أحد
أنا القادم من كلّ مكان.

ممّا لا يقال

مرّات
يجيء الماضي بعصاه التي مقدارها عمران
ليهمس في أذني كأنه يقول
أما آن لك الآن أن تنسى
مثلما يفعل الآخرون.
مرّات
يطرق الحاضر بابي ليراني
لست منهمكا بما جنته عليّ يداه.
بين حين وحين
يجيئان معا
الماضي بعصاه
الحاضر
و
يداه
يجيئان معا بلا سبب يذكر
ولا سابق إنذار.