قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مريم الساعدي

&
"ويكون الزمان وترحلين، وأنا التي كنت أظنك أبداً لا ترحلين، يا صديقة العمر، يا أختاً لم تلدها أمي، يا روحا امتزجت بروحي"&
&
كانت جميلة مثل البدر، وكان اللعاب والدم يتناثران على السرير وملابسها، وأواه لو تعود، كانت تتنفس بصعوبة، ولم تكن النظافة لتهمها في تلك الساعة، كانت فقط تتمنى لو تتنفس بهدوء، براحة، لتنام وتستريح. لقد تعبت كثيرا، حقيرا كان ذاك المرض، وأواه لو تعود. طلبت مني أن أنام معها في السرير نفسه، كانت خائفة وتشعر بالوحدة، ولكني كنت أتنفس جيداً، وكان السرير متسخاً باللعاب والدم، ولم أستطع، حقاً لم أستطع تلبية رغبتها، "في الغد" قلت لها، "في الغد سآتي باكراً ولن أتركك أبداً، ولكن الآن يجب أن أذهب حقاً."
وذهبتُ .. وعيناها المفزوعتان تتعلقان بظلي .. أردت فقط الخروج. كنت متعبة. يوم واحد فقط. وليلة واحدة أحسست أنني أريد لنفسي. أردت رؤية الشمس .. النهار .. الناس .. والحياة. وتركتها خلفي، فقد كانت مريضه.
أتساءل من أكون، ولماذا يكون بقائي، كانت تحبني ، ودوماً .. دوماً أفقد من يحبني. قلت لها في الغد، في الغد تكون الأمور أفضل وأكون معك أكثر، ولم أدر حقاً لماذا يجب ألا يكون غد، لم أتركها منذ مرضت، ولكني تعبت .. أنا فقط بشر، لا أكثر .. وأجاهد لكيلا أكون أقل، وكم تمنيت لو تعود. ولو ليومٍ واحد، فقط يومها الأخير، لأسمع كلماتها الأخيرة، لأرى نظرتها الأخيرة، لأقبلها قبلةً أخيرة، لأسمعها تقول لي " أحبك يا أماه" للمرة& الأخيرة.&&&&&&&&
كانت يتيمة الأم، وكانت تكبرني بأربعة أعوام، وكانت تدللني ودوماً تأتي لي بالهدايا وتناديني أماه. كانت تقول أنها تحبني لأن صوتي مثل صوت أمها الراحلة حين كانت تهمس في أذنيها بأغنية لها محببة قبل أن تنام، ولأن في يدي دفءٌ مثل دفء صدر أمها، تقول مثله تماماً. هي تعرف أكثر لأنها كثيراً ما كانت تلجأ إليه حين يشتد في الدنيا البرد، ولا يبدو في الدنيا بشر.&وتقول إنها تحبني لأن لون شعري مثل لون فرو قطة كانت تدللها وتتبعها كظلها ولكن مادة مطاطية سحقتها على أرض إسفلتية في ذات يوم، كانت تقول بأنها تحبني لأنها ترى بعينيّ بريق دمع دائم يذكرها بالبحر .. وبالقمر.
كانت تقول كلاماً جميلاً ومؤثراً، كانت صادقة، وكانت تكتب الشعر كل مساء ، وتقرأ لي ما تكتب. فقط أنا كنت جمهورها. وكانت بذلك تكتفي وتسعد كل السعادة. لم تكن تطلب أشياء كثيرة. وكان أبوها يزورها في العيد. وكانت به تفرح. كان لها مثل المطر وكانت صحراء شاسعة تشتاق لزخات مطر. ولكنه في العيد الأخير لم يأت. قالوا أن زوجته منعته. تخشى أن يكون مرضها معدياً، ولكنها كانت ابنتي وكنت أمها، وبين البنت أمها شؤون كثيرة لا شأن لأحد بها،& وكنّـا معاً، كانت مريضة وكنت معها، كنت فيها، وكانت فيّ، وبدا العالم بعيداً وغريباً، كانت تبدو روحاً أكثر، كانت تبدو حرةً أكثر، حرةً تماما، وكنا نضحك كثيراً، كنا نشعر بالسعادة، بدا العالم أحمق وكنا نضحك على حمقه، كنا نشعر بأننا نعرف أكثر، قالت مرة: " أماه حين يأتي الغد ولا أكون معك أريد أن تسعدي اكثر وأن تضحكي أكثر، فالعالم أماه، شخص أحمق". كان أبناء الجيران يتسلقون السور ويشيرون إليها ويضحكون لأنهم فرحون بالشعر الذي يغطي رؤوسهم.
"الحب، صديقتي، .." قالت "لا يقدر عليه كل البشر، إنهم يجهلونه فيرونه صغيراً، أصغر من أن يلتفتوا ليه، أو يخافونه فيرونه كبيراً كبيراً جداً فلا يجرؤ أحد على الحلم به، وقلة هم من يعرفونه .. يفهمونه .. يصادقونه ..ويعيشونه"
وعندما أصبحت لا تقوى على الحراك لازمتُها،
قالت : "إنني أنهي رحلتي، صديقتي، وكان رحلة سعيدة."
وقالت:" الشمس تبدو طيبة، جاءت تزورني، افتحي لها النافذة."&
وكانت الشمس تزورها في النهار ..
قالت:"الكون يجبني، ها هو القمر جاء الأخر لزيارتي"
وكنت في الليل أفتح النافذة ليدخل القمر. وكانت رفقته دوماً طيبة.&
قالت:"النور هو الحب كله"
قالت:" كذبٌ أن يكون للحب ألوان وأشكال، الحب فقط نور، ولكن أحيانا تستقبله قلوب وأحيانا لا توجد قلوب."&
قالت:" النور حين يملأ باحة المنزل .. يتسلق الجدار .. يخترق النافذة .. يتسلل إلى الغرفة .. يزحف إلى السرير .. ويزيح الأغطية .. وفي القلب يستقر."&
&قالت:" النور هو كل شئ."&
قالت:"النور قد يتلاشى في باحة المنزل، قد يتكسر أمام الجدران، قد لا يقوى على اختراق الستائر حين يعلم أن لا قلب سيكون في استقباله."
كانت تقول أيضا أنَّ النور لا يخاطر بحياته لأجل كل البشر، فقط لمن يحبه.& وقالت بأنَّ النور عشيقها فهو يتسلل لمخدعها، وكانت تضحك، ويبدو قلبها مرسوماً على وجهها حين تضحك.
وحين أموت.." قالت وكان القمر جالساً بيننا " حين أموت أحب أن تضم عظامي هذه مع عظام أمي الراحلة في حفرة واحدة."
وكان القمر شاهداً على طلبها ذاك. ولكنها حين ماتت دفنوها هنا.& قلت لهم تريد أمها. قالوا أمها في بلد آخر والأرض في النهاية واحدة فلم العناء. وشهد القمر أنها تريد أمها. ولكنها تعرف أن ليس كل البشر يعرفون لغة القمر.
كانت تقول: "أماه، حين يكون الكون كبيراً جداً جداً يكون حجم عقله صغيراً جداً جداً." هي تعرف ذلك. ولكن في الليلة الأخيرة لم أكن هناك. قالت الخادمة أنها طلبتني عند الفجر. نادت باسمي. ظنت الخادمة أنا، وحين رأت أنّها ليست أنا ابتسمت. قالت الخادمة أنها ابتسمت ابتسامةً عريضة، ولم تقل شيئاً. أعرف تماماً لماذا ابتسمت. كانت تقول: "العالم أحمق."& الحمقى يضحكونها دوماً ويثيرون شفقتها. قالت الخادمة أنَّها لم تتحدث بعدها، بكت فقط. قالت الخادمة أن دموعها كانت غزيرة وصامتة.
كانت تسمع حسها فقط حين تتنفس بصعوبة بين فترة وأخرى. كنتُ في منزلنا. أنام. وكان فراشي وثيراً، منذ زمن لم أنم جيداً، أعدت لي أمي عشاءاً لذيذاً، فكرت أن آخذ شيئاً منه لها. ثم قلت متعبة ولا تهتم بالأكل الآن. سأدعها تستريح.&الحقيقة أنني كنت جسداً، كانت تستحيل روحاً أكثر وكنت أشعر بالعجز لأنني جسد أكثر.
أحسست أنني بين خيارين، إما الذهاب معها حتى النهاية أو أن أبدأ خط الرجعة. كنت خائفة. فعدت لبيتنا، لحضن أمي الدافئ. قالت الخادمة أن دموعها بللت ثيابها، ورأتها ترتعد برداً. كانت ليلةً باردة. نمت جيداً. كان فراشي وثيراً، وأغطيتي دافئة. قالت الخادمة أنها رفضت تغيير ملابسها فوضعت عليها الغطاء فوق الغطاء.
& قالت الخادمة أنها سألتها عن العيد ومتى يأتي، وقالت الخادمة بأنها أجابتها بأنَّ العيد يأتي في الغد؛ أرادتها أن تفرح. قالت الخادمة أنها قالت: "إذاً العيد يأتي غدا". وضحكت. قالت الخادمة إن ضحكتها كانت جميلةً جداً وفرحت لأنها أسعدتها. ثم طلبت أن تجهز لها ثوباً جديداً ترتديه في العيد. قالت أبوها يأتي في العيد وفي العيد تأتي أمها. ظننتها تقصدك أنتِ، فقلت لها أمك تأتي كل يوم وليس فقط في العيد.
قالت: بل غداً ألقى أمي. أنا لم أرها من سنين.
قالت الخادمة: علمت أنها المسكينة تشعر بالموت.
الخادمة هي المسكينة، هل لا تعلم شيئاً، لأنَّها لم تكن تشعر بالموت، كانت تشعر بالحياة، أنا أعرف أكثر، هي علمتني أكثر. قالت الخادمة إنَّ أغطيتها تبللت أيضا قالت أنها ظنته السقف يسرّب المطر، ولكن لم يكن مطر في الخارج فقط كان هناك برد. وكانت الخادمة تتحدث، وقلت لها بأني أعرف كل شئ. وألحت على الثوب لجديد. قالت الخادمة أنها فتحت دولاب ملابسها ولكنها لم تجد أي ثوبٍ جديد، والدها لم يأت هذا العام. لم يجلب لها أحداً ثوباً جديداً. قالت الخادمة أنها شعرت بالأسف لأنها كذبت عليها بشأن العيد. فقالت لها أن العيد لن يكون غداً& وأنها كانت فقط تمزح، لا يزال هناك وقت ليأتي والدها بالثوب الجديد.
ولكنها أجابتها ضاحكة:" أنتِ حمقاء، العيد يأتي غداً، أنا أعرف أكثر".
كانت الخادمة تتحدث، وكنت أريد ابنتي.&النور أراه يحتل باحة المنزل، يتسلق الجدار، يخترق الستائر يتسلل إلى السرير، ولكنه لا يبقى .. يعود خائباً حين لا يرى معشوقته. وأتمنى لو يأخذني معه، ولكنه ليس نوري، لم يعد كذلك، إنه فقط نورها، وأبحث مع الشمس عنها، وتغيب الشمس عني .. تذهب لتبحث عنها في مكان آخر، وأبقى أنا هنا. أبحث عن ابنتي وحدي، وأشعر باليتم.& أمي تقول عودي، لا يمكنك البقاء هنا وحدك، تعبت كثيراً، ولكن أمي لا تعرف، أنا اعرف. وهي كانت تعرف. أمي والآخرون لا يعرفون. وحين يأتي القمر يبحث معي، وأتذكر أمها، القمر كان شاهداً أنها أرادت أمها. ليس الأمر باختيارهم. لم يعد كذلك. أرادت أمها. وفي الليلة الأخيرة لم أكن معها. وهي أرادت أمها. ابتسمت حين اكتشفت أنها كانت الخادمة وليس أنا، أنا أعرف لماذا ابتسمت. ولكني سأثبت لها أنني لست مثل العالم. لست حمقاء تماماً.
كان القمر يرافقني، هو يعرف الطريق، كان معهم حين أخذوها، دلني إليه. أحجارٌ أحجارٌ، وتراب تراب، والقمر يحرسني.
"حين أموت" قالت
"حين أموت لتكن عظامي هذه مع عظام أمي الراحلة في حفرة واحدة."&
وكان القمر شاهداً. تراب وتراب .. أحجار وتراب .. والبرد يسكن العالم، ووجدتها. كانت هناك تنتظرني .. ابنتي، لقد جئت كما وعدت، صديقتي لقد جئت كما وعدت. لم أخلف وعدي ..أواه ..أواه حبيبتي أنا هنا فهل تسمعين؟ .. وكان البرد يسكن العالم، وكانت ضئيلة، صغيرة، باردة، وكنت أرجو، أتمنى، أحلم، لو تعود، ولو للحظات قصيرة، ثوان معدودة، ولكنها، لكنها لا تسمعني، لا تراني، ولا تعود. أخرجتها، سحبتها، وتركتها خارجاً. جريت وجريت ، وجريت، الريح تسابقني، الريح تشتد، والقمر معي ، يصاحبني، والريح تدفعني .. أحسست بأنني أطير، وقرعت الباب. قرعته بعنف، وكدت أحطم الباب، خرج مفزوعاً مرتعباً يرتجف خوفاً& وبرداً.
"إنها تريدك." قلت له بعجلة.
من؟! " تساءل بصعوبة.&
" ابنتك " أجبته.&
انتفض. فزع. زوجته في الداخل تتلو التعاويذ ما& علمت منها وما لم تعلم.
" لا تقف هكذا. تعال معي." وقف جامدا ، سحبته من يده وجريت به.
" أين تأخذينني ؟!! ماذا بك؟!! " . كان مفزوعاً،
لا تخف، لن أؤذيك، إنها تريدك في شئٍ أخير " توقف، سحب يده،
" أنت جننتِ، ابنتي ماتت، بيدي دفنتها أمس. "
غير صحيح، أنت تحلم، تعال، لم تمت بعد، ليس بعد، تريدك في شئٍ أخير ..& تعال، لا يوجد وقت كثير، لم ترها منذ زمن، لا تبخل عليها بدقائق أخيرة."
&وجرى معي، ربما، ربما تمنى لو كان موتها حقاً حلماً. وحين بدأ يتبين الطريق تباطأ، " أين تأخذيني ؟!!" .
المطر يهطل .. يشتد .. والبرد لا يعرف شيئاً اسمه رحمة.&
"لا تخف، أسرع وإلا أصيبت بالبرد." أسرع، ربما، ربما تمنى لو موتها كان حلماً.
"ها هي، إنها تنتظرك." وقف مشدوهاً لا حراك. تطلع إليَّ بمقلتين زائغتين توشكان الخروج من حدقتيهما.
"ماذا فعلتِ أيتها المجنونة ؟!!".&
"لم أفعل شيئاً، هي لا تريد أن تكون هنا، تريد أمها. قالت لي بأنها تريد أمها، خذها لأمها. الجو بارد. وهي حين يشتد البرد تحب أن تكون مع أمها. أخبرتني بذلك، أنا اعرف اكثر. أنت لم تكن معها. لم ترك في العيد.
وكانت تنتظر ثوباً جديداً. وكانت تحبك مثل المطر، ولكنك لم تهطل أبداً. هي لم تفعل شيئاً يسيئك. فقط مرضت. وأنت لم تفهم.الآن لا تريد منك شيئاً. أنا أعرف أكثر. تريد فقط أمها. خذها لأمها."&& لم يعلق بشيء. أمسكني من يدي ومضى بي إلى بيتنا. لم أمانع. كنت اعرف أكثر.
في الغد علمت أنّه سافر بجثتها إلي موطن أمها. علمت أنَّه دفنها مع أمها. وحين عاد، أحضر معه صبياً صغيراً، قال بأنه يتيم ويحب أن يعتني به.
&كنت أزور بيتها. وكانت الخادمة تأتي من آن لآخر وتنظفه. قالت الخادمة إنها كانت فتاة طيبة، لم تر مثلها من قبل. وقالت بأنها كانت جميلة مثل القمر، وحين فقدت شعرها كانت أجمل وأجمل. وقالت الخادمة أنَّ بعينيها كان دوماً شيئاً غريب. وكنت أعرف أكثر. ذلك الشيء الغريب لم يكن ينتمي لهذا العالم.
قال أبوها إن البيت أصبح ملكي. وهذا غير صحيح. لا يمكن أن يكون ذلك. هو بيتها. في غرفتها كنت أجلس وأقرأ دفترها.
قالت:" لا بأس أن تقرئي دفتري حين أموت، أحب أن تقرئيه، لن يكون فيه شئ جديد عليك، فأنتِ تعرفين أكثر".
وكنت آتي وأقرأ. وكان النور يحتل باحة المنزل، يتسلق الجدار، يخترق الستار، يزحف في الغرفة، ويتسلل إلى سريرها، ويبقى. أصبح النور دوماً في سريرها يبقى. ورأيتها فجأة. ورقة مطوية. تحت الوسادة.. كيف لم ألحظها من قبل؟ كيف لم تجدها الخادمة؟!! أيكون أحد دخل في غيابي؟ ولكن من يمكن أن يدخل؟ فضضتها، ورقة جديدة. إنـَّه خطها! قصيدتها الأخيرة. كانت قد أسمعتني مقطعها الأول ولم تكملها، ولكنها هنا كاملة وموقعة باسمها!!. كان النور يحتل باحة المنزل، يتسلق الجدار، يخترق الستائر، يزحف في الغرفة، يتسلل إلى السرير، وفي قلبي يستقر .
القمر كان هناك يضحك، يتطلع إلي ويضحك. القصيدة الأخيرة اكتملت. وجاء بها إلى. علمت إذاً .. علمت تماماً أنني لست حمقاء، والقمر كان شاهداً.
&
كاتبه وقاصه
من الامارات العربية المتحده
[email protected]
&