الدكتور توفيق آلتونجي
&
&
تمثال الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم
&
&
"ان الفنان العظيم ينتمي حتما لوطنه"
رالف فون وليمز

&
الفن التشكيلي العراقي البوابة الواسعة للولوج الى روح الانسان العراقي واكتشاف ذلك العبق ونكهة تراب الصحراء وصوت خرير المياه في بي خال ونواعير عانة وهمسات نسوة بغداد والبصرة والموصل والتنغم بترانيم ومزامير قادمة من على اعتاب بوابات بابل ولارسا وخرصاباد ..... قارئي الكريم اقول ربما كان الفنان العراقي الاقدم على المعمورة الذي ترك لنا ميراثا من الاعمال الفنية في كافة مضامير الفن من رسم ونحت وزخرفة ونحت بارز "رليف" وبناء وخط وتصميم مدن وعمائر يكاد يقابله في ذلك الوله اخوانه في ارض الكنانة والمايا والانكا في الجهة الاخرى من البحر الكبير.
من منا لا يحب ان يقف طويلا امام لوحة فنية من ابداعات العبقري ليوناردو كالموناليزا ويكتشف سر تلك البسمة على قسمات وجهها الصبوح في متحف اللوفر بباريس ويقارنها بالموناليزا الاشورية احد تحف المتحف العراقي اللتي نحتها يد الفنان العراقي، نفس تلك البسمة الساحره في القرن الثامن قبل الميلاد في نمرود.
موناليزا الاشورية
&
الا تدخل روئية الاشياء الجميلة بعض البهجة والسرور الى النفس الانسانية؟ بلا وربما تبعده عن عالم الواقع الكئيب ومرارة العيش الى عالم اكثر خصبا وانطلاقا في الخيال الى سموات لا نهائية وربما يلهمه ويعطيه صفاء الذهن كالموسيقى .. عندها يجد معبودته الفكرة الضائعة وراء غابات الخيال الانساني الخصب ليسمو بروحه الى عالم المحبة والجمال. في يوم ربيعي رائع من ايام ايار عام 1975 كنت على موعد مع عدد من الفنانين التشكيلين" جماعة الصداقة" في معرضنا الثاني عشر في انقرة وكنت انذاك اداوم على مزاولة الرسم في المعهد الثقافي الامريكي متدربا على يد احد اشهر فناني تركيا وكانت تلك السنوات الثلاث من اخصب سنوات الانتاج الفني لي بعد ان كنت قد اشتركت في معارض مدرسية ايام الدراسة الاعدادية.
معرض جماعة الصداقة ولوحتان من لوحاتي في معرض الربيع انقرة 1975&
&
وقد استفدت كثيرا من تجاربي تلك لاحقا وانا ادرس على يد احد امهر الفنانيين السويديين عام 1988 دارسا اساليب وتقنيات الرسم في القرون الوسطى قدمت في نهاية السنة الدراسية لوحة رسمتها لابنتي البكر نالت استحسان رفاقي الفنانين واستاذي الكريم. وقد كانت لرحلاتي الكثيرة في عواصم الدنيا وتجوالي بين اروقة متاحفها تاثيرا كبيرا في توسيع الافق المعرفي لهذا الفن النبيل.
لوحة عام 1988
&
صادف في احدى الاعوام الدراسية في انقرة ان قاعة الفن الحديث في وسط العاصمة كانت شاهدا على معرض الفن التشكيلي العراقي المعاصر ورافق تلك التحف الفنية الاستاذ الفنان" نوري الراوي" المعروف بلوحاته الجميلة ذو الصبغة والالوان القادمة من الصحراء وجمال الطبيعة في الريف العراقي وكان الفنان الراوي معروف من برنامج تلفزيوني كانت تقدم فيها كل جديد في عالم الفن فالتقينا عدة مرات على هامش المعرض واتذكر في احد الايام وكنت واقفا امام لوحة كبيرة للفنان الرسام "ماهود احمد" اذا لم تخني ذاكرتي وكانت لسيدة منبطحة عارية على اردافها نقش الفنان العراقي اجمل نقوش الوشم والفنان ماهود مشهور في اسلوبه واحد الفناين العراقيين القلة اللذين وثقوا علميا الوشم العراقي البديع.&
لوحة الفنان الدكتور ماهود احمد
حديثي ليس عن الوشم بل عن ذلك الانسان التركي البسيط الذي وقف مندهشا امام تلك اللوحة اول الامر ثم بدا لي وهو يحول بناظريه نحو اليمين اذ لوحة الفنان الراوي ولاحظ وجود صورة الجامع او ماشابه في خلفية اللوحة القهوائية اللون فما كان منه الا وصرخ وهاج ملعنا الشيطان ومستغفرا الله وخرج من القاعة مهرولا...
لوحة الفنان نوري الراوي
&
كنا نحن في العراق قد قطعنا شوطا كبيرا في الوعي الفني خاصة ان الرواد الاوائل من الرسامين والنحاتين العراقيين كانوا قد اكملوا تعليمهم في معاهد الفن في اوربا في ايطاليا وفرنسا ودول اخرى وعادوا الى الوطن مشبعين بالمدارس الفنية الحديثة متجادلين فيما بينهم حول الفن ومفهومه ودوره الاساي في المجتمع وبين الفن للفن فقط وبين تحويلها الى اداة في خدمة المجتمع وربما لاغراض سياسية وطرح فكرة سياسية وبين الربط بين التراث والمعاصرة والى اخره من تلك المساجلات والمناقاشات التي ربما لا يزال صداها يسمع لحد يومنا هذا.
لوحة للرسامة ليلى العطار
تلك النقاشات التي كانت تدور حول مدارس الفن من الانطباعية والرومانتيكية والواقعية والرمزية والسريالية والتكعيبية والتجريدية والمدارس الفنية الاخرى ترك لنا هؤلاء الرواد كنزا فنيا يفتخر به تاريخ الفن التشكيلي العراقي اذكر منهم الفنان الكبير جواد سليم، عطا صبري، فاضل عباس، سلمان داوود، حافظ الدروبي، قتيبة الشيخ نوري، خالد الرحال، فائق حسن، شاكر حسن آل سعيد، اسماعيل فتاح الترك، الدكتور خالد الجادر، فرج عبو، اكرم شكري، شوكت الربيعي، اسماعيل الشيخلي، نزيهة سليم، عيسى حنا، خالد القصاب، قحطان المدفعي، سعاد العطار، نوري الراوي، غالب ناهي، راكان دبدوب، محمود صبري سوزان الشيخلي وعلاء بشير واخرون لا تسع هذه الوريقات لذكر اسمائهم الجليلة فعذرا. كان هناك العديد من الجماعات الفنية اذكر منهم جماعة اصدقاء الفن، جماعة الرواد و جماعة بغداد للفن الحديث واخرون والجدير بالذكر ان اللقاء الذي تم بين الفنانين البولونيين المتواجدين في العراق ابان الحرب العالمية الثانية كان له اثرا كبيرا في تاريخ الفن التشكيلي العراقي المعاصر.
احدى اعمال النحات خالد الرحال
عدد من الفنانيين الذين ذكرتهم تركوا في ساحات بغداد اثارا فنية رائعة تعتبر ولحد اليوم مفخرة للحركة التشكيلية العراقية المعاصرة فتلك اللوحة الجدارية الظخمة والتي توحي بختم اسطواني كبير معق على واجهة مرمرية بيظاء اختار المعماري العراقي الفذ الجادرجي اذا لم تخوني ذاكرتي فبنى ذلك الصرح الحظاري الذي يزين تماثيل جواد سليم ساحة مركز بغداد في الباب الشرقي والمسماة "نصب الحرية".
رائعة الفنان العراقي جواد سليم" نصب الحرية"
وللفنان فائق حسن والرحال وعبد الغني حكمة واخرون اثار فنية تزين بغداد لحد يومنا هذا وقد اخترت نهاية الستينيات حدا زمنيا لكتابتي هذه ارجو ان ينتبه الية القارئ الكريم ولا يلومني اذا لم اذكر احدا من الفناين المعاصرين.
الفارس للفنان فائق حسن
يبقى الوله العراقي في تامل الطبيعة وجمالها موضوعا محوريا في الرسم والنحت العراقي وقلما تجد رساما عراقيا لا تحتوي ابداعاته الفنية وانتاجه الفني شئ من التراث العراقي والبيئة العراقية.
عائلة بغدادية لفرج عبو
قلما استساغ المشاهد العراقي لوحات تعبيرية او تجريدية وهذا طبيعي جدا ليس فقط لغياب الثقافة الفنية بين الناس بل محصوريتها بين نخبة من المثقفين حيث يتحاورون ويتناقشون في شتى المدارس الفنية بعيدا عن اجواء الانسان العراقي العادي خذ مثلا تمثال شيد ربما في اواخر الستينات في ساحة عنتر في الاعظمية لا اذكر النحات وربما كان عبد الغني حكمت وبات لفترة طويلة موضوع نقاس العامة فقد تحول مثلا ذيل حصان عنترة الى موضوع استخفاف شعبي حيث نعت انذاك بذيل الفارة لصغره ولكونه مدببا رغم ان المنتحوته بالكامل كان جمية جدا ولا ادري ان كان التمثال لا يزال يزين تلك الساحة.
فتاة يزيدية من اعمال الفنان عطا صبري
في حين ان نصب الفسيفساء الذي يحوي على الطيف العراقي الذي يعلو منتصبا في ساحة الطيران وهي من الاثار الخالدة للفنان فائق حسن قد تحول الى جزء معماري من تلك الساحة القريبة من متحف الفن الحديث العراقي.
احدى روائع& الفنان اكرم شكري
اما العديد من التماثيل الاخرى وخاصة تلك التي كانت منتصبة ابان الحكم الملكي رفعت وهشمت ومع الاسف الشديد وبقت بغداد محتفظة بتمثال السعدون الى يومنا هذا اما تمثال الرصافي المنتصب في الساحة المسماة باسمه في شارع الرشيد وعلى مقربة من الحي الذي عاش فيه وكتب قصائده ورحل فلا يزال يواجه صوب دجلة التي اغرم بها الرصافي وكتب فيها الشعر.
من اعمال الرسام حافظ الدروبي
وقد كان هناك العديد من التماثيل في ساحات وحدائق بغداد اذكر حديقة الوحدة والامة التي كان فيها تمثال الامومة لخالد الرحال ينتصب في وسطها.هنا تجدر الاشارة الى ان معظم العراقيين قد التقطوا صورة بجانب احد تلك التماثيل وربما كان الاكثر حظوظا نصب الحرية وطاق الجندي المجهول قبل هدمه حيث كان يدور شاب وبيده كاميره يلتقط للناس صورا تذكارية اعتقد انهم اختفوا ومنذ زمن طويل.
&
&
&
وعلى ذكر متحف الفن الحديث الذي كان يحتوي على تحف فنية عراقية لرواد الفن التشكيلي العراقي في بناء معماري فذ يثير رغبة الناس في مشاهدة محتواه من النفائس وعلى ذكر البناء التراثي العراقي فقد ابدع المعماري العراقي في بناء طاق وزارة الدفاع وبوابة عشتار في ساحة المتحف الفن العراقي القديم ونرى ابداعه جليا في اعادة بناء الكثير من المرافق الاثرية العراقية الاسلامية ان البناء العراقي يستفيد من زخارف ونمنميات البناء التراثي في اعادة اعمار تلك البنايات كمدرسة المستنصرية والقصر العباسي الذي تحول في فترة الى متحف حربي ثم اعيد ترميمه.
الجندي المجهول القديم
وقد اهتم الانسان العراقي بالرمز واصبح الرمز جزء من حالة انسانية وجمالية اساسية في البيت والشارع والبنايات وقد اتخذ الرمز في احيان كثيرة ثوب الدين فنرى انتشار الرمز الديني في بيوتات العراقيين من كتابات قرانية وزخارف رمزية وقد تكون حدوة حصان او كف من الحناء ملصقة على باب الدار وتجد عيونا زرقاء لطرد الشر والحسد وقد كانت العربات في منطقة الفرات الاوسط مزخرفة بكل تلك الرموز والادعية مكونة لوحة فنية نادرة وتجد العراقي دوما يلتقط الصور بالقرب من الاثار القديمة كطاق كسرى يزدجر في طيسفون مدينة المدائن القديمة على بعد اربعون كيلو مترا جنوب العاصمة التي تحولت بمرور الزمن الى مكان سياحي والغريب بان العراقيين بصورة عامة لا يلتقطون الصور في الاماكن المقدسة كمراقد الائمة والصالحين.
اما المدن العراقية الاخرى فقد كان فيها اقل عددا من التماثيل وقد كان في ساحات عدد من المدن الكبيرة تماثيل للزعيم عبد الكريم قاسم هدمت معظمها مع انقلاب 1963. كما وجد تمثال شاعر العراق الكبير السياب مكانه الطبيعي في ابلة العراق البصرة .... تحية الى جميع التشكيلين العراقيين ونشد على اياديهم شكرا وعرفانا لما تركوا لنا وللاجيال القادمة كنزا ثقافيا مشرفا.

&السويد 26012003
صدفة رائعة : اود ان ابلغ القارئ الكريم اني تمكنت من الحصول على لوحتي الفنان الراوي والماهود& بعد ان اتممت كتابة المقال ولحسن الحظ هي نفس تلك اللوحتين الوارد ذكرهما في المقال اعلاه واللوحتان موجودتان على صفحة :
http://www.iraqiart.com