قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

موت الشاعر والمشهد الذي يتكرر

إيلاف- بغداد من سعد هادي: يشبه بيت رعد عبد القادر من الداخل كتابا مفتوحا، كانت تلك ملاحظته هو وقد ذكرها أمامنا اكثر من مرة، جلسنا في صالة صغيرة تطل على باحة داخلية مفتوحة تدخل منها أشعة الشمس، باحة زجاجية فيها شجيرات صغيرة وأصص زهور، أشارت زوجته إلى الغرفة التي رحل فيها، أشارت إلى الأريكة التي استلقى عليها آخر مرة، قالت انه كان ينام عليها
بعد أن يفرغ من كتابة قصائده، وقد كتب عليها قصيدته الأخيرة، قصيدة موته أيضا، لم يكن يجلس أمام منضدة ليكتب، كان يتمدد على الأريكة مثل تلميذ يؤدي واجبا مدرسيا ثم يغفو عليها بعد أن ينتهي من الكتابة.
لم يكن باستطاعتي أن أتخيله في رقدته الأخيرة، تخيلته في غرفة أخرى وسيأتي بعد لحظات، البيت موحش بدونه، عادت زوجته بثلاثة فناجين قهوة، كنا نجلس صامتين، حيدر سعيد وقاسم محمد عباس وأنا،، كيف سنتجاوز لحظة حرجة لا ندري ماذا نقول فيها، تحدثت هي عن أصدقائه الذين اتصلوا بها من الخارج، ما تزال أيضا في حيرة أمام غموض الساعات الأخيرة في حياته، والسؤال الذي يعذبها: هل خرج أم لا والى أين ذهب وكيف عاد، لماذا لم يتصل بها؟ قالت:
ـ كان يتعذب بصمت دون أن يخبرني بشيء، بدأت الحالة لديه عام 1991 في ظل أجواء الحرب، انزوى في الصالة أثناء القصف وطلب مني أن اذهب مع ابننا الوحيد إلى غرفة أخرى، نام حيدر الذي كان في العاشرة، وحدست إن رعدا في وضع غير طبيعي، ذهبت إليه فوجدت اقرب إلى الموت، لم يتحدث عن مرضه من قبل، كان يخفي أشياء من هذا النوع، خجول حتى معي، ساعدته على ركوب السيارة، كان في غيبوبة وكان القصف شديدا، لم اكن اعرف مستشفى قريبة، أخذته إلى المستشفى الوحيدة التي اعرفها، مستشفى النعمان في الأعظمية، تخيلوا المسافة بين الغزالية (القريبة من أبي غريب) والاعظمية، في شوارع مظلمة وتحت القصف، أعطوه حبة تحت اللسان وقال له الطبيب إن حالته حرجة وعليه أن يجري فحصا عاما، لا أستطيع الآن أن اصف حالتي، كنت أفكر بالطفل الذي تركته وحيدا وبالموت والطريق الصعب وأشياء أخرى، كان حيدر ما يزال نائما حين عدنا واستمرت حالة رعد تتأرجح بين الحياة والموت منذ تلك الأيام، كانت إحدى قصائده تصف نعشا يخرج من البيت وقد وضع عليه غطاء عليه زهرة، المشهد نفسه تكرر وحين بحثت عن الغطاء وجدته، كان الشعر كل حياته، ولكنه كان متواضعا، قبل أيام من موته قال باعتداد لأول وآخر مرة: ستفهمون يوما إنكم كنتم تعيشون مع شاعر كبير. كان يكره المال، ورفض عرضاً بمبلغٍ مغرٍ لنشر كتاب له رغم حاجتنا.. .. كان يحب الحياة وكان موسوسا بشأن صحته إلا انه كان يكره الأطباء والمستشفيات.
ذهبت وجاءت برزمة من الدفاتر والأوراق، تلك هي تركة الشاعر إذن، سنكتشف بعد أيام إنها تضم 11 كتاباً غير منشور، أي إن ما تركه الشاعر يزيد عن ضعف ما نشره في حياته، كما سنكتشف وجود نسخ معدلة من المخطوطات تمت الإضافة والحذف منها وصولا إلى النسخ النهائية والتي منها هذه المختارات وقد أعدها د.حيدر سعيد وقاسم محمد عباس وهما من اقرب أصدقائه إليه في سنواته الأخيرة إنسانا ومثقفا، لتمثل رعدا في أوج نضجه. ولتمثله أيضا شاعرا ذا مشاغل متعددة، رمزية وصوفية وتاريخية واكثر من ذلك شاعرا غامر في اختراق أسوار الميثولوجيا البعيدة ليؤلف ميثولوجيا يومية يعيشها الإنسان العادي.
سنتيقن أيضا إن في هذه القصائد محور يتكرر بخفاء تارة و بجلاء تارة أخرى هو الموت وانه كان هاجسا دائما للشاعر.
سنكتشف سحر اللغة وهي تتحول إلى صور وإيحاءات ومخاوف صغيرة وحدوس وسنكتشف أشياء تأتي من داخل القصائد لا من خارجها كما يحدث في النصوص الكبيرة دائما.
كان ثمة تخطيط جريء على إحدى المسودات بقلم الحبر الجاف، سألت إلهاما زوجة الشاعر:
ـ لمن هذا التخطيط؟
قالت:
ـ انه لرعد، كان يرسم أحيانا ولديه تخطيطات عديدة لوجوه، لا ادري أين هي الآن.
جانب آخر إذن من حياته لا نعرفه. بل قل جوانب عديدة تتكشف بالتدريج كما تتكشف أسرار قصائده، قصائده التي تدهشنا بتعدد المداخل إليها ومسالك الخروج منها.
تم جرد كل المخطوطات والأوراق المنفردة وتم اختيار النسخ النهائية منها وسجلت في كشف أعطي لزوجة الشاعر، وحين خرجنا من البيت بعد ساعتين كانت تركة الشاعر كلها في ظرفين أسمرين كبيرين لا غير، نحملهما معنا.


رعد عبدالقادر
الخيال وتنظيمه

النقطة الأساس في شؤون الكتابة الشعرية هي الخيال، والخيال بحسب ما أتصور هو نتيجة الطاقة العقلية المتفاعلة مع الواقع والقادرة على توليد المشاعر والأحاسيس والتصورات والأفكار وجعلها كأنها تجري في مشهد سينمائي مركب من لقطات وصور وبدون هذه الطاقة لا يمكن إنتاج شيء بالمرة، ولكن كيف تتكون هذه الطاقة؟ وبعيدا عن أي كلام في فسلجة الدماغ والأعصاب، وقريبا من كلام الشعر، نجد إنها تتكون من الاحتفاظ بذخيرة الحواس بعد التركيز والإصغاء الشديدين لما يرى ويسمع ويلمس ويشم ويذاق، لتتولد بعد ذلك الخبرة والمعرفة الحسية، إلا أن هذه المعرفة الحسية تبقى عائقا أمام أي تطور في ملكة الخيال إن بقينا بحدودها، بالقدر الذي تكون ملكة الخيال من دونها ضعيفة، إذن لابد من امتلاك هذه المعرفة ومن ثم لا نقول تبديدها بل خزنها حية وطرية، لنا القدرة على استدعائها حال احتياجها، أثناء عملية الكتابة، على إن هذا الاستدعاء هو أمر غير محسوب بشكل ميكانيكي، ولا حتى بشكل سحري، وإنما هو يجري بصورة تلقائية نتيجة تفاعل خلاق بين الشاعر وعالم نصه وواقعه.
إن الأحاسيس والتصورات والأفكار هي كم سالب لا يصنع بنية دون أن تنتظم في علاقات تتحرك باتجاه أن تكون نسيجا محكما، قد لا تستطيع فصله إلى أجزاء، وقد لا يعود نسيجا لو حاولنا تحليل أجزائه.
إن العلاقة بين الخيال وبين النص الشعري هي علاقة غير ظاهرة إلا بالقدرة على تنظيم وقائع الخيال داخل النص، وما نجده في الحقيقة- من تنام في بناء النص الشعري هو ليس اكثر من القدرة على تنظيم تلك الوقائع بالخبرة التي يفتح بها الشاعر خزائن حواسه أولا ومن ثم بتصرفه بها كأنه المالك المطلق لها- أثناء جدله مع الواقع بفعل الكتابة.
ماذا يسمى الخيال الشعري: الشجرة،الطفولة، الحرب،الصداقة؟انه يسميها بقدرتنا على التقاط الأحاسيس والتصورات من هذه الأسماء وبخبرتنا المتراكمة والمخزونة والتي تظهر في حالة صيرورة النص،خبرتنا التي عرفت من الشجرة حركتها ولونها أو تدرجات لونها وما تثبت في داخلنا من معاني المذاق أو الخصب والنمو وهل هي منفردة أم في غابة؟هل هي شجرة أحلام تسهر قرب النبع أم هي خشب نعش؟ خبرتنا تفتح أسئلة كثيرة وبقدر ما تفتح من هذه الأسئلة نتقدم بخيالنا نحو تخوم النص ولكن من أين نستمد أسئلة الخبرة؟ هل من اغترابنا عن الواقع أم من التحامنا به؟ إن الواقع يمدنا بالخيال ولكن الخيال في النص الشعري يجعلنا نعيش حالة مزدوجة،هي بين الاغتراب والالتحام، إننا نعيد للواقع أشياءه ولكننا نعيدها له نصوصا قد يتنكر لها، ولكنها نصوصه بامتياز، نحن وقفنا أمام المرآة طويلا وكتبنا بعد أن غابت المرآة، ماذا نكتب سوى خيالنا بعد غياب المرآة؟
أظن إن كتابة الشعر هي خيال الواقع في لحظة غيابه، هل أقول إن هذه اللحظة هي أعلى لحظات التجلي الشعري؟
أقول ذلك وربما اكثر.
مجلة آفاق عربية بغداد العدد 9/10- أيلول/ تشرين الاول2001


قصائد غير منشورة


باتجاهكِ حتى الموت*
إلى الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف لمناسبة المنفى المستحيل


هذا الانحرافُ في المشاعر باتجاهكِ، باتجاهكِ، إلى نقطة حبكِ، يربك الآخرين
ماذا تقولين؟ لا اسمع إلا حفيفَ ثوبك يرفُ على خراب العالم.
تقولين بيديك ما لا يقوله الوداعُ من تلميح
وأقولُ للمطر الحزين: كم تشبهُ انكسارَ نفسي؟
وأنتِ و المطر طائران، تلوذان من القصف تحتَ جناحيَّ الزجاجيين.

هيا أيتها المشاعر الجنة
هيا أيتها المشاعر الساخنة
هيا إلى الحب، إلى عصره الذهبي
باتجاهك هذا الانحراف في الحبِ
باتجاه عصر سريركِ النحاسي

نقاط التفتيش هناك- على طول الطريق المؤدية إليك،
هناك سأكتبُ رسالةً إليكِ عن طول الانتظار.
لقد نظروا طويلاً في ورق النخلِ
وسلطوا مصابيحهم اليدوية على الوجوه في الريح.
حاولنا البقاء متماسكين.
يأتي صوتكِ من وراء زجاج نخلتكِ العجفاء، من وراء الظلام،
هل عثروا على شيء؟
بقينا صامتين ننظرُ إلى صوت طائرك المذعور
لقد دفعونا إلى الاعتراف، بماذا نعترفُ؟
انحرفت مشاعرنا،
صار اكثرُ من واحدٍ يلعنكِ في الغربةِ أيتها الغريبة في غربة الحبِ
وانحرفت مشاعري باتجاهكِ حتى الموت.

بغداد
19/12/2002
*يحتمل أن تكون هذه القصيدة آخر قصيدة كتبها الشاعر الراحل كما يدل على ذلك تاريخ كتابتها الذي يسبق تاريخ رحيله بـ (25) يوما.




رسائل الضفة الأخرى*
إلى عبد الزهرة زكي



1- حياته

في لحظة جسرٍ، في لحظة عبورٍ، في لحظة ظلٍ،في لحظة خطوةٍ، في لحظة إيقاعٍ،في لحظة صدى، في لحظة أثر..
حياته
في لحظة نوم على الضفة الأخرى
أنا الرجل في لحظة عبوره إلى ضفة النوم
أنا المرأة التي لن يصل إليها في عبوره الرجل
أنا النوم
أنا النوم على الضفة الأخرى
أنا الصدى
الأثر
الظل
العبور
أنا لحظة الجسر
حياتي .


2- عندما اقف أمامها كحصارٍ كعزلة موسيقى

عندما أسلّط عيني عليها، على هلالها المرتجفِ
عندما أشكل كلماتي من جسدها
تظهر كتاريخ، ربما كوردة تاريخية مشتعلة
ربما اسمع ضحكاتها في تكسر جليدي
ربما اعبر ممراتها بتاريخ ألواحي إلى تاريخٍ مقفل
ربما في متاهاتها تستيقظ حياتي
مبرأةً من كل تاريخ

3- المجد لشكلها
المجد لموسيقاها
هذه العمارة التي أصورها على الورقة كجنة مسوّرة
هذه الأهدابُ، هذه الستائر، النوافذ المغلقة، الزجاج المشفُّ
هذه البركة السحرية، هذا الخط، هذه القطرة المعزولة،اللسان،
هذه الطلاسم
المجد لمعناها

4- هذه الجلسة المباركة حول عصفورٍ ميتٍ
هذه الطريقة في الغناء لإحياء الجسد، هذا الطفل الرسولي
هذا العلم..هذه السياسة، آلة الكتابة، يد الله،
هذه الفلسفة
هذا الشعر
نقد القلب
شامة النهد الموازية للخراب
هذه الجلسة للحب. هندسة ميتة وزقزقة قبر.

5- يتكلم عن شجنه، عن شقيقة مرآته
فردوسه المقفل يتكلم. فردوسه المطل على العقل، عن شقيقته في رأس مرآته، فردوسه المقفل.

6- إنها القطرة
القطرة التي تنزل من فم الكائن
الكائن النائم في زجاجة اختبار
القطرة المغلفة بالضباب
الزجاجة الموضوعة تحت نهر
العالم الموضوع في القطرة.

7- تتعقد الأواصرُ
حيث يذهب الشكلُ إلى النسيان
وتقفُ الحمامةُ على شرفةِ العقلِ
ويذهب اللسانُ إلى الخراب.

8- هنالك الرسائلُ
في تلك الخزانةِ
في تلك الأرقامِ
الأرقامِ ذات الأواصرُ العميقةِ

9- بكل وصفٍ يضع يده على الحركة المؤودةِ
الحركة المتكورةِ
حركة الأطراف
وردة الفم،
حركة الطفلِ..
بكل وصفٍ

10- أضع عيني على الفتحة
انظرُ في الداخل إلى الخيوط
إلى الدمى المتحركة..
إلى خيالي يلتصق بوردة الظلِ
في الضفة الأخرى من الحياة،
إلى وردة المكان المهدمِ.
أضع عيني على فتحةٍ في جدار.

1/3/2001
من مجموعة في ذكرى ساعي البريد، غير المنشورة.




نجار كنيسة المهد*


الألواح بكاملها تحت تصرفه
والمنشار
وآلة القياس
والشفرة
وسبعة مسامير في فمه
ضوءٌ كافٍ ليصنع منه كرسياً
مرت الأعياد دون أن يطرق بابه زائرٌ
سيصنع من الضوء كرسياً
وينتظر الطارقين،
أنهى المساندَ
والأرجلً..
ستة أعياد مرت
ولم يبق إلا المسمار السابع..
انه ينظر في الخريطة
إلى الشجرةِ التي اقتطع الألواح منها
إلى الأبواب المخلعة
إلى النوافذ
إلى التوابيت
إلى الكرسي الذي لم يكتمل
والى المدينة التي اخرج منها.

25/4/2002
من مجموعة ( مرايا عوليس الفلسطيني ) غير المنشورة.



تماثيل للخروج الفلسطيني*

سننفصل عن الأعمدة التي اسندنا إليها يوما ظهورنا
ولن نضيع في الطريق
وهنالك سيأخذنا النوم إلى الأرض التي أخرجنا منها،
لن نحلم بالرؤوس المقطوعة و لا بالطير التي تأكل من أعيننا
سيكون لنا خبزنا الذي نكسره على صخرة الطريق
وتماثيل مائنا.

25/4/2002
من مجموعة ( مرايا عوليس الفلسطيني ) غير المنشورة.




مركبة فضائية من العهد القديم*

حطت المركبة على الأرض
وأطلقوا وثاق خيولهم
وخرج المسلحون بعصيهم وهراواتهم
لحاهم تصل إلى الركب
لم يشاهدوا سوى الظلال
طاردوها .
وأخيراً استسلموا للنوم
إلى جانبهم ظلالهم اللاهثة.

25/4/2002
من مجموعة ( مرايا عوليس الفلسطيني ) غير المنشورة.


الغريب ينصح الخليفة المنصور بنقل الأسواق إلى خارج قصره*

على بعد أمتارٍ، عشرة أمتارٍ، ربما أكثر بقليلٍ، من يأبه بالمسافة؟
لابد من الحياة المشتركة، من التفاهم، وشيء من الخصوصية،
من يأبه لمثل تلك الفروق؟ هناك أشياء أهم
وفي المحصلة النهائية ستكتشف عين الغريب أو تسمع أذنه ذلك اللغط
القريب: أصوات باعة السمك، أصوات باعة الخردة، أصوات الجزارين
مع الروائح حيث تصل تلك الروائح إلى انف ذلك الغريب
في الصحراء، نعم يقول الغريب: لا توجد حواجز، ولكن هذه مدينةٌ
مؤسسة على الفروق، أنت تدركها بالطبع، ولذلك
ينبغي أن لا تصل إلى انفك روائح العامة، وأنت لا تسمع أذنك
لغط أصواتهم القريبة
ثم هم يعتادون رؤيتك، وقد تصبح أسرارك مشاعةً بينهم
فمن ثم مَن سيأبه لرؤيتك، منهم، أو من سيلقي بالاً لأسرارك
الخطيرة من بعد ذلك؟؟
إنها أسواق العامةِ و لابد أن تكون خارج أسوار قصرك

15/12/2001
* من مجموعة شائعات سوق يحيى، غير المنشورة.




تآمر المنتصر بالله على أبيه المتوكل تحليل الرغبات*

ليس من أدلة
رغبة ضد رغبةٍ
وإرادة ضد إرادةٍ
وقتل مسبوق بسخرية المقتول من قاتله، السخرية المحرِّضة
على القتل،
من يستطيع أن يخمن؟
ليس من أدلة للإدانةِ
لا مسرح الجريمة
و لا أداة القتل
و لا الدافع
و لا هذيان القاتل في نومه
ولكن
قد تنشطر رغبة الجاني إلى رغباتٍ واشيةٍ
وقد تأخذ الرغبات أشكالاٍ متعددةً،
عندها الفعلُ في النهاية
إنما ما جدوى أن يتضح الجرمُ في النهاية
وليس ثمة سوى الجاني مع رغباته المتعددة.

16/12/2001
من مجموعة شائعات سوق يحيى، غير المنشورة.




رثاء الملابس أغنية من عهد الخليفة المتوكل*

ملابسنا أصبحت تهمةً
الملابس المتهمة أقصيت من المناسبات السعيدة والحزينة
ومن المناصب الإدارية والوظائف العامة
ومن المعارك وحفلات التتويج
ومن الطرقات الخالية والمزدحمة
ومن الحدائق والمقابر ومن الحمامات والمارستانات
وبالدقة، حرمت من الحقوق المدنية كلها
ومن التعبير عن العواطف والأفكار
وصدرت بحقها الأوامر
وعلقت لوائح المنع
وصودرت أدوات خياطتها
وأغلقت أماكن بيعها وشرائها
وأُمِرَ المهرجون أن يرتدوها من اجل التسلية
وان يمثلوا أدوار الخونة والمتآمرين
وأن يسملوا الأعين ويدسوا السم
وأن يقودوا البلاد إلى التهلكة
ناسبين للملابس كل دور قذرٍ
مما لا يليق بكل أحدٍ أن يؤديه
حتى وأن كان لمجرد التسلية
يا لملابسنا من كائنات مثيرة للتسلية

*من مجموعة شائعات سوق يحيى، غير المنشورة.


ضبط الأمور وليمة حامد بن العباس وزير المقتدر*

تلال من قشور الباقلاء في وليمة كلِّ يومٍ
من المطابخ ذاتها، في الدهليز المظلم ذاته أمام الحرس الموكل بضبط الأمور
وحساب كل شيء، ربما يصلح الأمور أو على الأقل
بما يعود على صاحب الضيافة بالمجد والثراء
خلف تلك التلال كان الذهب يدفن في بئرٍ سريةٍ،قذرة الماء،
محكمة الغطاء، لفك نائبةٍ أو تغيير حكم أو إخماد ثورةٍ
إلا أن ما يقلق حقا إن تلك التلال مجرد قشور باقلاء
ومن الممكن أن ينكشف السر، بسب طائر اخرق
أو نملة حمقاء، أو رائحة الذهب القذر
فليغط البئر بالقشور وليسأل الحرس الموكل بضبط الأمور كلَّ يومٍ
عن الرجل الذي أحيا طائر المقتدر، فمن الممكن أن ينكشف السر
بسبب طائر اخرق، يلتقط حبة من البئر، أو نملة خرقاء
من يضمن العامة؟ قد تنكر الجميلَ وقد تتقلب الأمور
بما يعود على صاحب الضيافة بالويل والثبور، قد تنقلب الأمور
قد تنقلب الدولة ويقاد إلى الوليمة ويأكل من المطابخ
ويقرب من الماء القذر ذاته أمام الحرس الموكل بضبط الأمور
وحساب كل شيء، من يضمن العامة؟

18/12/2001
*من مجموعة شائعات سوق يحيى، غير المنشورة.




شائعات سوق يحيى عام 334هـ*

في سوق يحيى كثرت الشائعات، يقال إن الإله سينزل في ثلث الليل الأخير
بأسلحته
باعة الشموع استعدوا للحدث، باعة المرايا نصبوا مراياهم في الطرقات
العطارون فتحوا زجاجاتهم الفارغة ليقتنصوا عطره الشارد
قد يكون من الصعب التوقع، ستكون الخيبة اصعب
قد لا يظهر في مراياهم
قد لا تقتنصه زجاجاتهم
ولكن من أين كل هذا الجمال المشع؟ وما هذه الرائحة الذكية الغريبة؟
الكل صامتون راسخون، لا يبرحون أماكنهم، تماثيل، عيونهم
ثابتة في محاجرها، تطلع الشمس عليها وتغرب دون أن تطرف
ويسقط المطر كالدموع على حجر لحاهم وأقدامهم،
منتبهون لأقل حركة، مهما كانت، لغصن أو لطائرٍ
قد يحل بينهم
ولكن ومهما أرهفوا أسماعهم ومهما حدقوا، لن يحسوا به، إلا
وقد اصبح تمثالاً مثلهم
مثلهم تماماً، يتوقع أن يحتل البويهيون السوقَ،
ويتناقل مثلهم الشائعات.

20/11/2001
*من مجموعة شائعات سوق يحيى، غير المنشورة.


يمنع منعا باتا أخذ هذه المادة دون الاشارة الى المصدر إيلاف والى مراسلنا في بغداد القاص سعد هادي الذي اعد هذه المادة .



ثقافة إيلاف