&
على نحو ما يحتاج الفكر إلى حوارات، وتصادمات فنتاجه محكوم لمجموعة من الاختلافات اللازمة لإيجاد حالات خصومة خلاقة على المستوى الإبداعي، مع عدم الانسياق لتشعبات سلبية تأتي بها ضرورات بشرية، من عهد هابيل وقابيل إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن أسباب فقدان الحوار الفكري غياب العوامل القائم عليها أي حوار، المتحاورين والقدرة والفكرة النابضة بحيوية الجدال.
وعرفت الثقافات الأممية حالات متوهجة من الجدل الفكري بما تمتلكه من ثروات بشرية وثقافية آمنت أن الكلمة تتسع للجميع فلا تضيق بمتعاركين يرون (مثلا) أن الحداثة كارثة على القصيدة العربية أو أنها حركة تجديدية لا بد منها لإزالة الركام من على ورقة هذه القصيدة، ذلك على سبيل المثال الأقرب إلى حالتنا العربية التي شهدت في بواكير القرن الماضي مناوشات أفرزت إبداعا محركة الراهن الثقافي الذي يتعاطى معه المجتمع ببرود وحيادية، العقاد والمازني وشوقي والمنفلوطي والرافعي ونعيمة وجبران ومجموعة كبيرة من الأسماء مارست حقها في الاختلاف مع الآخر ليعرف ما تملكه من أفكار لها مؤيدين أو معارضين من متعاطي الشأن الثقافي.
وإذ يقترب البعض مما يمكن تسميته اصطلاحا بالحوار الثقافي فان أردية أصحاب النقائض كجرير والفرزدق والأخطل تتلبس إلى حد تهريجي بمجموعة من الذين يعتقدون بالثقافة ويرون في أنفسهم مشروع الأمة الحضاري وهو لا يبتعد عن كونه ممارسة جديدة للصعلكة، حيث الاعتماد على الصراخ وقاموس الشتائم لمداراة الخواء الفكري، والاعتصام بخيالات هلامية تتعمد مسح الآخر دون تقديم البديل الواضح القادر على الوقوف، فالهدف كما يحدث في مباريات الملاكمة تسديد الضربة القاضية للمعارض.
وعام بعد آخر، يعبرنا الزمن خاليي الوفاض من مشروع فكري نهضوي يعتمد عليه في (فلترة) الشوائب التي قد تضر أكثر من نفعها، أو لمساعدة تلك الأشجار الأصيلة لتبلغ الفضاء البعيد عن التحت برمزيته السطحية والدونية.
إن قيام مشروع فكري يعطي الاعتياد على مفاهيم حضارية كالحوار وتقبل الآخر شخصا وفكرا والسعي في مجموعة قوالب إلى توليفة لونية لشتى الأطياف الثقافية والتحاور بينها قبولا أو رفضا شأنه إخصاب الحالة الثقافية المحلية كي لا تكون احتفاليات وموسميات لا يعرف أحد متى تتجلى روحانيات القائمين عليها، وفي غياب ذلك المشروع فان الفكر ليس وحده المسجل غيابا بل الحوار بين براعم المجتمع الفكرية التي تحاول إيجاد البديل الضروري وما انتجه ذلك من نقص في المناعة الحوارية حيث التعبير بالأصوات النشار سمة المتحاورين مما يبقي طويلا حالة التشظي بين الثقافة كفكرة مجتمعية عامة والثقافة كصوت فردي تائه لا يتعدى حدود الذات الصغرى.
وقبول الآخر واحترام فكره لن يكون في تلك العنتريات الثقافية التي تدعي قبضها على جمر الإبداع لوحدها فقط، أما الآخرون فهم سطحيون وسذج، ومن هذه الاتهامات يسقط الحوار الفكري في سفسطة تضيع الوقت الذي نحن في أشد الحاجة اليه، ولا أدل على اننا ما زلنا نبحث عن جمعية للكتاب في حين بدأ العالم في تجاوز هذه المرحلة بالدعوة إلى إعلان وفاتها والبحث عن صيغ أخرى تناسب الألفية الثالثة.
وليس مهما أن يدخل في الحوار الفكري كل من عرف كتابة خاطرة أو أنشأ قصة فجاءت رمية من غير رام بل ان تكون هذه الحوارية مثالا أعلى للحوار الحضاري يستفيد منه جيل تال يدرك أبعادا يمايز بينها وتلك القناعات التي جاءت إليه كتراكمات ليست محددة في صوابيتها بل تختلط الشوائب على حد هزلي، من أجل أن لا تعرف المنابر إلا القادرين والمتمكنين من أدواتهم فلا مجال للمراهقات الثقافية التي لم تمدنا بعناصر هامة قدر ما أمدتنا ببالونات هوائية نراها كبيرة لكنها تعاني الفراغ الداخلي ولم تعط الفرصة لاقامة حوار إلا عبر جسور محطمة فجاء الصوت عاليا لكنه فاقد لأهليته، فجميل أن تولد اجتهادات ومواهب لكن مهم أن تبقى في مكانها الصحيح حتى تكبر بصورة سليمة دون تأثير من كيماويات التصفيق والتطبيل فتظن نفسها أنها استثناء وعلى القامات أن تنحني إجلالا لها.














التعليقات