حسين كركوش
&
&
&تزخر الصحافة الفرنسية منذ فترة، شأنها شأن الصحافة العالمية، بكم هائل من الأخبار والتحليلات والتقارير الأخبارية التي يبعث بها المراسلون الفرنسيون من داخل العراق.&
&أدناه ثلاث عينات من تعامل الصحافة الفرنسية مع الأحداث الجارية داخل العراق، نشرت في ثلاث من كبريات الصحف الفرنسية، هي ، حسب ورودهما لاحقا، 1) صحيفة لوموند المستقلة، 2) صحيفة ليبراسيون اليسارية، 3) صحيفة لوفيغارو المحافظة. وبينما يرجع تاريخ نشر مقالات لوموند وليبراسيون الى يوم السبت 26 نيسان (أبريل) الجاري، فان المقالة المنشورة في صحيفة لوفيغارو يرجع تاريخها الى 22 من نفس الشهر.
وقد قمنا بترجمة ما نشرته صحيفة لوموند بشكل حرفي تقريبا، بينما ترجمنا مقتطفات من مقالة صحيفة ليبراسيون، المخصصة أصلا، لعمليات النهب التي تعرض لها المتحف العراقي، وكذلك مقتطفات من مقالة صحيفة لوفيغارو.
&
1)&معاداة الاميركيين في العراق: الدروس الثلاث للجنوب الشيعي
&
&
هل بالإمكان الاعتقاد، على ضوء مشاهدة جموع الشيعة الساخطين وهم يتظاهرون في مدينة كربلاء ، بان الأميركيين سيواجهون فشلا قادما لا مفر منه لسياستهم في العراق ؟
ففي هذا البلد الذي لم يعرف سوى العنف ونظام شمولي، أعقب انهياره تبخر مفاجأ لأي اثر من آثار الدولة، فالأكيد هو ان احتمال اندلاع حرب فيه اكثر من احتمال استتاب السلام. وكما يبدو، فأن الولايات المتحدة، لم تهيأ نفسها بما فيه الكفاية، لمواجهة التهديد الطائفي الذي بدأ يظهر الان.
وفي ظروف كهذه، فان استعراض القوة المدهش، والاندفاع الديني للشيعة الذين احتشدت بهم مدينة كربلاء يثير المخاوف. وستظل هذه الاندفاعية الشيعية تثير المخاوف للطوائف العراقية، التي لا يضاهي حجمها بأي شكل من الأشكال، حجم الطائفة الشيعية، خصوصا اولاءك العرب السنة الذين كانوا قد استفادوا من نظام صدام، ويخشون ألان من عمليات انتقام ضدهم.
وهذه الاندفاعة الشيعية تثير مخاوف لدى زعماء الشيعة أنفسهم الذين، بسبب تعرضهم سابقا لمحاولات سحق من قبل البعثيين، فان ما من أحد منهم بإمكانه القول ألان بأنه يمثل سلطة سياسية تحظى بالاجماع.
&
ألم يكن هولاء الزعماء، وهم يحاولون جهدهم لتجنب حدوث فتنة، في مقدمة من عرف كيف ان اثنين منهم " مجيد الخوئي وحيدرالكليدرا (م ) " تم تقطيع أوصالهم أربا أربا في العاشر من مارس / آذار، من قبل حشد من الناس يشرف على قيادتهم، بدون أي شك، قادة شقاة محليون، أعطوا لانفسهم دور الشخصيات الأكثر راديكالية ؟
&
ألم يكن هولاء الزعماء، وهم يحاولون جهدهم لتجنب حدوث فتنة، في مقدمة من عرف كيف ان اثنين منهم " مجيد الخوئي وحيدرالكليدرا (م ) " تم تقطيع أوصالهم أربا أربا في العاشر من مارس / آذار، من قبل حشد من الناس يشرف على قيادتهم، بدون أي شك، قادة شقاة محليون، أعطوا لانفسهم دور الشخصيات الأكثر راديكالية ؟
&لقد كانت تلك الجريمة إهانة بالغة لحقت بسلطة الحوزة العلمية، خصوصا وان تلك الجريمة اقترفت أمام أحد مراقد الأئمة الأكثر قدسية عند الشيعة، أي ضريح "الإمام (م ) " علي في مدينة النجف. وهذا الثقل المهيمن للشيعة بدأ يخيف الأميركيين الذين ما يزالون يعانون من صدمة الثورة الخمينية.
ومن جانب آخر، فان جميع ( مناهضي أمريكا ) يجدون صعوبة في إخفاء مشاعر السعادة التي تنتابهم، وهم يشاهدون كيف ان جورج بوش الذي نجح في القضاء على صدام حسين، بدأ يواجه من جديد احتمال استبدال صدام ب ( أصوليين معاديين لأمريكا )، وفوق ذلك ينتمون للشيعة.
وإذا كان صحيحا ما يقال بان الخوف يمنع من رؤية الأشياء كما هي، فان هذا الخوف نفسه لا يمنع من رؤية بعض الملاحظات التي يحصل عليها المراقب في منطقة جنوب العراق الشيعية.
واولى هذه الملاحظات هي، غياب مشاعر عداء حقيقي ضد ( المحتلين ) لدى الأكثرية الواسعة من السكان هناك، خصوصا وان ما يشغلهم ألان هو، االحصول على الماء الصالح للشرب، وكذلك البحث عن ضحاياهم الذين لا عد لهم من الذين غيبتهم سجون صدام.
انه لامر استثنائي ان يسمع الإنسان في بلد عربي هذه الأعداد الهائلة من الناس، بما في ذلك الشباب والشيوخ، وهم يرددون بأنهم ( يحبون جورج بوش )، رغم ان أقوالهم هذه يكتفون بتردادها داخل بيوتهم، وليس أمام الملأ في الأماكن العامة.
وفي المراسيم الدينية التي جرت مؤخرا في كربلاء، فان من بين اكثر من مليون شيعي شارك في تلك المراسيم، فان عدد الذين شارك منهم في التظاهرة المعادية للأمريكيين ، وفقا لاقوال الصحفيين الحاضرين، كانوا في حدود 3... ( ثلاثة آلاف ) شخص، رغم ان استعدادت بذلت لأقامة هذه التظاهرة قبل يوم من وقوعها من قبل أناس مجهولي الهوية يطلقون على أنفسهم تسمية ( علماء دين ).
&لقد بدى الامر وكأن الملايين من الحشود الشيعية التي شاركت في تلك المراسيم كانوا يركزون على أداء هذه الطقوس التي توحدهم، والتي كانوا منعوا من القيام بها في السابق، ولا يرغبون بالتركيز عن ما يفرقهم، أو يذكرهم بتلك التظاهرات الإجبارية ( البعثية) التي كانوا يشاركون بها على غير رغبتهم.
الملاحظة الثانية هي، ان اولاءك الذين ظلوا الى وقت قريب يتمسكون بالخطاب البعثي، عندما كانت الأمور تبدو وكأن ( صدام حسين سيعود من جديد )، تخلوا بسرعة عن ذاك الخطاب وبدؤوا يحتمون ألان وراء الشعارات المعادية لامريكا. ولا يتطلب موقفهم الجديد هذا عناءا كبيرا منهم، إذ يكفي ان يتخلى هولاء عن ولائهم السابق لصدام.أما البقية فهي أمر سهل، إذ ان الشعارات القومية والمعادية للصهيونية التي كانوا يرددونها سابقا،استبدلوها ألان بشعارات معادية للغرب، أو حتى شعارات اسلامية.
هذه المواقف الجديدة تفسح المجال، ايضا، لازدهار كل أنواع نظريات المؤامرة، التي تساهم في ترويجها وسائل الأعلام العربية.
وإذا كان صحيحا ما نسمعه في منطقة الجنوب، بان ( 25 في المائة من العراقيين يساندون صدام، مقابل 75 في المائة يكرهونه )، فانه بالإمكان الافتراض ان هذا الربع يمكن ان يضاف أليه، فيما يخص العداء للأمريكيين، اولاءك الزعماء العراقيين اللاجئين في سوريا أو إيران، والذين يجاهرون من هناك بالعداء لأمريكا، سواء عن قناعة منهم، أو بسبب حسابات خاصة، أو عن طريق الاجبار.
الملاحظة الثالثة هي، وجود تنوع هائل من القادة المحليين الذين بدءوا يظهرون ألان في المناطق الشيعية، وهو تنوع يضم شيوخ، سادة، وأئمة مساجد، وحتى أفراد علمانيين بسطاء معادين لصدام وعانوا من اضطهاده، وكذلك عدد من القادة البعثتين السابقين الذين غيروا، بهذه الطريقة أو تلك، مواقعهم هذه الايام.
&لكن الأمر الذي يحمل في طياته الخطر الأكبر القادم ربما، هو، ان أعداد كبيرة من بين هولاء القادة المحليين، هم، في الغالب، رؤساء مافيويون من الذين تناسلوا بغزارة تحت ظل النظام الشمولي السابق الذي كان يرى انه سيعمر الى الأبد، بالإضافة الى استفادتهم من ظروف الحصار المفروض انذاك.
&ولكل واحد من هذه الكوادر المحلية أسبابه الخاصة التي تدفعه للوقوف وراء القادة الذين يتمتعون بطموحات طائفية، أو وطنية، والذين يعبرون، أما عن رغبتهم ( في العمل مع الأميركيين حتى يصار الى تشكيل حكومة مؤقتة )، أو ينظمون أنفسهم بطريقة منفردة باتجاه مقاطعة ( المحتلين ).
وهولاء القادة المحليون يبدون في الوقت الحاضر اكثر الناس صخبا، لكنهم يظلون، مع ذلك ذلك اقلية.
انهم، وهم يقتدون، بمثالهم الاعلى الشاب مقتدى الصدر الذي يحاول استعادة نفوذ والده الذي قتل سنة 1999 لمناهضته نظام صدام، فهم يطالبون بدور سياسي للحوزة، مثلما يطالبون بقيام جمهورية اسلامية يقودها رجال دين ( من الداخل ).
ولكن هناك الكثيرين من مقلدي الصدر الأب في جنوب العراق يتحدثون عن الأميركيين بعرفان وشكر.
هولاء واولاءك يعترفون ، اقله بصورة رسمية،بالمكانة التي يحتلها آية العظمى السيستاني، المرجع الرئيسي للشيعة في العالم، لكنهم يأخذون عليه فتوره ورفضه المستمر، رغم سقوط صدام حسين، التدخل في السياسة. لكن المشكلة هي، ان هذا التيار النشط، يفتقر الى اتجاه محدد خاص به، مثلما يفتقر لقيادة معترف بشرعيتها. فالشاب مقتدى ما يزال بعيدا من اكتساب الألقاب الضرورية التي يتوجب الحصول عليها، ليكون المرء ذا شأن داخل الحوزة العلمية.
&وبمواجهة الفراغ الناشيء، فان قادة صغار متنوعون اندفعوا، بأسم مقتدى الصدر، أو بأسم السيستاني الصامت، لملأ هذا الفراغ لمستجد . وبين هولاء، بدون أي شك، اولاءك الذين يتحملون مسؤولية إراقة الدماء التي تم سفحها في العاشر من مارس / آذار في مدينة النجف.
ان تلك الجريمة، التي اعتبرت صدمة كبيرة للطائفة الشيعية كلها، ما تزال تلقي بظلها باعتبارها خيبة كبيرة تعاني منها هذه الطائفة.
ان مراتب متنوعة، في الداخل مثلما في الخارج، يواصلون بذل جهود تسووية، مؤكدين بأنهم سوف لن يفرضوا، سواءا على المدى البعيد، أو ( في هذه اللحظة )، قانونهم، على أبناء الاقليات الطائفية في العراق.
هناك ملاحظة جديرة بأن نتوقف عندها،هي،ان التظاهرات الأولى المعادية للأميركيين في بغداد كانت قد خرجت، ليس من مساجد الشيعة، وإنما من مساجد السنة، وقادها احمد عبيد الكبيسي، وهو من الاخوان المسلمين العراقيين، كان قد وصل بعد أسبوع " على سقوط بغداد (م) " قادما من دولة الإمارات العربية.
مع ذلك، فانه حتى أحد الشخصيات المقربة من الشخصيات البارزة في حركة الأخوان المسلمين، هو يوسف القرضاوي، أكد على ان العراق ( ليس بإمكانه في هذه اللحظة ان يستغني عن القوات الأميركية ). والقرضاوي يريد ان يقول، بكلامه هذا، بأن المسالة ألان تكمن في تشجيع ( زعماء الشيعة الدينيين ) ليطرحوا أنفسهم باعتبارهم محاورين شرعيين مع الاميركيين، كي يسدوا الطريق أمام المعارضين العراقيين الليبراليين الذين وصلوا العراق مع القوافل الاميركية.
&ان المهمة تقع حاليا على عاتق الاميركيين من اجل لملمة جميع هذه الشظايا. وعلى الاميركيين الحصول، لتحقيق هذه الغاية، على الدعم الدولي، الذي اصبح الان، اكثر من أي وقت مضى، امرا لا بد منه، وهو دعم لم يحاول الأميركيون ضمانه قبل هذا الوقت.
2) تحقيق حول عمليات النهب الغريبة للمتحف العراقي.
يبدو ان عمليات النهب التي تعرض لها المتحف الوطني العراقي، كانت عمليات نهب منظمة. ويقول مدير اللقى الاثرية القديمة في المتحف، جابر خليل إبراهيم: ( يوجد بين الجموع التي قامت بنهب مقتنيات المتحف، جماعات منظمة بشكل جيد، كانت تعرف تماما ما تريد سرقته).
وبالفعل فان هذه الجماعات دخلت بناية المتحف، وهي مزودة بالات خاصة لكسر الخزانات ولخلع بعض التماثيل من مواقعها.
ويضيف المدير العام للبحوث والدراسات في المتحف الوطني العراقي، جورج داني، دليلا أخرا على مشاركة هذه الجماعات المنظمة في نهب المتحف، وهو ان بعض التحف الاثرية، كقانون حمورابي والمسلة السوداء لم يطالهما النهب. والسبب هو، كما يقول، ان هاتين التحفتين هما نماذج مستنسخة، وليست التحف الاصلية. لان النسخة الأصلية من قانون حمورابي الشهير يوجد في متحف اللوفر، والنسخة الأصلية من المسلة السوداء توجد في المتحف البريطاني.
ووفقا لما يراه جورج دوني، فان هولاء اللصوص المنظمين بشكل جيد، يعملون لحساب مهربين يمتهنون تجارة التحف الفنية، وهم ينتظرون منذ سنين في العراق ان تحين هذه الساعة.
ان هذه الجماعات المنظمة التي شاركت في عمليات نهب المتحف، استثمرت عملية إفقار السكان التي خلقها الحصار، وكانت استأجرت شخصيات قيادية من النظام السابق وقامت خلال السنوات الاخيرة بعمليات قرصنة للمواقع الأثرية في العراق.
ويقول دوني جورج: ( لقد واجهت، شخصيا، اثناء ما كنت اقوم باعمال تنقيب في منطقة ام العقرب، القريبة من الناصرية، عصابات مسلحة. وكنت اقوم باعمال التنقيب، وانا احمل رشاش كلاشينكوف على كتفي، وقمت بتشغيل 15 حارسا لمرافقتي في عملي).
انه من الصعب ان تعود التحف الاثرية المنهوبة الى مكانها في المتحف الوطني العراقي، بعد ان اصبحت في حوزة هواة جمع التحف. وكل ما اعيد حتى الان، من قطع منهوبة، هي تلك التي نهبها عراقيون فقراء، لكنهم قاموا بتسليمها الى المساجد، بعد ان شعروا بالندم.
ورغم قناعته، بان ما تم نهبه من المتحف لن يعاد ثانية، فان جابر خليل ابراهيم يطلق نداءا ( الى جميع متاحف العالم لاخبارنا عن كل قطعة اثرية عراقية منهوبة يحصلون عليها).
وجابر خليل إبراهيم هذا، هو رجل خائف يتحدث بحذر. ان هذا الرجل النحيف، ذي الشاربين، عرف بكونه مسؤول بعثي قديم. وبالإضافة الى حذره المفهوم منذ سقوط نظام صدام حسين، فانه ما يزال يحتفظ ببعض من العادات التي ترتبط بماضيه السياسي. ومن هذه العادات انه يرفض الحديث مع أي صحافي، إلا بوجود شاهد عراقي، كما لو ان مراقبة النظام السابق ما تزال حاضرة.
يقول جابر خليل إبراهيم: ( ان كل شيء في المتحف تمت سرقته أو تدميره )، رغم انه يؤكد، بعد ذلك مباشرة، على ان أي عملية جرد لم تتم حتى الان. وهو يرفض ان يصطحب الصحفيين بزيارات الى قاعات المتحف، أو الى أماكن خزين التحف الاثارية في المتحف، كما لو ان ذلك سرا من أسرار الدولة
والإيضاحات التي يقدمها جابر إبراهيم خليل هي، إيضاحات مشوشة. ففي البداية، رفض خليل التأكيد ان تكون إدارة المتحف قد قامت بوضع عدد من التحف الأثرية المحددة في مكان آمن، قبل وقوع الحرب.
&لكن المعروف هو، ان المتحف الوطني العراقي كان قد اغلق أبوابه لمدة أسبوع قبل عشرة أيام من وقوع الحرب. ووفقا لما قاله عدة شهود، فانهم شاهدوا صناديق تحتوي على قطع أثرية كانت مهيأة لنقلها خارج المتحف. وعندما واجهنا جابر إبراهيم خليل بما يقوله هولاء الشهود، فانه اعترف بان قطعا آثارية معينة ذات قيمة كبيرة تم وضعها داخل بعض البنوك لحمايتها، لكنه يضيف قائلا ان هذه البنوك تعرضت، هي الأخرى، للنهب.
وفي هذه الحالة، فانه من المستحيل التأكد من صحة أي شيء يقال حول هذا الموضوع.
الشيء الوحيد الأكيد هو، ان البنك المركزي العراقي كانت فيه تحف فنية أثارية حتى سنة 2...، وهي السنة التي تمت فيها إعادة فتح أبواب المتحف الوطني، الذي تم إغلاقه سنة 1991.
ومن جهتها، تعطي مديرة المتحف الوطني العراقي، نوال المتولي، صورة أخرى لما حدث. فهي تقول ان بعض التحف قد تم وضعها، بالفعل، في مواقع آمنة، وهذه القطع الأثرية ما تزال موجودة في تلك الأماكن، كما تقول المتولي، لكنها لا تكشف عن هذه الأماكن ( لاسباب أمنية ).
وفيما يخص دوني جورج، فانه يقول بأنه، وبحسب معرفته، فان المخطوطات وحدها هي التي تم نقلها، وبالتالي، انقاذها. ويضيف جورج قائلا بان ( الخزين من القطع الفنية لم تطاله كله عمليات النهب. وفي داخل قاعات العرض لم يبق سوى التماثيل التي لا يمكن نقلها).
في الواقع، ان المتحف العراقي تعرض، بدون أي شك، الى عمليات النهب، ولكن السؤال هو، فيما إذا كان بعض من هولاء المسؤولين هم من الأوائل الذين شاركوا في عمليات النهب و بطريقة منظمة، وتحت حجة حمايته.
ويدعي البعض، ايضا، بان صدام حسين وعائلته، كانوا قد ساهموا في تهريب بعض أروع القطع الأثرية من المتحف خارج العراق، قبل وقوع الحرب.
ان الأمر يحتاج الى اشهر عديدة، وحتى الى سنوات عديدة، حتى يتم التعرف على أسرار عمليات النهب التي تعرض لها المتحف الوطني العراقي.
3 ) في سامراء، الحرب مرت دون ان تترك أثرا
تبدو ملوية سامراء، تحت الشمس الحارقة، فخورة بنفسها، تماما مثل سكان هذه المدينة الصغيرة. لقد مضى حتى ألان أسبوعان، عندما سقطت سامراء بأيدي القوات الأميركية، بدون أي مقاومة، مهما كانت.
ورغم ان سكان سامراء مناصرون في أغلبيتهم لصدام حسين، فانهم، ببساطة، استسلموا للقوات الاميركية.
يقول تحسين طه، القادم توا من شمال العراق لزيارة سامراء والتمتع بسحر ملويتها الرائعة، ( ربما فضل أهالي سامراء عدم محاربة القوات الأميركية، حرصا منهم على عدم تدمير مدينتهم الجميلة).
ان هذه المدينة الساحرة التي يتكون سكانها من العرب السنة، تخضع ألان، بشكل مؤقت، لادارة وفيق السامرائي، وهو مدير سابق للمخابرات العسكرية، بعد ان وضعه الأميركيون لادارتها.
وفي أزقة السوق يشاهد الزائر النسوة المتلفعات بالعباءات السوداء وهن يجادلن القصابين على سعر اللحوم، بينما يجلس الرجال على آرائك المقاهي يتمتعون باحتساء الشاي الاسود.
هنا، في سامراء، الحرب مرت، لكنها لم تحدث ضجيجا يذكر.
وليس بعيدا عن المقر العام السابق لحزب البعث الذي قصفته الطائرات الأميركية، يطل الموقع الأثرى للمدينة القديمة، مستعدا لاستقبال الزائرين.
ولان رجال صدام حسين لا يقدرون كثيرا أهمية المواقع الأثرية، فانهم كانوا قد حولوا قسما من المدينة القديمة الى مستودع للذخيرة العسكرية.
وبخلاف العاصمة بغداد، فان سامراء التي تقع على مسافة 125 كم من بغداد، سلمت الى حد كبير جدا، من أعمال النهب، مهما كان نوعها.
يقول موسى السامرائي، وهو يمضي أوقاته من الصباح الباكر حتى غروب الشمس أمام رائعة ملوية سامراء: ( قررت وأصدقاء لي ان نقوم بمهمة حماية هذا المكان المقدس). ثم يضيف قائلا، وهو يلوح ببطاقة عمله كمرشد سياحي: ( كان ممنوعا علي ممارسة هذه المهنة في زمن صدام حسين، لاني كنت قد رفضت الانضواء في صفوف حزب البعث. أما ألان فان مهمتي الأولى هي، السهر على المحافظة على هذه المنارة من العبث، فهي تمثل كل ثقافتنا، وكل ما تبقى لدينا)، قبل ان يتحدث بمرارة عن عمليات النهب التي طالت متحف بغداد والمكتبة الوطنية.
ومن داخل قمرة بيع التذاكر التي يجلس فيها، فان بإمكان أدهم عبد الجلال العباسي، ان يرى طلائع السائحين الذين قدموا الى سامراء، بعد ان انتهت الحرب، من البصرة وبغداد وكركوك.
يقول ادهم الذي يزاول مهنته منذ عشرين عاما: ( لم اشعر طوال السنوات العشرين الماضية بحزن، مثلما اشعر الان. فأنا اشعر ان كنوز بلادي ليس لها قيمة تذكر، مادامت تعرض أمام الأعداء المحتلين)، وهو يشير بالطبع الى وجود القوات الاميركية.
ومثلما هو حال الكثير من سكان مدينة تكريت، مسقط رأس صدام التي لا تبعد عن سامراء سوى 6. كم، فان أهالي سامراء السنة ظلوا متحفظين، الى حد كبير، إزاء وجود القوات الأميركية على الأراضي العراقية.
يقول ادهم: ( لقد كان الامن، على الأقل، مستتبا في العراق أيام صدام حسين )، وهو يقصد أعمال النهب التي شهدتها المدن العراقية. ثم يضيف ادهم، الذي ينتمي الى أحدى العشائر الكبيرة في المنطقة، قائلا: ( نحن لا نطالب إلا بشيء واحد هو، رحيل القوات الأجنبية من العراق، بأسرع وقت).
وبانتظار ان يحقق ادهم أمنيته، فانه يواصل الاستفادة من الوجود الاميركي. فالقطعة المكتوبة أمام قمرة بيع التذاكر التي يجلس فيها، بدأت تحمل جملة تقول ان سعر تذكرة زيارة المنارة للأجانب تساوي عشرة أضعاف سعر التذكرة الاعتيادية.
في سامراء، الأمور لم تكن جيدة في يوم من الأيام، مثلما هي عليه الان.






التعليقات