إيلاف- المنامة: في محاولة لتأريخ البدايات الأولى في كتابة قصيدة التفعيلة في الجزيرة العربية، وبالتحديد في المنطقة الوسطى منها، صدر لزميلنا محمد السيف، كتاب عن الشاعر عبدالرحمن المنصور، والذي يُعدُ رائد الشعر الحديث في المنطقة الوسطى من البلاد السعودية (نجد) في حين أن رائده في الحجاز الشاعر الكبير محمد حسن عواد. |
ولد الشاعر عبدالرحمن المنصور في مدينة الزلفي، المدينة التي ولد فيها زميله الثائر وزير النفط السعودي عبدالله الطريقي، وذلك في عام 1920م، وسافر في وقت مبكر إلى الحجاز، ثم انتقل إلى القاهرة، وحصل من الأزهر على الشهادة العالية في عام 1951م ثم الماجستير من جامعة إبراهيم باشا (عين شمس) وعاد إلى السعودية وتدرج في عدد من المناصب الإدارية حتى أعفي من منصبه كوكيل لوزارة العمل في عام 1964م، بعد اتهامه بالشيوعية! ومنذُ تاريخ إعفائه، انكفأ على نفسه ولزم بيته، ولم يكتب قصيدة، حتى طواه النسيان وجهله النقاد.
الكتاب جاء في (191) صفحة، وقدّم له الناقد السعودي الدكتور حسن الهويمل، أستاذ النقد بكلية اللغة العربية، وجاء في تقديمه، قوله: " لن أتحدث عن الشاعر ولا عن قضاياه الفنية والدلالية واللغوية فمجال ذلك متن الكتاب، والدارسون اكتنفوه من كل جانب وتحدثوا عن شاعريته المبكرة ومذهبه الشعري، وتأثره بشعراء مصر والشام وإضافته للتحولات الفكرية والسياسية وتعلقه الواعي بالمستجدات ومع اكتفائي بما يقال عنه، فإنني أود الإشارة إلى ظاهرة يمتلكها الشاعر وهي جديرة بأن تُستعاد تلكم هي تجديده الشكلي للقصيدة وانفتاح النص عنده، فهو قد ناهز النثرية وأوغل في الرمزية، قيل عنه أنه واقعي والواقعية في زمن المد الاشتراكي تحال إليه، وقيل عنه أنه رمزي ورمزيته تتعالق مع المدرسة الرمزية الألمانية، وقيل عنه أنه يستلهم شعر نازك الملائكة، صاحبة المشروع العروضي الذي استبدل العمودية بالتفعيلة، وسيقال عنه أشياء كثيرة بعد صدور الكتاب، ولكنه سيبقى شاعراً لا غبار على شاعريته، ومن المؤسف أنه أخذ بلسانه يجره إلى الصمت، مثلما أخذ موسى بلحية أخيه ورأسه يجرهما إليه، وليته أطلق للسانه العنان ليصدع بروائع الشعر وجميل القول، إنه شاعر خسرته المشاهد العربية، حين جمّد الكلمة على شفتيه وهي لم تأخذ بعد وضعها الطبيعي وما كان له أن يقسو على موهبته فيعطلها ولا على المشهد الشعري فيحرمه من خير كثير، وما حصل حصل، والتاريخ وحده كفيل بأن يقول الحق، فهو الحكم العدل، بقي أن نشكر الذين ذكروه بعد ما نسيه الأقربون، واستعادوه بعد أن طواه النسيان،واستعادة الرواد على أي شكل تمكين للدارسين والنقاد، كي يجربوا آلياتهم ويعيدوا قراءة مَن صمتت المشاهد عنهم بعدما اقترفوا جريرة الصمت الاختياري".
جاء الكتاب في أربعة فصول، بعد مقدمة الدكتور الهويمل، وقد أشار الزميل محمد السيف، إلى أن الدافع وراء إخراج هذه المادة في كتاب يطلع عليه متذوقو ومتابعو الشعر العربي، هو ما مثله شعر عبدالرحمن المنصور من أهمية في مسيرة الشعر العربي في الجزيرة العربية، إذ أنه قد تمرد على النمط التقليدي في كتابة القصيدة وتأتي قصيدته "أحلام الرمال" كأول قصيدة تفعيلة تنشر في المنطقتين الوسطى والشرقية، وذلك في العدد الأول من مجلة اليمامة التي أصدرها الشيخ حمد الجاسر عام 1952م وبذلك يكون المنصور رائد شعر التفعيلة وأحد الذين قاموا بمهمة تطوير القصيدة وتحريرها من نمطها التقليدي.
من شعر الشاعر عبدالرحمن المنصور
مات الرجاء
أول قصيدة تفعيلة تنشر في المنطقة الوسطى 1952م
مات الرجاء والفجرُ لاح
والهضبُ في غلائله أقاح
وعلى الرمال النائمات على الظمأ
الحالمات جفونها بالارتواء
فاح الشذى
شذى زهور لاترى
قد ضمها جفن الرمال الحالمات
هي كالصدى
فتراعشت منه الذرى
من صوته الداوي المخيف
الكتاب جاء في (191) صفحة، وقدّم له الناقد السعودي الدكتور حسن الهويمل، أستاذ النقد بكلية اللغة العربية، وجاء في تقديمه، قوله: " لن أتحدث عن الشاعر ولا عن قضاياه الفنية والدلالية واللغوية فمجال ذلك متن الكتاب، والدارسون اكتنفوه من كل جانب وتحدثوا عن شاعريته المبكرة ومذهبه الشعري، وتأثره بشعراء مصر والشام وإضافته للتحولات الفكرية والسياسية وتعلقه الواعي بالمستجدات ومع اكتفائي بما يقال عنه، فإنني أود الإشارة إلى ظاهرة يمتلكها الشاعر وهي جديرة بأن تُستعاد تلكم هي تجديده الشكلي للقصيدة وانفتاح النص عنده، فهو قد ناهز النثرية وأوغل في الرمزية، قيل عنه أنه واقعي والواقعية في زمن المد الاشتراكي تحال إليه، وقيل عنه أنه رمزي ورمزيته تتعالق مع المدرسة الرمزية الألمانية، وقيل عنه أنه يستلهم شعر نازك الملائكة، صاحبة المشروع العروضي الذي استبدل العمودية بالتفعيلة، وسيقال عنه أشياء كثيرة بعد صدور الكتاب، ولكنه سيبقى شاعراً لا غبار على شاعريته، ومن المؤسف أنه أخذ بلسانه يجره إلى الصمت، مثلما أخذ موسى بلحية أخيه ورأسه يجرهما إليه، وليته أطلق للسانه العنان ليصدع بروائع الشعر وجميل القول، إنه شاعر خسرته المشاهد العربية، حين جمّد الكلمة على شفتيه وهي لم تأخذ بعد وضعها الطبيعي وما كان له أن يقسو على موهبته فيعطلها ولا على المشهد الشعري فيحرمه من خير كثير، وما حصل حصل، والتاريخ وحده كفيل بأن يقول الحق، فهو الحكم العدل، بقي أن نشكر الذين ذكروه بعد ما نسيه الأقربون، واستعادوه بعد أن طواه النسيان،واستعادة الرواد على أي شكل تمكين للدارسين والنقاد، كي يجربوا آلياتهم ويعيدوا قراءة مَن صمتت المشاهد عنهم بعدما اقترفوا جريرة الصمت الاختياري".
جاء الكتاب في أربعة فصول، بعد مقدمة الدكتور الهويمل، وقد أشار الزميل محمد السيف، إلى أن الدافع وراء إخراج هذه المادة في كتاب يطلع عليه متذوقو ومتابعو الشعر العربي، هو ما مثله شعر عبدالرحمن المنصور من أهمية في مسيرة الشعر العربي في الجزيرة العربية، إذ أنه قد تمرد على النمط التقليدي في كتابة القصيدة وتأتي قصيدته "أحلام الرمال" كأول قصيدة تفعيلة تنشر في المنطقتين الوسطى والشرقية، وذلك في العدد الأول من مجلة اليمامة التي أصدرها الشيخ حمد الجاسر عام 1952م وبذلك يكون المنصور رائد شعر التفعيلة وأحد الذين قاموا بمهمة تطوير القصيدة وتحريرها من نمطها التقليدي.
من شعر الشاعر عبدالرحمن المنصور
مات الرجاء
أول قصيدة تفعيلة تنشر في المنطقة الوسطى 1952م
مات الرجاء والفجرُ لاح
والهضبُ في غلائله أقاح
وعلى الرمال النائمات على الظمأ
الحالمات جفونها بالارتواء
فاح الشذى
شذى زهور لاترى
قد ضمها جفن الرمال الحالمات
هي كالصدى
فتراعشت منه الذرى
من صوته الداوي المخيف
***
لن يمنع الجبلُ الصدى الداوي
تردده الكهوف
لن تقطف الأيدي زهوراً& لاترى
وإن زكمت بعبيرها الوردي أنوف
نشرت في العدد الأول من مجلة اليمامة في عام 1952م
ميلاد إنسان
أما قصيدته "ميلاد إنسان" فقد قال عنها الناقد السعودي الكبير عبدالله عبدالجبار بأنها تجربة ثورية متحررة، غلفها الشاعر بروح رومانسية حزينة، تزيد مضمونها الواقعي قوةً على قوة وتتجلى في جو الكآبة الخرساء التي تغشى المزارعين البائسين وفيها رمزية خفيفة موحية، فالطفل الوليد يرمز للسخط وللتمرد ووصفه بفظيع كناية عن قوته واحتدامه وكلمة رضيع توحي بأن ذلك التمرد يرضع لبان الحرية حتى إذا شب في الغداة وكبر أصبح ثورة .
يقول منها:
أنعيشُ والمحراثُ والفأس الثليم
والأرضُ نزرعها ويحصدها الغريم ؟!!
وكآبة خرسا تقضمنا على مر القرون؟
لا فرحة
لا بهجة
غير الكآبة والأنين
والأرض نزرعها ويحصدها الغريم
رباه: هل نبقى كهذي الساقية ؟!
أبداً تئنُ
فتضحك الأقدارُ منها هازئة
فصباحها كمسائها
مكلومة على مر القرون
والناس تحسب شجوها الباكي لحون
فرمى أبي المحراث وأنثالت شجون
لا تجزعي
فلقد تباركنا الحياة فتفرحين
وتهاملت منها دموع
وتلاعبت فيها ظنون
ويشبُ في أعماقها لهب حنون
رباه فأجعل بكرنا هذا الجنين
عوناً على دهرٍ تهضمنا خئون
وتمر أعوام
وحملق في القطيع
شيء صغير
شيء فظيع
شيء تضيق به الطريق
طفل
ملامحه
تمرده
رضيع
أما قصيدته "ميلاد إنسان" فقد قال عنها الناقد السعودي الكبير عبدالله عبدالجبار بأنها تجربة ثورية متحررة، غلفها الشاعر بروح رومانسية حزينة، تزيد مضمونها الواقعي قوةً على قوة وتتجلى في جو الكآبة الخرساء التي تغشى المزارعين البائسين وفيها رمزية خفيفة موحية، فالطفل الوليد يرمز للسخط وللتمرد ووصفه بفظيع كناية عن قوته واحتدامه وكلمة رضيع توحي بأن ذلك التمرد يرضع لبان الحرية حتى إذا شب في الغداة وكبر أصبح ثورة .
يقول منها:
أنعيشُ والمحراثُ والفأس الثليم
والأرضُ نزرعها ويحصدها الغريم ؟!!
وكآبة خرسا تقضمنا على مر القرون؟
لا فرحة
لا بهجة
غير الكآبة والأنين
والأرض نزرعها ويحصدها الغريم
رباه: هل نبقى كهذي الساقية ؟!
أبداً تئنُ
فتضحك الأقدارُ منها هازئة
فصباحها كمسائها
مكلومة على مر القرون
والناس تحسب شجوها الباكي لحون
فرمى أبي المحراث وأنثالت شجون
لا تجزعي
فلقد تباركنا الحياة فتفرحين
وتهاملت منها دموع
وتلاعبت فيها ظنون
ويشبُ في أعماقها لهب حنون
رباه فأجعل بكرنا هذا الجنين
عوناً على دهرٍ تهضمنا خئون
وتمر أعوام
وحملق في القطيع
شيء صغير
شيء فظيع
شيء تضيق به الطريق
طفل
ملامحه
تمرده
رضيع
الأصدقاء
دربنا مظلم وشحته الأماني بثوب الرياء
فبدا مشرقا وهو ليلٌ دَجَى
وبدى داجياً
وهو شمس الضحى
دربنا مظلم
وأفاع تفح على دربنا
غمست نابها بنقيع الردى
ثم مجت لعابَ الفناء
فوق زهر الربى
فترنح ذا الزهر ثم انحنى
ولواه الردى فارتمى
دربنا مظلم وشحته الأماني بثوب الرياء
فبدا مشرقا وهو ليلٌ دَجَى
وبدى داجياً
وهو شمس الضحى
دربنا مظلم
وأفاع تفح على دربنا
غمست نابها بنقيع الردى
ثم مجت لعابَ الفناء
فوق زهر الربى
فترنح ذا الزهر ثم انحنى
ولواه الردى فارتمى
***
ضاق بي دربكم أيها الأصدقاء
وسئمتُ الدروبَ التي تسلكون
ودروب الحياة التي تعرفون
ودروب الرؤى الجائعات
***
صرخة الكوخ
صراخ الجياع
يشق الفضاء
وأناتهم تحفر الهاوية
وأكواخنا الحاقداتُ على القصر
ترنو بذلة
ولكنها تحلم بيوم جديد
بيوم تصير قصوراً
وفي كوخنا أخوتي يجأرون
نريد طعاماً نريد كساء
نريد عمل!
لماذا أبي عاجز مثلنا
وأنت عجوز كسول ؟!
وجيراننا ينعمون
وهم عاطلون
وأبناؤهم يمرحون
يشيحون عنا بأبصارهم
على ظلنا يبصقون
إذا ما رأوا ظلنا
يقولون أنت فقير
وأنت حقير
أليس لهم والد مثلنا وأم ؟
ويا أمُ هل ربهم مَلك
شجاعٌ طموحٌ غني ؟
وهل ربنا مثلنا محتقر ؟
ولكن أمي بنا تصرخ
تعالى الإله!!
هُمُ سرقوا حقكم
&ألا ليتني لم ألد مثلكم ؟
فأنتم عبيد على الهاوية
صراخ الجياع
يشق الفضاء
وأناتهم تحفر الهاوية
وأكواخنا الحاقداتُ على القصر
ترنو بذلة
ولكنها تحلم بيوم جديد
بيوم تصير قصوراً
وفي كوخنا أخوتي يجأرون
نريد طعاماً نريد كساء
نريد عمل!
لماذا أبي عاجز مثلنا
وأنت عجوز كسول ؟!
وجيراننا ينعمون
وهم عاطلون
وأبناؤهم يمرحون
يشيحون عنا بأبصارهم
على ظلنا يبصقون
إذا ما رأوا ظلنا
يقولون أنت فقير
وأنت حقير
أليس لهم والد مثلنا وأم ؟
ويا أمُ هل ربهم مَلك
شجاعٌ طموحٌ غني ؟
وهل ربنا مثلنا محتقر ؟
ولكن أمي بنا تصرخ
تعالى الإله!!
هُمُ سرقوا حقكم
&ألا ليتني لم ألد مثلكم ؟
فأنتم عبيد على الهاوية
الشبح المذعور
كلما أضاء& نجم
دقّ ناقوس الخطر
واحتدام في النفوس يستعر
وحقود تتشظى
مثلما تنقضُّ شهب
في دياجير الظلام
كلما أضاء& نجم
دقّ ناقوس الخطر
واحتدام في النفوس يستعر
وحقود تتشظى
مثلما تنقضُّ شهب
في دياجير الظلام
أناتُ لاجىء
تشير مصادر إيلاف، إلى أن الشاعر بعد عودته من القاهرة 1953م فوجئ برجالات الأمر بالمعروف الذين يجوبون الأسواق، وهو ما لم يعتد عليه في القاهرة، فكتب هذه القصيدة بعد أن كتب مقدمة رمزيةً لها، بأن الشاعر قد زار مخيمات اللاجئين في الناصرة وشاهد عصابة تجلد الأطفال والنساء، يقول:
وتثاقلت نفسي تدمدم في الطريق
شعثاء جللها غبار الراكضين
الراكضين بلا ضمير
الراكضين بلا عقول
الراكضين مع الرياح
أنى تميل
أنفاسهم فيها عذاب
أيديهم ظفر وناب
يمزقون وينهشون
كل المشاة على الطريق
********
خلت المسالك والدروب
أحجارها آذانهم
وترابها حقد يذوب
لا يعرفون من الحياة
غير الدماء
غير المجازر والشياه
تسوقنا نحن العبيد
رباه هل سخرتنا
كيما نصفد بالقيود
رباه هل أذللتنا
كيما نساد ولا نسود؟
رباه هل أعميتنا
لنرى الظلام سنا الوجود
رباه هل من حكمة
توحي بها هذي القيود
رباه هل من حكمة في أن نذل ولا نسود
رباه هل من حكمة أخفيتها
فخلقت للقيد العبيد
وظهورهم للسوط يلهبها إذا قالوا نريد
رباه هذا صنعنا
لكننا حمقى وعالمنا بليد !!&&
وقد أفرد الزميل محمد السيف، فصلاً ضمنه عدداً من الشهادات والدراسات التي تناولت الشاعر عبدالرحمن المنصور من عدد من الكتاب والنقاد السعوديين، من أمثال: عبدالرحمن العبيد وعبدالله بن ادريس ومحمد سعيد المسلم وعبدالسلام الساسي والدكتور عبدالله الحامد والشاعر أحمد الصالح (مسافر) والناقد حسين بافقيه ويوسف الشيخ يعقوب وعبدالعزيز السنيد ومحمد الفايدي ومحمد القشعمي والدكتور حمود البدر وميرزا الخويلدي وعبدالله المسعود، وقد تضمن الكتاب عدداً من الصور الشخصية للشاعر وبعض زملائه في القاهرة.&
&









التعليقات