حسين كركوش
&
&

غيث الإبداع الأدبي في عراق ما بعد فترة صدام حسين لم ينهمر بعد، لكن مدينة السياب وسعدي يوسف والبريكان ومحمد خضير، شهدت نزول أول قطر هذا الغيث، بعد ان أصدر الاتحاد العام للأدباء والكتاب في البصرة، العدد (فوق الصفر) تموز / آب 2..3، من مجلة (فنارات).
الصفحة الأولى من المجلة ينيرها (فنار من المنفى) وهو، قصيدة لسعدي يوسف عنوانها (الطواف بالمقاهي الثلاثة). سعدي لا يطوف بالمقاهي الثلاثة، في مدينة صباه، فحسب، إنما يطوف بأركان (كعبته) الأولى، ركنا، ركنا، ويتملى نجوم (السماء الأولى)، نجمة، نجمة.
بعد (فنار المنفى)، يضيء (أول الفنارات) وهو، افتتاحية العدد، كتبها رئيس التحرير، حاتم العقيلي. فيها يتحدث عن هذه (اللحظة التاريخية القاسية والحرجة) التي يمر بها عراق اليوم، التي (راح يتأبد فيها الزمن كله ويعاد تشكيله ثانية)، حيث (الوطن مدمر .. والأرواح شقية مستلبة .. والسواد يلف العراق ويغطيه مثل غيمه شتائية غريبة وقاسية، تنذر بمطر آت لا يمكن التكهن بلون قطراته .. وصورة الحاضر مهزوزة ومشوشة .. والخيارات المطروحة أمامنا، لا تفصح عن بديل صميم ومغاير، يفتح في الأفق بدائل قادمة .. فهل هناك عالم سفلي اكثر جحيمية من العالم الذي تنتمي له لحظتنا العراقية الراهنة .. فأين المفر .. وهل ثمة أمل .. ؟).
نعم، (ثمة آمل لجلجامش)، لكن شرط قراءة أوضاع ما بعد الطوفان العراقي (بعين خاصة، حذرة ويقظة)، و (بذخيرة مغايرة تماما للذخائر التقليدية السائدة)، يقول رئيس التحرير. وآنذاك، (فأن آفاق مشهدنا العراقي الراهن ستتفتح وستبرز في عمقه إمكانات كثيرة تنتظر الاستنهاض .. وقتها سيكون رهاننا الحقيقي على الاستجابة الكامنة فينا، القادرة بحق على الحوار والمشاركة والتغيير والبناء .. حينها فقط، سنقول : نعم .. في الأفق أكثر من أمل .. ).
وترى افتتاحية (فنارات) أن ستراتيجية الأدباء والكتاب والمثقفين والفنانين العراقيين، تجاه (وطننا المدمر وشعبنا الشقي وذواتنا المهمشة المستلبة، يجب أن يبدأ فصلها الأول في المقابل، بمواجهتنا للبنية الذهنية التفكيرية الصدامية وطرائق رؤيتها المتخلفة للإنسان والكون والعالم والخلق الفني والأشياء).
وحتى تكون الأمور أكثر وضوحا واكثر دقة، فإن افتتاحية العدد الأول من (فنارات) تقول :( ان السقوط النهائي الحاسم للصدامية وتوجهاتها ألما بعد فاشية، لا يتحقق فقط في انهيار مؤسساتها العسكرتارية المركبة حسب،انه يتحقق كما نرى، في مواجهتنا الحاسمة للرؤى الارتدادية والأفكار الظلامية والأنماط السلوكية المنغلقة والسياقات القمعية والآليات الأيدلوجية الزائفة التي اشتغلت عليها صدامية ما بعد الفاشية، وراحت تغذيها وتسربها بكيفية سرية خبيثة ممسرحة، الى كينونة الإنسان العراقي الحديث وطبيعته الحقيقية المسالمة والمنفتحة في الأساس، تجاه الكون والطبيعة والأخر).

وبعد هذا (المانفستو) الثقافي لأدباء البصرة، فإن الصفحات التالية للمجلة، تنورها أضواء فنارات شعرية، وقصصية، ونقدية، مقسمة على أبواب هي، رؤى، شعريات، سرود، قراءات واتحاديات.
في باب (رؤى)، كتب د. لؤي حمزة عباس دراسة بعنوان (الانشغال باللحظة المستحيلة)، كرسها لمتابعة إنجازات الفنان التشكيلي، هاشم تايه. وترجم علي عبد الصمد، مادة عنوانها (فهم الثقافة الشعبية)، هي، في الأصل، فصل من كتاب (قراءة الشعبي) للبرو فسور، فسك.
وفي الحقل السينمائي، كتب خالد السلطان، مادة عنوانها (مجازات إيزنشتين الفيلمية). وعن الاستشراق والعالم العربي والإسلامي، نشر د. حامد الظالمي، تعريفا بالمستشرق الفرنسي، لويس ماسينيون. ويرى الظالمي ان ماسينيون " وظف جل معارفه الاستشراقية لخدمة الأهداف الاستعمارية ". ويضيف قوله أن " من الطلبة الذين تتلمذوا عليه وتغذوا بأفكاره، ميشيل عفلق".
وحول إبداع الشاعر الراحل، مصطفى عبد الله، كتب مقداد مسعود، دراسة بعنوان(قراءة إتصالية / قراءة منتجة)، انتقى فيها قصيدة واحدة للشاعر هي، (الجثة)، محاولا تسليط الضوء على ما اسماها ب" الاتصالية الجوانية بين انساق القصيدة الأربعة وعلى الاتصالية الجوانية / البرانية بين القصيدة ذاتها وبين قصائد مماثلة". واختار محمد عطوان موضوع (صدام الحضارات)، فخصص له مقالة عنوانها (تنظيرات بليغة لصدمات قديمة). وترجم مجيد حميد جاسم، مادة لليفي شتراوس، عنوانها (البنيوية وسيكولوجيا المعرفة). وفي الدراسات المسرحية، عالج جبار صبري العطية، شخصية الأميرة بدور، في بعض الحكايات الشعبية.
وفي باب (شعريات)، نجد إعادة لنشر قصيدة (الأجنبي الجميل) للشاعر الراحل، مصطفى عبد الله، تسبقها دراسة مكثفة عن نتاج الشاعر، أنجزها جميل الشبيبي، بعنوان (العودة الى السماء الأولى). وفي هذا الباب، نقرأ، ايضا، نصوص شعرية لعبد العزيز عسير، وعبد الرزاق حسين، وعبد الستار العاني، وعلي انكيل أبو عراق،وخضر حسن خلف، وعادل مردان، وطالب عبد العزيز، وعمار علي كاصد، وكريم جخيور، وعبد الله حسين جلاب، وعبد الرزاق صالح،وقاسم محمد علي.
ومن قصيدة (مت مطمئنا أيها الرئيس) للشاعر طالب عبد العزيز، نقرأ:
مت مطمئنا تافها
أيها الرئيس
لن أكتب عن رحيلك
أو موتك قصيدة ما
فقد كنت مهملا
في قصائدي كلها
قبل خمس وثلاثين سنة
سقط تمثالك خلف غابة روحي الخالدة ..
وكنت منشغلا عنه بالأشجار
بحراثة الأفق الأزرق
أنا فلاح الكلمات اليانعة
(............)
ويتصدر باب (سرود)، قصة قصيرة لمحمد خضير هي،(الستون). تليها قصة أخرى لفاروق السامر بعنوان (نبوءة الجبل الأسود). ويضم هذا الباب، ايضا، نص قصصي كتبه جابر خليفة جابر، أعطاه عنوان (شرائط وشهداء). كذلك، نقرأ قصة (الضيوف) لوحيد غانم. وفي الباب، ايضا، نصوص قصصية بعنوان (تحولات في طبائع الأشياء)، لرمزي حسين. ونشر فرات صالح نصوص قصصية قصيرة جاد، تحت عنوان (عربة تحرسها الأجنحة). بالإضافة الى ذلك، توجد قصص قصيرة أخرى لكامل فرعون، وصلاح عيال، وقاسم علوان.
وكانت الهئية الإدارية لاتحاد الأدباء والكتاب في البصرة، قد عقدت في 22/5/2..3، اجتماعها الموسع الأول لمناقشة ورقة العمل المقترحة. وأكدت في ورقة العمل على (ان الهيئة لا تملك حق سحب الهوية وإسقاط العضوية عن الأعضاء الذين حصلوا على هويات الانتماء بوسائل لا علاقة لها بالكتابة والإبداع كما أنها لا تمتلك الصلاحية لمنح الهوية للأعضاء الجدد).
&وجاء في أحد بنود ورقة العمل ما يلي :(لقد دأب بعض الأدباء المنتمين الى حزب السلطة الفاشية المقبورة أو غيرهم على مدح الطاغية وتمجيد شخصيته والتسبيح بحمده من اجل الحصول على مكاسب مالية أو حزبية رخيصة. ان الهيئة الإدارية تؤكد أمام هولاء الأعضاء وغيرهم من المداحين انهم عملوا على الإساءة الى أنفسهم وذواتهم الإبداعية أولا وانهم بأعمالهم هذه قد أطفأوا أسماءهم الأدبية بأنفسهم ووضعوا أمامها علامات الاستنكار والاستهجان التي لا يمكن أزالتها بسهولة... ).
ويتضمن برنامج الاتحاد نشاطات ثقافية متنوعة، يقيمها لاحقا. ودعت مجلة (فنارات) (جميع الأدباء والكتاب العراقيين للمساهمة في أعدادها القادمة).