د. فاضل سوداني
&

&
(نحن الذين زرعنا الجيفة في حدائقنا منذ زمن بعيد)

&يشكل ديالكتيك تطور الثقافة الحرة خطورة على أنظمة الكثير من البلدان غير الديمقراطية فأي توقف لعملية تطوير الثقافة والفكر يعد استثناء تاريخيا، مما يؤدي الى انحراف في مسار عمليات البناء الاجتماعي. والخطورة تكون أعظم إذا شكلت الأمية نسبة كبيرة في المجتمع، كما هو الحال مع الإحصائيات المفاجئة لليونسكو عن حجم الأمية في الدول العربية مثلا (65 مليون أمي، أكثر
&من 43 % من السكان) وإذا أضيف إلى هذا لامبالاة وتساهل وخيانة المثقف لدوره وخاصة في مجتمعات ما يسمى بدول العالم الثالث، فستكون النتائج بالتأكيد اكثر تشاؤما بل خطرة الى حد مريع .
اذن الدقة في تفسير دور المثقف هي حتمية تفرضها المسؤولية الذاتية والاجتماعية (فكل خطأ في تفسير دور المثقف يؤدي الى خطأ في تفسير دور الثقافة). وعندما يكون هنالك التباس ، يبدأ الغموض في تحديد دوره التاريخي والحياتي.
فيصبح من السهولة إغراءه وإجباره حتى يتكيف ليكون على استعداد لتنفيذ المشاريع الثقافية والفكرية ذات الطابع السياسي البوليسي التخريبي، وبهذا يكون صاحب الوعي البائس هذا تابعا للسياسي و جزءا من ماكينة السلطة. وهذا يعني توريط الذات في الوعي المشوه وتحويل المثقف إلى متكيف مستعد دائما لتبرير قرارات النظام الدكتاتوري التوسعي في شن الصراعات الطائفية في داخل المجتمع و الحروب العدوانية غير المجدية بحجج مختلفة يكيفها ويبرمجها بالتدليس والاحتيال. ومثل هذا المثقف هو الذي يهيئ الإرتزاق الموبوء في الثقافة والفكر. اذن من هو المثقف المتكيف ونقيضه المتفاعل؟
&ينشأ التكيّف ويصبح جزءا من عمليات التخريب الاجتماعي والثقافي في مرحلة البناء السلبي للتاريخ الاستثنائي فقط عندما يكون هنالك خواء فكري يميز فعاليات الإنسان الحياتية والفكرية، وسكونية في التطور الاجتماعي، واعني مرحلة التطور السلبي الذي يكون فيه الانسان بشكل عام و المثقف المتفاعل بالذات غريبا عن واقعه ومجتمعه عندما تتوفر الشروط الاستثنائية التي لا تسمح له بممارسة دوره التاريخي كما هو الحال في المجتمع الديمقراطي. وعندما يخون المثقف ذاته يقوم بتحويل قدرة الوعي والعقل الشموليتان الى أنانية ضيقة، تحوله الى مشروع للتكيف مع سياسة السلطة الدكتاتورية فيفقد حصانته الداخلية ليتحول الى مثقف متكيف يحفر الخواء في روحه وروح امته.
فالتكيّف إذن هو الموقف السلبي للمثقف المتساهل مع ذاته، يؤثر في تطويرالعملية الفكرية بمسارهاالديالكتيكي في مجتمعه سلبا. لانه يصبح داعية لبرنامج القائد (الذي يهيئ المجتمع الى حروبه الشخصية التي تخلق تكامله كدكتاتور) وتكون مهمته إضافة الى ما ذكر،استغلال ثقافته لتنمية غرائز العنف المتوحشة في روح الانسان حتى تحتل الأولوية في سلوكه، فتتحول الى ظاهرة طبيعية في مجتمعات الا نظمة الشمولية والدكتاتورية.
ويسبغ هذا المثقف على مثله السياسي الاعلى (الاب، الدكتاتور، الطاغية ،القائد) صفات الرسل والقديسين. من هذا المنطلق فان المتكيف صاحب الوعي البربري المزيف والبائس ، يبني ذاته هامشيا، انه المتساهل المحصّن دائما بالتبرير الجاهز، انه توريط الذات المثقفة في الالتزام بالوعي المشوه.
لذا فإن المثقف المتكيف جزء لا ينفصل عن النظام الدكتاتوري الشمولي المتسلط لدرجة يكون مستعدا لتهيئة الظروف التي تخلق عدمية الثقافة والفن، ومساهما دائما في تزييف حقائق الواقع المعاصر والحقائق التاريخية، فيصل الى مرحلة الاتكالية الفكرية، فيصبح المثقف الابن المدلل، يمنحه الدكتاتور المكرمات والهبات، ولكن في ذات الوقت يحرمه الحق في التفكير واتخاذ القرارات الخاصة لان القائد ـ الدكتاتور هو الذي يفكر ويخطط بدلا عنه وعن الامة. فيتحول المثقف إلى منفذ فقط في الوقت الذي تشتدد حساسيته الخاصة إزاء الخطر المستقبلي مما يساعده على التكيف مع الحدث الجديد ومتطلبات الظرف السياسي القادم من خلال خداع الرأي العام من جديد.
&والميزة الأخرى التي تميز المثقف المتكيف هي تطور وعيه سلبيا مع برامج النظام كما حدث في السنوات الأخيرة من القرن الماضي، حيث فرضت التحولات السياسية والاجتماعية التي حدثت في العالم بعد الحرب العالمية الثانية و الحرب الباردة وانتصار شراسة الرأسمال العالمي، تكثيف العنف كوسيلة للاحتراب بين الدول، او بين الانظمة الدكتاتورية و شعوبها وخاصة في بلدان العالم غير الاوربي، وقد خلق هذا تطورا في مفاهيم وممارسات الدكتاتورية والانظمة الشمولية فأصبحت أكثر شراسة من اجل ان تحافظ على مصالحها ووجودها، واستخدمت العنف بأبشع أشكاله كلغة وحيدة ضد شعوبها،فتعاملت معها وكأنها شعوب محتلة، واتسمت هذه الدكتاتوريات ببعض السمات التي حولتها الى أنظمة فاشية كما حدث في بعض بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية، وفي المنطقة العربية تجلى هذا واضحا في العراق في الحرب الداخلية ضد الشعب أولا، ومن ثم ضد ايران ، او في سياسته العدوانية وطموحاته التوسعية في استغلال ونهب خيرات الشعوب كغزوه للكويت التي كا نت من خلال ديمقراطيتها وثرواتها الطبيعية قادرة على أن تبني نظام ديمقراطي برلماني حر ومؤثر في بلده والجيران ، لذا فانه في ذات الوقت يشكل إستفزازا للنظام العراقي.
و هذا التحول الجديد في بنية الدكتاتورية يحتاج الى تغير في المفاهيم والبرامج الثقافية، ويتطلب من المثقف موقفا وفهما جديدا اكثر من تكيفه في المرحله السابقة . فالمرحلة الجديدة بالنسبة لتطور الدكتاتورية تحتاج الى ذلك المثقف الذي يغذي ويشيع هيكلة وأساليب الفاشية التي سيتبناها النظام، فليس كافيا ان يكون مثقفا متكيفا فقط، وإنما يطالبه النظام ان يساهم في المتغيرات المنهجية الجديدة في سياسته وان يكون محركها الفكري، وهذا يفرض على المثقف ان يلتزم المفهوم الفاشي في الثقافة روحا وممارسة،
( كبلاء بعض مثقفو النظام في العراق في المساهمة في قمع الانتفاضة الشعبية ) تخدعه حجج مختلفة مغلفة بدوافع ديمقراطية زائفة . فيتم التمسك بها كأسلوب للتدجين سيباركه النظام الاستثنائي وسيبرره المثقف المتكيف إعلاميا. وبالتأكيد سيتحول هذا المثقف الى مفكر فاشي مادام يتبنى تلك السياسة التي تشوه الفكر والثقافة الإنسانيتين وتحول الوطن الى ثكنة للحروب اللامجدية ومعسكر اعتقال لعموم الشعب بما فيهم الأطفال الذين يتم تدريبهم على الروح الإرهابية والحقد منذ نعومتهم، تحقيقا لأحلام القائد التوسعية.

سايكولوجية المثقف
و سيبذل السياسي كثيرا من الاموال والمكافأة وأنواط الشجاعة !! لتغذية هذا المثقف ناشر الأبخرة الموبوءة ، فيمنحه الحيلة والقدرة والقوة ومنديل الأمان ليساعده على تعميم منهجه الفكري ـ الارتزاقي وإشاعة التشئ والنظرة الأحادية الضيقة في الحياة والفكر، من خلال إلغاء المقدسات الفكرية( الدفاع عن الحرية الفكرية والاجتماعية والإبداعية) فينجح النظام السياسي والمثقف المتكيف في لملمة مجا ميع من المثقفين المرتزقة الذين سيباركون المرحلة الجديدة التي لا تستغني عن العنف بالمفهوم الفاشي والحروب الداخلية والخارجية. ومن أجل أن يتم إحكام الحلقة المفرغة يبدأ هذا المثقف عملية البحث في تاريخ الثقافة البربرية القديمة لاكتشاف ذلك الفكر الذي يعظم ويؤله الزمن الاستثنائي لطاغية مشابه الى الطاغية ـ الدكتاتور ونظامه الفاشي المعاصر.
ان هذا المثقف المتكيف المدجن لا يكتفي بتبرير السياسة الفاشية لنظامه وإنما سيساهم في قمع انتفاضة شعبه ضد النظام التسلطي من اجل العدالة والخبز والديمقراطية وطفولة وشباب آمن بدل زجهم في معسكرات الحروب . وتتركز مهمة المثقف في زمن السلم والحرب، في التنظير للافكار الجديدة وفي صياغة النظرية او المنهج الارتزاقي لتصبح جزءا من الممارسة الفكرية، ويؤشر تسهيل الطريق أماما الآخرين للتكيف من أجل الحصول على المكاسب مادام مثله الاعلى ( السياسي الاستثنائي) قد سرق السلطة و القوة بهذا التسلق الديماغوجي والملتوي السهل بعيدا عن الشرعية . وسيعمد الدكتاتور السياسي مستقبلا بمعية مثقفه المتكيف، الى سرقة زمن المثقف المتفاعل غير المتكيف و الزمن الابداعي لعامة الناس والامة ، فيكون الخواء هو التاريخ الذي يفرض نفسه، وتقود الجهالة الخراب والسكون الحضاري.

سلطة المثقف المتفاعل
سيكون ديالكتيك الثقافة العربية وتاثيرها الديناميكي هامشيا مالم يأخذ بالاعتبار أهمية الدور التاريخي للمثقف المتفاعل غير المتكيف، ومهماته الا بداعية خارج منطق التكيّف بمفهومه الذاتي والسياسي والاجتماعي كما اشرنا سابقا.
ومن اجل الوصول الى الوعي الخلاق لتطوير ذات المثقف المتفاعل وعدم السقوط في شيزوفرينيا الذات والوعي(حسب افهومة كيركغارد الفلسفية )، عليه ان يعتمد على تماسك ذاته وصلابتها وبنائها، أي اختيار ذاته من جديد للمساهمة في خلق البناء الاجتماعي والحضاري، مادام المثقف الان تخلى عن دوره التاريخي في الصراع الفكري والبناء، بعد أن اصبح مروجا لأفكار وبرامج سياسية. و يفرض هذا أهمية المثقف المتفاعل، صاحب العقل الديناميكي والمعارف المتطورة، وهذه كلها تشكل سلطة المثقف المتفاعل.
فلا يكون للتطورات العظيمة التي حدثت في عالمنا في السنوات الاخيرة أية أهمية مالم تفرض تحققا مطلقا للديمقراطية مما يحتم ملامسة حساسية المثقف المتفاعل لما يحدث في الحاضر الآني، في وقت يخضع التكيف(والمثقف المتكيف) الثقافة والفكر والكتابة الابداعية للزيف الذي يعزز عالما بوليسيا. من هنا تأتي صعوبة الأزمنة التي يمر بها المثقف المبدع والمتفاعل الان. وما رفضه لزيف الواقع الاستثنائي في ازمنة الدكتاتورية ، إلا تأكيدا لانسجام وعيه الفكري والفني. وهو يُعد موقفا ومشروعا حياتيا وتاريخيا.
اذن هكذا مثقف يؤثر إيجابيا كذات مبدعة في العمليات الفكرية والاجتماعية عند توافر الظروف الطبيعية التي اشرنا لها ، وهذه الإيجابية هي التي تمنع عدمية الفكر والثقافة او اغتراب المثقف ( في فترة ما ). بالرغم من ان الاغتراب مرتبط تاريخيا وفلسفيا بالانسان منذ نشوء قلق المجتمع والذات.
ولكن الخطورة تكمن في العمل على تعميم ظاهرة التكيف لدرجة انها لا تشمل المثقف فحسب بل المجتمع لفترة زمنية استثنائية محددة،ولا يمكن للسلطة الدكتاتورية الاستثنائية ان تحقق هذا مالم تخلق الظروف التي تساعد على تكيف قطاعات كبيرة من المجتمع كما حدث في العراق عند وصول البعث الى السلطة في انقلاب عام 1968.
&
&
كوبنهاكن في شمال الكوكب
[email protected]