نبيل شـرف الدين
&
&
&
الساعة الخامسة مساء يوم صيفي قاهري قبل نحو سبع سنوات، كنت قبلها غيرت مسار حياتي جذرياً، وأقف حينئذ بانتظار قرار نقابة الصحافيين لاعتمادي مع العشرات من الزملاء، وقيدي في جداولها "صحافياً مشتغلاً"، وفي مصر ـ باعتبارها بلد شهادات ـ فإن شهادة النقابة أهم من كل الشهادات الجامعية التي يمكن أن يحصل عليها الصحافي.
كان الجو خانقاً في المبنى المؤقت للنقابة، قبل افتتاح المبنى الفخم الحالي، ورزقني الله حينئذ بزميلة حسناء، يعين حضورها على احتمال الزحام والملل، وتشيع في الأجواء حبوراً وألقاً و"طراوة"، تأكيداً على حكمة جدتي القائلة إن "الله مبينساش حد".

...
وبينما نحن على هذه الحال الأليفة من الود والبهجة، نتسامر ونتضاحك بسبب وكل أدب، و"الطراوة" تتصاعد على نحو يبشر بكل خير، إذ بي أجد شخصاً سأكون مهذباً للغاية وأكتفي بوصفه بأنه "غريب الأطوار"، كان قصيراً ممتلئاً بعض الشئ، أصلع .. له شارب استفزازي، ويتحرك بعصبية وجرأة كأن المكان من ضمن ممتلكات صاحب السمو أبيه !.
كان يتحلق حوله عدد كبير من الزملاء الذين أعرفهم جيداً، ويتفاعلون معه بشكل حميمي أدهشني، واستحوذ على جانب من اهتمامي الذي كان منصباً قبل ظهور هذا المخلوق على "هبة الله" التي منحها لي لتزيل عن المرء الملل وتشيع "الطراوة".
المثير في الأمر أنني فوجئت بالزميلة المتألقة، وقد أبدت تأففها مثلي من هذا المخلوق الذي انفجر من دون مقدمات في البكاء، وصار "جعيره" وليس بكاؤه، يسمع زملاءنا في نقابة الصحافيين الصومالية، ويتمرغ على الأرض، والعديد من الزملاء يحاولون النهوض به من الأرض، وآخرون يربتون عليه، وهذا المخلوق "غريب الأطوار" ينهنه و"يتشحتف" كأن أمه ماتت.

...
أنقذني من هذاالمشهد الكئيب الذي لا يدعو إلى التفاؤل أبداً في يوم تاريخي كهذا، نداء حاجب اللجنة باسمي للمثول أمامها، ودخلت مع عدد الزملاء، وبعد خمس دقائق انتهى الأمر، وتم اعتمادنا في "جدول المشتغلين"، ولم تكن الفرحة كافية بصراحة لإزالة النكد الذي خلفه ذلك المخلوق، و"تعكير المزاج" الذي سببه بأطواره الغريبة، فأمسكت بتلابيب زميل ممن كانوا يربتون عليه، وسألته من هذا الشخص ولماذا كان يبكي، فابتسم قائلاً هذا "حسن بسبوسة" ألا تعرفه، انه سعيد لدرجة البكاء لأنه اعتد اليوم صحافياً محترفاً في مجلة "روز اليوسف" ذائعة الصيت.
حينها تذكرت صور حسن في عدة مجلات وصحف، والحق ان الواحدة من هذه الصور كانت تساوي في قيمتها المهنية عشر مقالات من تلك الكيلومترات اليومية من الصفحات المسودة في الصحف العربية، التي نجبر على قراءتها لأسباب مهنية، كانت صور حسن فعلاً فرائس حقيقية لكاميرا يقظة، خلفها عين ماكرة، ويدير كل هؤلاء مزاج شعبي لا ادعاء فيه، وجرأة صادمة.

...
لم يقرر، وربما لم يفكر يوماً حسن عبد الفتاح في احتراف التصوير، فقد دفعت به المقادير إلى سبل شتى، فعمل بائعاً للملابس تارة، وللساندوتشات تارة أخرى، وللصحف تارة ثالثة، ولم يستقر في أي منها، فعمل مع أبيه "بائع بسبوسة"، حتى ساقته المقادير إلى التصوير وعوالم الليل والأضواء، ومنها اختطفته الصحافة الجديدة في تجربة رائعة سرعان ما ابتسرت كان اسمها "الدستور"، وانطلق بعدها حسن بسبوسة إلى آفاق أرحب، وصار ينافس النجوم الذي يقتنص صورهم شهرة ونجومية، ودفع ضريبة ذلك كاملة غير منقوصة، فقد وقف أمام عشرات المحاكم متهماً بملاحقة "علية القوم" بصوره وتعليقاته التي كان يكتبها بتلقائية تنتزع الابتسامة من وجه الأستاذ جميل عازر شخصياً، كما تعرض حسن لتحرشات "البودي جارد" و"الفتوات" الذين يرافقون هؤلاء المشاهير، وكم من كاميرات تحطمت، فضلاً عن رأسه التي أثبتت أنها كانت أقوى من كل المنتجات اليابانية والأميركية وحتى الروسية، فلم تتحطم تلك الرأس ولا مرة، بل ظلت "ناشفة" رغم عشرات المعارك التي خاضها ـ أو أجبر على خوضها ـ في باحات الفنادق والملاهي والنوادي، وحتى القصور الخاصة، فلم يكن حسن يعرف اليأس، ولا الملل، ولا الخوف شأنه في هذا شأن أي صياد محترف، يعرف من أين تؤتى الفريسة.

...
على جدران شقته، وكالأطفال كتب حسن بقلم رصاص: "الناس هدموا أجمل قصة حب طاهرة في حياتى مع ملكة جمال الجزائر سارة، وكتب أيضاً: "الزعيم الحقيقي للعالم هو عادل امام"، وكتب أيضاً: "الأهلي مات بموت الرمز صالح سليم، يا خسارة يا أهلي", وترك رسالة جاء فيها "كل من يدخل هذه الشقة يقرأ الفاتحة على أخي ابراهيم وأبي وصديقي الراحل علاء ولي الدين".
لم تكن مفاجأة أن يختفي حسن على هذا النحو، ففضلاً عن أن هناك ما يبرر الأمر في الأجواء العامة بمصر، فإن ما رآه حسن خلال سنوات قليلة من مشاهد صادمة لشاب قادم من مجتمع البسطاء في حواري القاهرة، وأحيائها الشعبية، كان كفيلاً بإصابته ببعض الدوار الذي أسلمه لاحقاً إلى حالة اكتئاب حقيقية، دفعته إلى الانسحاب من الصخب والضجيج والأضواء، ليذهب إلى أي مكان يستعيد فيه توازنه النفسي، ويتصالح مع ذاته، خاصة وأنه في نهاية المطاف رجل بسيط، "على قد حاله"، لا قبل له بمواجهة كل هذه الديناصورات التي اصطادتها عدساته، ولم يترتب عليها أن أصبحت زيارات المحاكم مهمة يومية فحسب، بل وصل الأمر إلى حد تهديده بعواقب وخيمة، تبدأ من "قطع العيش"، ولا تنتهي عند التلويح بتصفيته جسدياً وقبلها معنوياً.

...
يا أبو علي ..
لا أزعم أننا كنا أصدقاء ذات يوم، بل على العكس، كانت انطباعاتي الأولى عنك سلبية، ليس لأمر عرفته عنك، بل لأني لم أكن أعرفك بالأساس، لكن الآن وبعد أن عرفت، أؤكد لك أن "الحال من بعضه" يا عزيزي، فكلنا هذا الرجل المحبط المكتئب الذي لم يبق ظهراً ولم يقطع أرضاً، كلانا، ومعنا المئات وربما الآلاف، من أبناء الصمت والقهر و"التحايل على المعايش"، صدقنا أكاذيب كثيرة، كانت أخطرها أن "الحقيقة سيدة الموقف"، وأن الارتكان إليها منجاة وعاصم، غير أن الحقيقة الأخرى الأكبر من هذه، أن أوطاناً تلتهم ابناءها، وتفاضل بينهم على أساس قدراتهم ومواهبهم في ممارسة النفاق، لا يمكن أن تتسع لهؤلاء القابضين على إنسانيتهم، وسط محيط من الهوس الشعبي، وأنظمة راسخة كأنها القضاء والقدر، فاهنأ يا عزيزي بالحياة في نيجيريا، إن صحت هذه الرواية، وقد فعلها قبلك العقيد القذافي، حين قرر أن يطلق العروبة ثلاثا، ويتجه إلى أفريقيا، ورغم صرعات الرجل الأخضر الكثيرة، غير أنه كان مصيباً في هذه المسألة تحديداً، وقديماً قالوا "خذ الحكمة من أفواه ..." .
والله غالب على أمره