كمال سبتي&
&
&

&يقول عددٌ من كتب التراث انَّ آخرَ شعرٍ كتبه أو قاله أبو نؤاس، وهو يحتضر، كان مطلعه:

&&&&&&&&&& دبَّّ فيَّ البلاءُ سُفْلاً وعُلوا
&&&&&&&&&&&&&&&&& وأراني أموتُ عضواً فَعضْوا


لكنّ بعض هذه الكتب، وهو معتبرٌ كأخبار أبي نؤاس لإبن منظور، وغيره، حين يؤكّد الخبر كلَّه، يغيّر مفردة البلاء إلى الفناء:
دبَّ فيَّ الفناءُ..
وفي المعجم الوسيط، نقرأ: البلاء.. المحنة تنزل بالمرء ليُختبَرَ بها، والغمُّ والحزن.. وعن الفناء نقرأ : فنيَ الشيءُ فناءً : باد وانتهى وجوده. ويقول القرآن : كلّ من عليها فانٍ، وفنيَ فلانٌ يقول المعجم أيضاً، وأنا أخالفه هَرِمَ وأشْرَفَ على الموت. وأخالفه لأن المعنى الأخير يناقض المعنى الأول،" باد وانتهى وجوده "، تماماً..
لكنَّ رواة الخبر الشعريّ، بأبياته، لم يجدوا خلافاً كبيراً بينَ الكلمتين.. أو انهم فضَّلوا الفناء على البلاء، لأنها- الفناء - تدلّ على الموت..
وأحسبُ أَنْ لم يكن قد خطر في بال أحدهم أنَّ مقالاً سوف يُكتَبُ ذاتَ مرّة، حول رواية البيت بالبلاء ام بالفناء، فالأمر ليس بذي خطيرأهمية، فهو واقع كثيراً ومكررٌ كثيراً أنْ في الشعر أو في غيره من فنون الكتابة الأخرى..
لكنني أعرف انهم مدقِّقونَ، و فاحصونَ في المعاني.. ولهم في هذا الباب مؤلفاتٌ كثيرة، بل انهم وسَّعوا في هذا الباب، وجعلوهُ أَبْواباً.. من الأنصاريّ في " مغني اللبيب.. " إلى الجرجانيِّ في " دلائل الإعجاز.."، ومن بينهما ممن اِختلفَ معهما في النظرإلى علم المعاني، فسلك فيه سلوك أهل الفلسفة والمنطق، أو من ترك كلّ هذا، و اعتَمَدَ على ذائقته يستدلّ بها على المعاني..
فما أنا بشاكٍّ في حصافتهم في هذا الشأن..
لكنَّ اللغة في معاني مفرداتها تختلف من عصرٍ إلى عصر..لكثيرٍ من الأسباب، بل للأسباب كلّها، فقد لا أرى الآن في مفردة، ماكان غيري يرى فيها قبل مائة عام مثلاً..
انَّه التطوّر الشّخصيّ للمفردة.. ونموُّها المعنويّ..
لذا لا أرى الآن شَبَهاً بين البلاء والفناء..
بل انّني الآن أرى انَّ أبا نؤاس قد قال " أو كتبَ " بيته بالبلاء، لكنَّ أحداً وقد يكون أدونيس، غَيَّرَ" البلاء " إِلى الفناء..!
تبدو البلاء مفردةً محسوسة، بالتعبير الإغريقيّ للحسيّين..
فهي أقربُ إِلى أبي نؤاس في حاله، على فراش الموت.. وأقربُ إِليَّ في حالي الساعية لإمتلاك حال أبي نؤاس كلّها..

والمتنبي يقول :
&&&&&&&&& " بضدّها تتعارفُ الأشياءُ"&&

فكيف هي مفردة الفناء ؟.. تبدو هذه المفردة الآن وكأنّها الفلسفة كلّها، مثاليّة وماديّة، وكأنَّها أطنانٌ من الكتب المؤلّفة في العصور كلّها، وأكثرها عصرنا :
السجالاتُ والهرطقاتُ كلّها.. من انَّ المادة لاتُفنى ولا تُستحدثُ، إلى: كلّ من عليها فان..
فهل هي "البلاء " : المحنة ُ، والمرض ؟
أقول : لا، بدونِ عناء تفكير..
ولقد ذكرتُ أدونيس، فما شأنه في هذا ؟
مسعى أدونيس الشعريّ مسعىً ذهنيٌّ حسْبَ، والمسعى الذهنيّ هو مسعىً لغويّ، بل انني أكاد أكون واثقاً من أنّ أدونيس، اِذا ظهرت "البلاء" في كتابته، فإنه يغيّرها سريعاً إلى"الفناء"..لأنَّ الأخيرة لها تاريخٌ سجاليّ في المنطق والفلسفة، &بينما البلاء مفردة بلا تاريخ سجاليّ أو لغويّ، كما نقول الآن في هذا المقال..
والشعر الذهنيّ له بحثه في الجمال.. ونحن نحبّه أحياناً حبّاً جمّاً، ونُعْجَبُ به أيّما إِعجابٍ.. اِسْمعْ ما يقولُهُ المتنبي عندما كان يصف خيولَ سيفِ الدولة التي كانت تتعثر برؤوس القتلى من الأعداء:

&&&&&&&& وَتَعَثَّرْنَ بالرّؤوسِ كما مَرَّ بتاءاتِ نُطْقِهِ التّمتامُ

هذا البيت قد يكون إِعجازاً حقاً في الشعر، لكنّه إِعجازٌ ذهنيّ، لغويّ محضٌ، في التشبيه بكما مرَّ بتاءات ِ نُطْقِهِ..
واذا نجح الشعر الذهنيّ الخالص مرّة، وهو هنا بيت شعريّ واحد، فلا يدوم نجاحه طوال الوقت، لأنَّ الأمر سيُشبهُ دخولنا درساً في اللغة لاينتهي، من الصبح إِلى الصبح التالي..
وهذا ممّا لا يطاق..
لكنَّما الحسُّ قد يسفّ لوحده، بل انَّ أكثره هو إِسفافٌ، فيكون على الشاعر أن يقوم بدور ذاك الرقيب،عند فرويد،على الوعي..
وكان ت.اس. إليوت قد وجد ضالّته في هاملت، فكتب عن المعادل الموضوعيّ بين الفكر والعاطفة..
ولأمرٍ ما كاذبٍ، شاع في الحداثة العربية الشّغلُ اللغويُّ البارد، فظنَّ السلفيّونَ انها كلّها شغلٌ لغويّ، أو فرحوا بهذا فوصفوها كلّها به..
مهارةُ الشاعر " الرقيب الفرويدي" هي التي ستمنع شعره من أن يكون مسِفّاً في العاطفة، حَدَّ خسارة الفنّ في رُقيِّهِ وعُلوّهِ على ماهو عاديّ، تافهٌ ومألوف..
وصدقُهُ الشعريّ، كونُهُ كائِناً تراجيديّاً، أعزلَ في هذه الحياة، هو الّذي سيمنعُهُ من جعل الشعر ترفاً لغويّاً بارداً..
وقد بدأت الحداثة الشعريّة العراقيّة من هنا..
إذا كان ثّمَّة خطوة أولى لها.. أو إذا سأَلتموني عن خطوة أولى لها فخذوها منّي:
التفكير في هذا كانَ خطوتَها الأولى..
&
&
تنشر هذه المقالة بالاتفاق مع الشاعر العراقي كمال سبتي،
المكتوبة خصيصا لزاوية الاربعاء (5 نوفمبر)&في موقعه&
www.kamalsabti.com