بيروت - أحمد الأسعد ونديمة عيتاني:بكت السيدة نجلا وارتجفت كأنها في عزلة الوهن والالم والخوف، هكذا غمرت وجهها براحتيها وطفرت الدموع من عينيها حين سألناها عن جزئها الآخر الذي ودعته.
نجلا سعد الانسانة حتي تحق الحقيقة ما زالت تستخدم الاخلاق سلاحاً تعمر به حلمها اللامتناهي، طارحة كل المقولات جانباً بأن الاصيل واحد فقط وما تبقي مجرد اسماء لا تملك الا كنية العائلة، وان مصطفي هو الحالة التي تجمع ارثاً وفكراً بوسع اناس يريدون ان يبصروا بعينيه ليصنعوا من الواقع وطناً فيه رائحة الازل، وقيماً تشبع شعباً بكامله.
الحوار مع هذه السيدة يأخذ اكثر من بعد حتي يغوص في فلسفة الانسان والحياة والوجود والكرامة.
هل كان بالامكان إنقاذ بصر ابو معروف؟
- لم ترد ولكنها ارتجفت شفتاها وسقطت دمعتان وخبأت وجهها بين يديها ثم رفعت يدها اليسري وقالت: عندما تعرض لجريمة الاغتيال كنت في جينيف، عدت الي لبنان وقرأت التقارير الطبية كان واضحاً انه تم التلاعب بالعين السليمة لمصطفي. لأنها لم تكن تحتاج لجراحة. وعلمت من اشخاص مقربين منه ان مصطفي تعرض لأكثر من محاولة اغتيال. كانوا يريدون ان يفقد نظره وعقله لا وبل حياته. لكن لم يشأ القدر وانا لم اخبره عن مسألة "عيونه" حتي لا احرجه ولم اصرح بهذا الامر للصحافة حتي الآن.
ما هو الدافع الرئيسي الذي حفزك لانشاء مركز "بنك العيون" ومن ابصر النور بعيني "ابو معروف"؟
- الحافز الاساسي الذي دفعني لتنفيذ هذا المشروع الانساني، هو التفجير المروع الذي تعرض له مصطفي سعد وفقد من جرائه بصره، اذكر يومها حين اطلقنا المشروع انني وجهت الحديث مباشرة لـ"أبو معروف" امام لفيف من رجال الدين، وكان وعداً مني قطعته علي نفسي قائلة له "أنت يا مصطفي سعد فقدت نظرك وراح نور عيونك، سوف يكون هناك آلاف من العيون يبصرون النور لأجلك".
بارك يومها رجال الدين هذه الخطوة وتحدثوا عن النظرة الدينية التي تحرم او تمنع التبرع بالأعضاء ووهبها.
مصطفي سعد رجل تتجلي سعادته في العطاء، رغم المآسي التي عاشها كان مبدأه في الحياة اسعاد الآخرين، خاصة الفقراء، وبذل الغالي والنفيس في سبيلهم وهل هناك اغلي واثمن من التضحية التي قدمها في سبيل الوطن "زوجته وابنته وبصره".. واي انسان آخر تعرض لما تعرض له لكان اعتزل العمل السياسي وتنحي جانباً، اما مصطفي سعد فلم يرم سلاحه حتي وافته المنية، لقد حول مأساته الي فرح واراد للمئات من الذين فقدوا ابصارهم ان يبصروا النور من جديد.
لماذا بكيت عندما ذكرنا اسم مصطفي سعد، وهل كنت ستقومين بالمشروع لو كان بصيراً؟
- لقد انجزت المشروع لاني عشت المعاناة، اردت ان اري عيون مصطفي سعد في عيون الآخرين عندما يبصرون، اما لماذا بكيت، فأنا افتقد هذا الانسان الذي عشت معه كل ثانية وكل دقيقة، ولا اوفيه حقه ولو بقيت العمر كله ابكي.
متي انشأتم المركز؟
- المركز انشيء منذ اقل من شهر ولم ينته العمل به وسوف نفتتحه العام المقبل بإذن الله، ونحن نمارس عملنا الآن بمركز آخر مؤقت لمصطفي سعد، وكانت رغبته بإنشاء مركز مستقل وجهز قطعة الارض وابتدأنا المشروع لكن العمر لم يمهله ليري المشروع جاهزاً.
ما هو الاسم الذي ستطلقونه علي المركز؟
- لقد أخذنا علما وخبرا من وزارة الداخلية واطلقنا عليه اسم "المركز الوطني للعيون" اسميناه كذلك لانه لكل الوطن العربي وليس فقط للبنان.
ونحن نستقبل في المركز الاخوة الفلسطينيين ولهم نفس المعاملة وياتينا مرضي من سوريا، وارسلت لنا وزارة الصحة مرضي من مصر، فنحن نعالج المرضي من كل الجنسيات ومركزنا مفتوح لكل الاشقاء العرب.
كيف تم تمويل المشروع؟
- حصلت علي قرض من البنك علي ضمانتي الشخصية، لان المصارف لا تقرض الجمعيات وطلبنا المساعدة من وزارة الشؤون الاجتماعية، يبقي دفع المبالغ الكبيرة علي عاتقنا الشخصي، ولا نكترث للمادة في سبيل عمل انساني وشفاء من هم بحاجة.
مررت في الماضي بتجربة اصعب من ذلك، لذا تراني لست خائفة اليوم من انشاء المركز مع ان التكلفة ستكون اكبر بكثير من الماضي لاننا سوف نستغني عن اجراء العملية بالمستشفي وهذا يتطلب شراء معدات طبية باهظة الثمن، ولن نحمل المريض اعباء التكاليف، بل سيدفع رسماً رمزياً وكانه يعالج في مستوصف، فلقد كنا نجري عمليات الزرع في المستشفيات وندفع التكاليف لاصحاب المستشفي.
الآن وبعد انشاء المركز سيشعر المريض وكأنه في منزله، خاصة اننا جهزنا طاقماً من الممرضين والممرضات الذين تطوعوا خصيصاً لخدمة ومساعدة المرضي.
كم عملية زرع قرنية أجريتم حتي الآن؟
- أجرينا حوالي 500 عملية زرع قرنية، وكثر الطلب علينا، لانه كلما اجرينا عملية ونجحت تكتب عنها الصحف، فنفاجأ بالكم الهائل من الناس الذين يريدون اجراء عملية زرع قرنية.
ما هي نسبة المكفوفين في لبنان؟
- ليس لدينا احصاءات دقيقة حول هذا الموضوع، ولكن هناك نسبة كبيرة نعلم ذلك من الاطباء الذين نتعامل معهم، تتمركز اكبر نسبة من المكفوفين في منطقة الجنوب والبقاع وهناك نسبة ضئيلة بمنطقة عكار، واكثر المرضي بحاجة لعملية.
ما هي اسباب تلك الاصابات؟
- مسالة الاصابة بالقرنية قد تكون منذ الولادة، او اذا تعرضت العين لمرض معين وكل انسان معرض للاصابة، اما الاسباب فمردها للفقر والبؤس والحرب والتلوث، والمزارعون بشكل عام عرضة اكثر من غيرهم بسبب الالغام التي خلفتها اسرائيل بالارض، ناهيك عن الاشياء المدفونة تحت الارض.
لماذا لا تنشؤون ناديا للمبصرين، الا ترين معي ان 500 مبصر يستحقون ان يكون لهم ناد خاص؟
- نفذنا هذه الفكرة مرة واحدة واردنا ان نكرم الاشخاص الذين رحلوا وتبرعوا بعد وفاتهم فدعونا اهاليهم والمرضي الذين اجريت لهم العملية، كانت الفكرة ناجحة وجميلة جداً، لانهم تعرفوا علي بعضهم البعض واندمجوا بمحبة فالذي فقد شخصاً عزيزاً عليه ان يشعر وكانه موجود لانه وهب النور للآخر بعد مماته، ولكن تعلمون الوضع الاقتصادي صعب جداً في لبنان. ولا نستطيع ان نجمعهم دائماً لان علينا احضارهم من كافة المناطق اللبنانية وهذا امر يحتاج للعناء والوقت ونتمني ان نحققه في المستقبل لانهم يستحقون ذلك.
كم تبلغ نسبة النجاح في عملية زرع القرنية؟
- تبلغ نسبة النجاح 99% لان عملية زرع القرنية ليست حديثة العهد في قانون الطب وتختلف عن سائر عمليات زرع الاعضاء الاخري، ولكن قد يرفضها الجسم في بعض الاحيان لسنوات اما بسبب الاهمال او كثرة الحركة بعد اجراء العملية، وهذه ليست مشكلة بحد ذاتها لاننا نستطيع ان نعيد اجراء العملية مرة اخري، وعلي المريض ان يتبع تعليمات معينة بعد اجراء العملية، عليه مثلاً ألا يحمل اشياء ثقيلة، وعلي الاهل مراعاة الاطفال الذين اجريت لهم عمليات زرع فلا يسمحون لهم اللعب بكثرة ولا التعرض مطولاً للشمس والهواء والقرنية كلما خاوت الجسم تصبح جزءاً منه.
كم من الوقت تبقي القرنية صالحة للاستعمال بعد التبرع بها؟
- تحفظ القرنية لمدة 12 ساعة بعد التبرع، ولم يعد من الضروري ارسال جثمان المتوفي الي المستشفي، بل يأتي الطبيب الي منزل المتبرع، وينزع القرنية بعشر دقائق ثم يضعها في دواء خاص "OPTIZOL" ثم نحتفظ بها لمدة 15 يوماً قبل زرعها، واحياناً يتم الزرع مباشرة بعد التبرع، طبعاً بعد ان تنفحص القرنية من قبل الطبيب للتاكد من سلامتها.
علمنا ان فنان الشعب احمد الزين اوصي بوهب عينيه بعد مماته الي "بنك العيون" فهل هناك شخصيات اخري متبرعة؟
- الفنان أحمد الزين انسان بكل معني الكلمة، وهذا الامر ليس بالجديد عليه ولم يفاجئني، فأنا اعتبر فنان الشعب "أبو حسن" مناضلا تبرع بكل ما يملك للجمهور اللبناني والعربي، قدم صحته وماله وبث روح النضال والمقاومة في اعماله وخاطب الصغير والكبير علي السواء، ودفع الثمن، ومن خلال هذا التبرع الكريم احب ان اوجه دعوة عبر جريدة الراية ليس فقط للشخصيات الفنية ولكن لكل الناس، ان يتبرعوا بأعضائهم بعد مماتهم وخاصة "القرنيات" فإذا حصل هذا الامر يمكننا الاستغناء عن استيراد القرنيات من الخارج.
من أين تستوردون "القرنيات"؟
- كنا نستورد القرنيات من أميركا، لكنهم لن يفضلونا علي مواطنيهم، لذا تراهم يرسلون لنا الفضلات، في أعياد الميلاد ورأس السنة؟
لماذا في الاعياد، ما الدافع من وراء ذلك؟
- عادة هم لا يرسلون القرنيات لاحد لانهم يستهلكون كل الكميات المتوافرة لديهم ولكن في اعياد الميلاد، وراس السنة معظم الاطباء يسافرون لقضاء الاجازة ومن المعروف انه تكثر حوادث السير هناك في الاعياد، ماذا يحصل؟ ينزعون القرنيات ويعتبرونها فضلات ويرسلوها لبلدان دول العالم الثالث مثل لبنان ومصر وسواها، طبعاً هذا الاستيراد مكلف لان القرنية المستوردة من الخارج تحتاج الي صيانة وادوية وغير ذلك، تتكلف القرنية الواحدة الف دولار، وكنا مضطرين لدفع هذه التكلفة لانه عندما بدأنا المشروع كانت هناك صعوبة في اقناع الناس بالتبرع لانهم لم يعتادوا علي الفكرة حتي ولو بعد الوفاة، لذا كنا نستورد من الخارج.
ولكني اقول لهم اي عضو بجسم الانسان يفيد انسانا آخر يجوز التبرع به شرعاً بعد الوفاة، لأن الروح تذهب الي خالقها، الناس ما زالت متخوفة من الفكرة ولا تعلم انها بهذا التبرع سوف يبصر اناس آخرون النور بالقرنية التي تبرع بها ذوو الشخص الميت، لأن هناك انقاذا لحياة انسان.
من وهب عيونه من صيدا وغيرها ومن ابصر النور بعيني الآخر؟
- علي صعيد الشخصيات لم يتبرع احد سوي المبادرة التي قام بها الفنان أحمد الزين، لكن المتبرعين الحقيقيين هم الاناس البسطاء والفقراء الذين يشعرون بآلام الآخرين، وتشير الاحصاءات لدينا في المركز ان اكثر المتبرعين هم من منطقة شرق صيدا، ولا يسألون الي اين تذهب تبرعاتهم وهذا ان دل علي شيء فهو دليل ثقة بنا، ودائماً عندما تكون هناك عملية تبرع نقوم بالخطوة التالية: ثم نطلب من المريض بعد اجراء العملية ان يذهب الي أهل المتبرع ويقدم لهم التعازي فيه، كي يشعروا ولو بقليل من السعادة، صحيح هم فقدوا شخصاً عزيزاً عليقلوبهم، ولكن هذا الشخص حول المأساة الي فرح ونور.
ما هي أحدث عملية زرع قمتم بها في المركز؟
- اجرينا زراعة قرنية منذ فترة وجيزة لرجل تجاوز الستين من العمر ولم يبصر النور منذ عشر سنوات، وكان نظره ضعيفاً فيما مضي، ابصر النور وتكللت العملية بالنجاح ولله الحمد
واجرينا العملية لشاب تأثرت به كثيراً لم يبصر النور منذ حوالي 25 سنة، وعندما نجحت العملية وابصر النور من جديد، ابكاني عندما قال: لم أكن اعلم ان الحياة حلوة بهذا الشكل، سوف اظل ابكي وادعو لـ مصطفي سعد طالما حييت".
هل أجريتم زراعة قرنية لأطفال؟
- قمنا بإجراء عمليات زراعة قرنية لعدد كبير من الأطفال وتكللت بالنجاح، ومن القصص التي حفرت في داخلي ولا انساها، قصة طفل معوق لا يري ولا يسمع ولا يتكلم. أجرينا له الجراحة وابصر النور من جديد. وكانت سعادة أهله به بالغة لأنه اصبح يري ويشاهد التلفزيون. اما من تبرع بالقرنية لهذا الطفل المسكين. فلقد صدف ان توفي والد الاب سميح رعد بحادث سير مروع، ولكن وسط المه وحزنه اتصل بنا وقال اريد ان اهب عيون والديّ لـ "بنك العيون".
ما هي اهم المؤتمرات التي شاركتم بها عن زراعة القرنية؟
- أقمنا مؤتمراً في بداية المشروع، اذكر يومها حاضر فيه طبيب من اميركا وقال عن زراعة القرنيات ما معناه: انه لا توجد قرنية غير صالحة للزرع حتي وان كانت لا تصلح فإننا نجري عليها اختبارات عدة، حتي نتلافي الضرر مرة أخري، لا شيء يتلف عندهم او يذهب سدي.
هذا في لبنان، اما في الخارج فلقد شاركنا في مؤتمر مهم دعمته المملكة العربية السعودية، واود ان اشير الي انه يوجد هناك مركز وهب اعضاء علي غاية من الاهمية، مع العلم ان السعودية بلد اسلامي محافظ ومتشدد، ولا يمكن مخالفة الشريعة هناك، فتحدث أحد الاطباء يومها في المؤتمر عن استيراد القرنيات من اميركا قائلاً: انهم سوف يمنعون اي شخص كان حتي ولو معه ملايين الدولارات من استيراد القرنيات، لأنهم بحاجة لها اكثر منا، وليس عندهم اكتفاء حتي يصدروا للخارج، بل ذهب الي ابعد من ذلك حين قال، انهم سوف يمنعون اجراء عمليات زرع للاجانب.
هذا الكلام يجب ان يكون بمثابة حافز لنا ويجعلنا ندرك ونحس اهمية لا بل خطورة الموضوع، فلماذا علينا ان نستورد القرنيات من اميركا، ويمكن توفيرها داخل البلد؟ لماذا نضع انفسنا تحت رحمتهم؟.
هل تفكرين بتوسيع العمل في المركز، كزرع اعضاء اخري علي سبيل المثال غير القرنيات؟
- أفكر بإنشاء مستشفي للعيون، وهذا الامر نتركه لله والمستقبل، ولا استطيع توسيع دائرة العمل بشكل ان تطال زرع اعضاء اخري لاننا سنحتاج عندها لمركز اكبر وتكاليف اكثر وانا افضل ان اعمل في دائرة ما وانجح فيها، ولله الحمد عملنا ناجح. واتمني ان تعمم الفكرة علي كافة ارجاء وطننا العربي.
دعيت منذ فترة سنة لحضور ندوة في أبو ظبي حول تجربة مركز بنك العيون للشيخ زايد من اجل التنسيق والمتابعة فيما بيننا، ولكن مع الاسف اقفل هذا المركز بطلب من الاميركان لخلفية ما نجهلها، وقلت يومها في كلمة القيتها هناك "إن هذه التجربة البسيطة والمتواضعة في لبنان يمكن ان نعممها علي كل الوطن العربي، علينا ان نبدأ من الداخل، ومهما كان الامر صغيراً، الا انه يحل كثيراً من المشاكل، اولاً من خلال وهب الاعضاء يستطيع الشخص الذي عنده اعاقة ان يمارس حياته دون مساعدة او شفقة من أحد ويستطيع ان يبصر النور من جديد بتكاليف بسيطة ولا ينقصنا في عالمنا العربي الخبرة ولدينا خيرة العلماء والاطباء، نحتاج فقط للعمل والدعم المادي فقط.
ما هي الحالات التي اثرت بك؟
- تأثرت بحالتين، آنسة من "جباع" فقدت نظرها لمدة 12 سنة، التقيت بها قبل اجراء العملية، كانت يائسة وحزينة، عيناها جميلتان مع ان المرض اخفي لونهما الازرق، حزنت عليها كثيراً لانها كانت فاقدة الامل من الحياة.
أما السيدة الاخري، فلقد كانت معاناتها اصعب، طلقها زوجها بعد ان فقدت النظر وترك لها طفلين، فكانت تشعر بحرج شديد من اهلها، وانها عبء عليهم اجرينا لها العملية تكللت بالنجاح، قالت لي حينها: كنت احمل هم شهر رمضان أما الآن انتظره بفارغ الصبر لاني استطيع ان اخدم نفسي، وانطلقت بالحياة وتابعت عملها، واعتقد اذا شاهدها زوجها الآن فلن يعرفها لانه سيري سيدة مختلفة بكل معني الكلمة.
خسر لبنان قطباً من اقطاب الزعامة وركيزة سياسية معارضة ما هو حال لبنان وتحديداً مدينة صيدا بعد رحيل ابن زعيم الشعب والفقراء؟
- مأساة لبنان كبيرة، لكن مأساتي اكبر ولن تعوض، لقد فقدت الزوج والحبيب والأخ والصديق، وتتعاظم المأساة عندما اطوف شوارع صيدا وأري حال الناس هناك بعد رحيل ركيزتهم" وسندهم لقد فقدوا شخصاً لا يعوض، خاصة في زمننا هذا، كلنا علي علم ان مصطفي سعد كان نصيراً للفقراء، لقد كان يدعم قضية الصيادين في صيدا بشكل كبير، ومنع اي سياسي مهما بلغ شأنه ان يتعرض لهم، ولكن عندما فقدوه، ولم يعد هناك من يناصرهم اجتمعوا في تظاهرة كبيرة وذهبوا لزيارة قبر الراحل وضعوا علي المقبرة رسائل تتضمن شكواهم، وكانهم يناشدونه ان ينهض ويمد لهم يد العون وهو في الملكوت الآخر، تتلخص القضية بان القيمين علي مدينة صيدا ولهم نفوذ كبير فيها ارادوا ازالة وجرف محل الصيادين بحجة توسيع الميناء، فتصدي لهم مصطفي سعد ومنعهم من تنفيذ الامر، الآن لم يعد هناك من يقف لهم بالمرصاد، فنفذوا غايتهم وطردوا الصيادين من عملهم مع ان تصريحاتهم حول هذا الموضوع تقول "ان البشر قبل الحجر" لكن الكلام شيء والتنفيذ شيء آخر، اعتقد انه ينبغي علي الدولة ان تراعي وضع هؤلاء وغيرهم وقبل التفكير في نقل شخص من مكانه والتسبب بقطع رزقه، ينبغي ايجاد الحلول البديلة والمناسبة.
لقد كان مصطفي سعد يمثل للصيادين وغيرهم الملاذ والامان، لذا توجهوا الي قبره علهم يلتمسون قبساً يرشدهم.
ما هي قصة الحب التي نشات بينكما قبل الزواج؟
- تعرفت علي مصطفي واعجبت به وانا علي مقاعد الدراسة، ثم تزوجت وسافرت الي الخارج "سويسرا" وسكنت هناك مدة 14 سنة، كانت حياتي مرفهة ولكن مملة ولم اشعر بالمعاناة ولم اتذوق طعمها، لدي اسرة وسعيدة مع ابنائي، لكني كنت اشعر بغصة وبنقص كبير لاني اعيش خارج بلادي، وانا من المولعين بالعمل السياسي واحب ان اخدم بلادي، والظروف فرضت عليَّ ان اكون بعيدة، ولكن القدر لعب دوره فحصلت امور حملتني علي العودة الي لبنان، وقابلت مصطفي من جديد وشاء القدر ان اتزوجه، ولي الفخر والشرف بهذا الارتباط، الذي لولاه لبقيت اعيش حياتي السابقة، مع مصطفي احسست بقيمتي الانسانية.
قبل ان اتزوجه كنت من المعجبين بوالده الزعيم معروف سعد وكان الناس يندهشون من هذا الحب والولاء، لأنني ابنة الجبل والمفروض ان انتمي لزعيم آخر.
هل كنت تشاركينه العمل السياسي؟
- كنت بمثابة المستشار السياسي له. اسانده في كافة الامور سواء في المعترك السياسي او ميدان العمل الاجتماعي الإنساني. وعندما دخل الندوة البرلمانية نذرت حياتي لهذا العمل، لأنه يتطلب جهداً رغم ان مصطفي سعد لا يحتاج لدعاية اعلامية لينجح في الانتخابات اسمه محفور في ذاكرة الصيداويين، مثل العملة الصعبة لا غبار عليه. اما الآن وبعد ان رحل اعتزلت العمل السياسي ولن اشارك في معركة الانتخابات المقبلة ولكني علي ثقة تامة بأن هناك جنداً يكملون الطريق وهم سائرون علي نفس خطي الراحل منهم شقيقه الدكتور اسامة سعد، الذي كان يعمل في الحقل السياسي منذ 17 عاماً ويساند أخاه وهناك شخصيات كثيرة تسير علي خطي الراحل في الجنوب وبيروت والشوف وهم الآن يمدون يد العون لشقيقه.
بماذا اوصاك وبمن اوصاك قبل رحيله؟
- مصطفي سعد لم يجعلنا نشعر للحظة بأنه سيغادر رغم انه كان علي معرفة تامة بمرضه وخطورة هذا المرض والنتيجة الحتمية التي تؤدي اليه. رغم ذلك كان يعيش الواقع ويناضل لأجل الاستمرارية، من ناحية كان يشد ازرنا ومن ناحية اخري يساند الاناس الذين احبوه ووقفوا بجانبه.
لقد ظل مصطفي سعد يستمع الي شكاوي الناس ويحل مشاكلهم وهو راقد في المستشفي ومنع الاطباء ان يمنعوا عنه الزيارة وكان يأمرني ان احل مشاكل الناس وهو في فترة العلاج.
وعندما لم يعد هناك امل في الشفاء جمع الاسرة واخبرنا بماذا قال الطبيب "ايامه معدودة فأوصي اولاده بعدة امور ثم التفت نحوي وقال اوصيك بعائلتي الصغري والكبري (اهالي صيدا) واطلب منك ان تستمري في العمل الإنساني الذي بدأناه معاً.
ماذا يحتاج هذا العمل الانساني منك وهل يستطيع كل إنسان ان يقوم بهذا العمل؟
- كل إنسان مهما كان شأنه يستطيع ان يمد يد العون للآخرين اقول هذا العمل الإنساني قلب كياني وحولني من إمرأة عاطفية الي امرأة قوية صلبة تتحدي الصعاب، اصبح لحياتي معني ومغزي، وصار عندي ولع بهذا العمل. أسعد كثيراً عندما يخبرني الطبيب بأن احد المرضي قد ابصر النور من جديد، عندما توفي مصطفي اصبت بالاحباط وانعزلت لفترة عن الناس وعن ممارسة عملي ولكن استمديت منه القوة حتي بعد وفاته وعدت لممارسة هذا العمل بناء علي وصيته ورغبته.
كيف تقيمين علاقتك مع النائب بهية الحريري؟
- تربطني بالسيدة الحريري علاقة صداقة بعيداً عن النزاعات السياسية وتربطني بالشخصيات السياسية في صيدا وغيرها صداقات وعلاقات اجتماعية حميمة. ولكن بعد رحيل مصطفي لم يعد عندي حافز لمتابعة العمل السياسي ولكني مستمرة في النضال. واعتقد انه راضٍ عن عملي لأنه عندما يبصر الناس من خلال عيونه ولأجل عيونه فهذا امر جليل. والعمل الانساني لا يقل شأناً عن العمل السياسي.
هل حصل وتبرع الرئيس الحريري للمركز الوطني للعيون؟
لم يحصل هذا الأمر وان حصل اقبل التبرع ولكن دون فرض شروط مسبقة. لقد حصل ان اتي الي المركز عائلة من آل الحريري يريدون اجراء عملية زرع قرنية لولدهم (محمد الحريري). استقبلتهم بكل رحابة صدر رغم انهم كانوا متخوفين. لكننا اجرينا العملية وتكللت بالنجاح.
أننا نقوم بعمل انساني ولا نسأل عن انتماء الشخص وولائه السياسي ولا عن انتمائه الديني.
وعملنا مبني علي قاعدة، لدينا لجنة في المركز تنظر في حالات المرضي وتبدي من هم بحاجة، هناك مرضي مثلاً يحتاجون لزراعة قرنية واحدة ومرضي بحاجة لقرنيتين، واولائك عليهم خطر لأنهم قد يفقدون النظر بالمرة.
هل يستقبل المركز الوطني للعيون الاخوة من الخليج العربي؟
- المركز مفتوح للجميع للشعب اللبناني ولأخواننا في كل انحاء الوطن العربي. لقد اراد ابو معروف قبل رحيله ان يقدم شيئاً لأطفال العراق فكتب رسالة ووجهها للسفير العراقي في لبنان طالباً منه ارسال اطفال من العراق بحاجة لزراعة قرنية علي حساب المركز، ووافته المنية قبل ان ينجز هذا العمل.
واول عمل قمت به بعد وفاته انني حملت الرسالة وتوجهت الي السفارة العراقية وابلغت السفير بوصية ابو معروف.
واوجه دعوة أخري لمن يرغب بالتبرع فأقول لهم ان الجسم بمثابة الثوب، فإذا توفانا الله تمزق هذا الثوب، اما الروح فتذهب الي خالقها. وكل الاديان السماوية تقول ان الروح ابدية وازلية. وهناك اناس في فلسطين والعراق يقدمون اجسادهم وارواحهم قرابين في سبيل الله والوطن، علينا ان نتخلي عن الأنانية ونهب اعضاءنا لمن هم بحاجة اليها فكروا قليلاً كم هو مقدار السعادة التي سوف تغمرنا عندما نعلم ان احداً ما ابصر النور بعيون الآخر.
















التعليقات