سرمد الطائي
&
&
أدنت حكومة الإكليروس فقتلت الحسين
وجدت طلاب الجامعات في إيران محتجين على الجميع. حتى الأقلية التي لا زالت تخضع لتربية ايديولوجية ثورية مكثفة وتتحدث بلغة الثمانينات الدينية، هم غاضبون على الجميع، انه سخط الشباب ونزقهم الذي تفهمته لأنني كثيراً ما امارسه. اما الغالبية التي تحلم بحداثة كاسحة تخلصها من قيود الحكم الديني، فإن سخطها على درجة غير متصورة، لا يظهر إلا على شكل هستيريا محببة. تحدثت سابقاً عن مجيد وأصدقائه الطلاب في جامعة اصفهان، وقد أدخلوني الى دهاليز الحياة الجامعية في ايران وخفاياها، ذلك العالم الخاص الذي يتوفر فيه كل شيء ويحرص على خرق شتى انماط الممنوع فكرياً او مما يتصل بالسلوك. تحدثنا عن بيان طلابي جريء يحلم بإسكندر قادم من تكساس او بيفرلي هيلز.
أخرجت لمصطفوي ومجيد رسالة وصلتني من شخص عرف نفسه بأنه سني المذهب من ايران اسمه ((شيمشاه ساطاي)) كانت مكتوبة بالانجليزية.
I would like to comment on your essay in Elaph about Iran regime. During Saddam regime you escaped to Iran seeking refuge she gave shelter, food. You are claiming that you are an Arab and you talked about Arab generosity, what I see in you is different, you behave like a cat no matter how much you feed him he still welling to steel. Finally, what can I say to the killers of& Hossain Ibn Ali.
((أود التعليق على مقالك في ايلاف حول النظام الايراني، سأحاول ان اكون لطيفاً قدر الإمكان، حين طاردكم صدام لجأتم الى ايران فمنحتكم المأوى والطعام، تزعم انك عربي وتتحدث عن السخاء العربي، لكنني أرى فيك شيئاً مختلفاً يتناقض مع ذلك، انت بمثابة قطة مهما جرى إطعامها فإنها تظل تمارس اللصوصية)). يعجبني هذا التشبيه، لكن لنكمل مع شيمشاه الجزء الأكثر طرافة في حكايته، ولم أكن أنوي الحديث عن رسالته التي لفتت نظري كثيراً، بيد ان سيلاً من الاعتراضات التي أساءت فهمي بعد نشر حلقتين سابقتين من هذا المقال، تضطرني هنا الى التوقف لحظة مع وجهة النظر هذه... ((أخيراً، ماذا يسعني ان اقول لقتلة الحسين بن علي)). كان شيمشاه ((يحاول ان يكون لطيفاً جداً معي)) وهو يشير كذلك الى مقال سابق لي نشرته إيلاف قبل اسابيع ((في فضائية العالم يتحرون الكلأ: يسألني خسرو، هل في داركم مصنع حلوى؟)). الحساسية القائمة بين شعوب المنطقة وبين التيارات السياسية لدينا، تلعب دوراً كبيراً في إنتاج لون ملتبس من سوء الفهم، فحين يمارس المرء نقداً لنظام سياسي او آيديولوجيا معينة تمارس هيمنتها في ايران، يبدو وكأنه يمارس شتيمة لشعب او حضارة، ويأخذ الآخرون يتعاملون مع وجهة نظره بوصفها فعلاً فاشياً او عرقياً ربما.كان قارئ آخر يسألني منذ قليل في رسالة قصيرة جداً: هل انت قاضٍ ام صحفي؟ يبدو ان الاخ العزيز غاضب هو الآخر، مع انه حاول ان يكون لطيفاً. لم اشعر بضيق من ردود الأفعال هذه وهي تظل تحمل طابعاً شخصياً، لكن لا بد ان يكون واضحاً للسادة انني لست فاشياً، لا أمارس ((لصوصية القطط))، فالحديث عن ايران ليس هجاء لشعب، بل هو تعامل مع راهن عالمثالثي.
أردد دائماً ان جدل الديمقراطية يعبر عن معركتنا جميعاً، ربما يكون مكانها طهران على سبيل الصدفة، لكنك ستجدها يا شيمشاه بالتأكيد حين تتجول في شوارع الكويت، حين تتحدث الى شباب الجماعات المتطرفة في كراتشي، وستشعر بسوط الأبريشم القاسي، عندما يموت الأطفال بين يديك في تفجير مطعم بغدادي.
قلت لمجيد بعد ان انهينا ترجمة الرسالة: هل لديك شعور مماثل حيال نقد عنيف ربما أوجهه لتيار سياسي في بلادك؟ تحدثت له عن المرة الأولى التي تناولت فيها الموضوع الايراني في العراق في تشرين الثاني الماضي، وكنت ترجمت بياناً عاصفاً أصدره دفتر تحكيم وحدت ((أكبر تجمع طلابي في ايران)) جاء تحت عنوان ((أتركوا هذا الوطن يعود وطناً مرة أخرى)) ونشرته صحيفة بغدادية. قلت في مقدمة قصيرة كتبتها للبيان: قدر لي ان اقترب كثيراً من مقولات التيار الاصلاحي، ولقد تعاملت معها ثقافياً بوصفها واحدة من معاركي الخاصة ومرحلة تنتمي لها (الأنا) العالمثالثية. لدي احساس بالشراكة العميقة مع منطلقات الاصلاحية الايرانية جعلني اغامر اكثر من مرة في التعامل النقدي مع جدل الاصلاحات السياسية هناك. لقد فاجأني - في إطار اهتمامي - هذا نص باللغة الفارسية يعبر عن قراءة ايرانية بالغة الدلالة للدرس العراقي الذي غير سياقات شتى، انه بيان اصدره يوم 24 من أيار الفائت مكتب تعزيز الوحدة (الاتحاد الاسلامي لطلبة الجامعات الايرانية)، ونجد في نص البيان اهتماماً كبيراً يبديه طلبة الجامعات الايرانية بما يسمونه (الدرس الشعبي العراقي) فهم يؤمنون بوجود توحد في الموقف من الانظمة التوتاليتارية القائمة في المنطقة، ويحاولون توظيف دلالات الحدث العراقي هذا في صراعهم من اجل الديمقراطية في إيران. جرى يومذاك اعتقال 800 طالب جامعي في إيران اثناء المظاهرات الطلابية الواسعة التي شهدتها المدن الايرانية الكبرى.
أعتقد ان هذا الوصف يوضح الى حد كبير، المنطلق الذي اتحرك عنه في تناول الجدل الايراني، فلست أناوئ شعب ايران، بل أشترك معهم في مأساة الرضوخ لسلطات القمع في اجتماعنا وسياستنا التقليديين، وأجد ان معركة الديمقراطية في ايران، لا تختلف بالنسبة إلي انا ابن العالم الثالث، عن معركة الديمقراطية في العراق او سواه. هل يستكثر علينا الآخرون ان نصرخ من ألم المركزيات التقليدية الضاغطة؟ حتى التوجع بات ممنوعاً لدى عبدة الآيديولوجيا؟
لكن شيمشاه وعدداً من السادة يعتقدون ان الشعب العراقي قتل الحسين، فلماذا لا اكون وأنا واحد من ابنائه، مغرضاً يكن البغض لإيران ويدين حكم طبقة الاكليروس (رجال الدين).
&
&
ربيع بغداد، كوبونات يزدجرد النفطية...
سأتحدث أكثر عن طلبة الجامعات لأن صوتهم هذه الايام هو الأعلى وسنرى كيف ان شعاراتهم الواضحة أدت الى ظهور اعترافات هامة لدى كبار زعماء التيار الاصلاحي. يقول بيان شهر أيار الطلابي: ((بعد عشرين يوماً على حلول فصل الربيع، تلقينا نبأ (احتلال) بغداد ونهاية شتاء حكومة صدام الطويل... جاء ربيع بغداد متزامناً مع ربيع الطبيعة، تهاوت قصور صدام ومباني حكومته وباتت تماثيله المهزومة لعبة يتقاذفها فتيان الشوارع والاسواق، فيما تعيد هذه المشاهد إلى الذاكرة دورات من التاريخ، سقوط المدائن ونهاية يزدجرد، هزيمة دار الخلافة والمستعصم ونهاية كل اشكال الدكتاتورية في التاريخ. يحكي لنا الدرس العراقي، ان شعباً تراكم عليه ظلم الحاكم وصودرت حقوقه حتى يئس من إصلاح شؤونه، لن يأسى على مجيء الاسكندر أبداً، ناهيك عن أن الشعب قد يكون تمنى ذلك أساساً. لن يقف شعب كهذا، امام جحافل الاسكندر. وحينئذ لن يجدي اللجوء إلى مفاهيم (الاستقلال) و(وحدة التراب) في تسويغ تلاعب الحكومات بمقدرات الشعوب، ولن يكون التشدق بمقولات كهذه إلا مدعاة للسخرية، ذلك ان (الاستقلال) لن يكون ذا قيمة حين يتحول إلى ذريعة تشرعن ازدراء حقوق الانسان. سيفقد مفهوم (الاستقلال) اهميته إذا كان يعني وضع إطار مائل للحمرة يمكن لأي حاكم ان يمارس داخله ما يشاء. ان البقاء في السلطة وتواصل الملك والخلافة والولاية والإمارة بات يكلف اصحابه ثمناً اكبر من الماضي، ولم يعد من المجدي تأجيل الملفات الداخلية والمراهنة الفارغة على مبررات واهية من قبيل الجيش وقوات الحرس والمنح النفطية)). يختتم البيان بكلمة تنبيه جريئة للغاية للنظام السياسي الايراني ((ندعوكم - وقد اناخ الاسكندر في جوارنا ركابه واستقر به المقام - إلى ان تكفوا عن إلقاء الخطب العصماء الواهية وتفيقوا من اوهام القوة، وإلا ففي وسعكم التنحي عن السلطة حولاً دون هدر الأرواح والثروات.اتركوا هذا الوطن يعود وطناً مرة اخرى)).
&
هل تمنى الإيرانيون مجيء الاسكندر؟
الطريف ان البيان الطلابي يتحدث عن (كوبونات نفط) ايرانية شبيهة بالفضيحة التي تجلجل اليوم في بغداد، لكنها كوبونات يزدجرد هذه المرة لا نبوخذ نصر! والجامعيون باتوا يتحدثون عن (إسكندر) جديد ويراهنون على التغيير الخارجي بعد ان وصلوا الى طريق مسدود مع السلطة. هذا ما ألمح له أيضاً بيان اصدره 120 نائباً ايرانياً وجهوه الى مرشد الثورة قبل اشهر من ازمة الانتخابات، قالوا فيه ان المعارضة الاصلاحية تخشى ان تصل الى النقطة التي وصلت اليها المعارضة العراقية وتضطر الى اعتماد خياراتها! (يشيرون الى الاستعانة بقوة خارجية). جرى منع تداول البيان ولم تنشره أي صحيفة لأن التحذير كان مخيفاً، وحين حان وقت الترشيح رفضت أهلية الموقعين، او معظمهم. لا زلت أرى في هذا حكماً مخففاً، لكن تصفية الحسابات لم تنته بعد، وسنشهد بعد الانتخابات جولة أشد وموجة اعتقالات واسعة، الاصلاحيون باتوا يتحدثون عن هذا بهمس، إلا ان المحافظين يكررونه بصوت عالٍ، وقد تحدثت عن بعض تصريحاتهم في الحلقة الماضية.
ثمة بيان آخر اصدره قبل بضعة ايام النواب المستقيلون، تساءلوا فيه ان كان الخامنئي على علم بما يدبره جنتي، سألوه: هل انت الذي طلبت منه ان يرفض الأهلية؟ ليس التساؤل ساذجاً كما يبدو، انهم يريدون كسر سياق التبجيل ((للمقام القيادي الأعظم)) كما هو لقب الخامنئي في ايران. لم ينشر البيان سوى صحيفتي شرق وياس نو، لكن سلطات الأمن اوقفت الصحيفتين عن الصدور بسبب ذلك، تنفيذاً لأوامر المدعي العام مرتضوي. ياه... كم هو ماهر مرتضوي في ممارسة الشفقة. لقد أنجز الملفات القضائية الاكثر اهمية في تاريخ صحافة ايران في القرن العشرين.
كنت اعتقد ان ظروف الانتخابات تجعل من اليمين يخفف من سطوته على الصحافة والحريات العامة، كي يوازن بين تشدد جنتي وهيمنة رجال الأمن والقضاء، إلا انني تراجعت عن ذلك حين وجدت القضاء ورجال الأمن يستنفرون ايام الانتخابات، فعام 2001 وقبيل انتخابات رئاسة الجمهورية، راح رجال الأمن يلاحقون الأطباق اللاقطة للبث الفضائي بشكل هستيري، وأغلقوا محلات الألبسة التي تعرض بضاعة غربية وموضات حديثة، وأغلقوا صحفاً هامة واعتقلوا... واليوم وقبل ساعات من بداية التصويت، يغلقون صحيفتين من اهم منابر اليسار، او لنقل انها آخر المعاقل الاعلامية للاصلاحيين. هل يحرض اليمين الناس على نفسه؟ لعلها شفقة صادقة، سنواصل الحديث عنها فيما بعد.
اليمين الإيراني يتظاهر بأنه حاذق للغاية في استثمار الفرص، فقد رفضوا أهلية سعيد رضوي فقيه وهو الأمين العام لمكتب تعزيز الوحدة الطلابي صاحب بيان أيار الطلابي. لكن تجمعات الطلاب لم تتوقف وهي الأكثر نشاطاً اليوم. نظم مكتب تعزيز الوحدة قبل اسبوعين تحديداً، تجمعاً كبيراً تحت عنوان ((الدفاع عن الجمهورية)) في حرم جامعة ((أمير كبير)). كان هنالك العديد من البرلمانيين حضروا ليستمعوا الى طلاب الجامعة. تعاطف الكثير من الطلاب مع الاصلاحيين بالطبع، لكن الأمين العام للتجمع الطلابي أطلق كلمة تعبر عن طيف واسع من الجامعيين الذين التقيتهم خلال سفرتي الاخيرة الى طهران: ((قال خاتمي ان مفهوم الجمهورية الاسلامية يمثل الخط الأحمر الذي يتوقف عنده، وها نحن الآن نشاهد انهيار الجزء الجمهوري في نظامنا السياسي، ولم يبق سوى الجزء الاسلامي في المفهوم المركب، أي ان الرئيس قد تجاوز الخط الأحمر الذي يتكون من العنصرين الجمهوري والاسلامي، ولا مبرر لبقائه في منصبه، عليه ان يستقيل)).
كانت الفيمينست الايرانية شيرين عبادي حاملة نوبل لهذا العام، قد صرحت قبل نحو شهر من بومباي، على هامش القمة الاجتماعية العالمية، ان على خاتمي ان يستقيل. كتب السيد اميري وهو ناشط سياسي معروف قبل اكثر من عام: ((سيادة الرئيس: لماذا انا نادم على تصويتي لصالحك؟)). قال مجيد: لقد أخلف خاتمي وعده لنا، ((انه خائن)). أشعر بتعاطف كبير مع خاتمي، لا يمكن ان نظلم الرجل ونقول انه لم يحقق شيئاً، لكن منجزه جاء باهتاً للغاية أمام الطريق الموصد الذي يواجهه الاصلاحيون اليوم. ظهر قبل أيام تصريح خطير للناشط السياسي الدكتور محسن كديور، وكان يتحدث بتشجيع من تجمع طلابي غاضب كذلك. احتشد الطلاب في جامعة طهران يوم 8 شباط، احتجاجاً على ((ازدراء الجمهورية وتحولها الى نظام اوتوقراطي)) كما جاء في وكالة الأنباء الطلابية. (هل كانت ثمة جمهورية في ايران يا ترى؟). قال سعيد بابائي الأمين العام للاتحاد الاسلامي لطلبة الجامعات، وهو يقرأ رسالة موجهة الى خاتمي: نحن اليوم بحاجة الى البوح والصراحة قدر الإمكان، لا نكاد نلمس اليوم مبادرة رصينة من السياسيين وأولئك الذين يتحدثون عن الاصلاح... الرئيس خاتمي... عليك ان تقدم الاستقالة لو كنت تنصت الى مطالب الشعب وتحرص عليها. هذه كلمتنا الأخيرة.
تحدثت الآنسة (بانافشه) وهي عضو في الاتحاد هذا: ((عن أي مناخ انتخابي يتحدث السادة؟ هل تقصدون الملصقات الملونة الخداعة؟ هل اختزلتم الاسلام في 12 شخصاً؟)). تعني بهم اعضاء مجلس الصيانة والشيخ جنتي. هذا العدد المقدس يتطابق مع عدد نقباء بني اسرائيل وأولاد يعقوب وأئمة الشيعة، والشبه هذا مأخوذ بعين الاعتبار بالتأكيد، لأن لهذه الدلالات أهميتها في الثقافة الايرانية.
تضيف بانافشه: ((ان خاتمي اليوم ليس هو خاتمي الذي صوتنا لصالحه عام 1997، ولو كان مؤهلاً لتزعم تيار الاصلاح لكان قدم استقالته. لقد ارتكبت يا خاتمي أسوء أخطائك، ألم تكن تعلم بما سيتمخض عنه اجتماعك مع مجلس الصيانة ومرشد الثورة؟)). حقاً ألم يدرك خاتمي ان اليمين هذه المرة مصر على غزو البرلمان؟
لنستمع الى صرخة هستيرية غير محسوبة العواقب قبل ان ننتقل الى تصريح كديور الخطير الذي يتصل بأسرار عام 1996 حين كان خاتمي يتهيأ للرئاسة.
بهاء الدين أديب، جامعي وقف يصرخ وسط الحشد: ((لقد تغلب الشعب قبل ربع قرن على نظام عسكري وحصل على حريته، لكن هذه الحرية اليوم تبخرت حين صادرها بضعة أشخاص هزموا الشعب)).
الكثير من الايرانيين يتعاطفون اليوم مع نظام الشاه العسكري، يقولون انه كان مدنياً اكثر من نظامنا الحالي. كنت مساء 8 شباط في محطة طهران الضخمة لسيارات النقل البري، ركبت حافلة دافئة واتجهت الى الحدود العراقية فقد انتهت العطلة القصيرة، جلست قرب السائق وأصدقائه كي اتمكن من التدخين بشراهة، انه المكان الوحيد الذي يمكن للراكب ان يتعامل فيه مع الدخان، ومع اشياء أخرى. كان السائق ومساعده يتعاملون مع الهيرويين والحشيشة: اننا نتعاطاها منذ سنوات طويلة، ودخلنا السجن اكثر من مرة بسببها. كانت المرة الاولى التي ارى فيها مخدرات في حياتي، رحت استمتع بمنظر الحشيشة التي يستنشقها حسين بالتذاذ، لعله يحمل جين (المتعة). تحدثنا عن النظام العراقي السابق، سألوني: كيف هم الامريكان معكم؟ قلت لهم ان المهم بالنسبة لي على الاقل انهم قضوا على صدام حسين ونظامه، ولدينا معارك اخرى كثيرة دون شك، فمشاكلنا ليست اقل مما تعانون. قلت لهم: انتم تخلصتم من نظام الشاه على الاقل بعد الثورة. لكن راكباً يجلس خلفي تدخل قائلاً: ((لك ان تقارن بين نظام الشاه ونظام الثورة الحالي، وستجد بالتأكيد ان نظامنا السابق كان أكثر رأفة. حين أعلن الخميني معارضته للشاه وشتمه في المدرسة الفيضية بقم عام 1963 لم يكن رد الفعل إلا وضعه في المعتقل لبضعة ايام ثم نفيه الى تركيا، ولكن هل رأيت ما فعلوا بآية الله منتظري حين تحدث بكلمات بسيطة عن دكتاتورية الخامنئي عام 1998؟ لقد اقتحم انصار الخامنئي مكتبه ومزقوا اوراقه واعتقلوا ولديه وفرضوا عليه الإقامة الجبرية في الدار، لم يعد بوسعه ان يلقي الدروس او ينشر الكتب او يدلي بتصريحات، لقد اعدموه سياسياً، بينما لعب الشاه دوراً كبيراً في صناعة كاريزما الخميني حين اطلقه من المعتقل وأرسله الى المنفى وكان يمدد صلاحية جواز سفره من سفارة ايران في بغداد كلما لزم الأمر. تخيل أي قمع سنواجه لو قمنا بثورة الآن، بينما لم نقدم تضحيات في ثورتنا قبل ربع قرن تتناسب وقوة النظام العسكري يومذاك، لم يضربنا الشاه بالصورايخ ولم يوجه الطائرات المقاتلة للمدن الثائرة)).
ربما كان صاحبنا يبالغ قليلاً، لكنني أشعر بتعاطف مع الشاه كلما سمعت كلمته الشهيرة وهي آخر ما وجهه الى الشعب قبل ان يترك ايران: ((من بيام شما را ملت ايران شنيدم)) لقد وصلتني رسالة الشعب. قالها وغادر نهائياً.
&
&
اعترافات كديور، لقد بدأت الإصلاحات الآن وحسب
وسط حشد الطلاب في جامعة طهران، تعالت الشعارات الهستيرية، كان من المفترض ان يتحدث محسن كديور، الشيخ الحوزوي الذي كتب في السجن اطروحته في الفلسفة السياسية بعد ان كان دخل المعتقل بسبب كتابه المهم عن ولاية الفقيه. لم يكن في وسع كديور ان يتحدث بلباقة، شعر ان عليه ان يتحدث بلهجة الاعترافات امام الطلاب الساخطين: لم يعد لدينا وقت للكلام، لقد حان وقت العمل. تحدث كديور عن البرلمان في عهد الشاه رضا خان (والد الشاه المخلوع): ((لم يكن البرلمان يومذاك مؤثراً في ظل النظام الدكتاتوري، كان شكلياً وبقي النظام اوتوقراطياً)). انه يقارن بين نظام ثار عليه الشعب، وآخر صوّت لصالحه جمهور الثورة، البرلمان في كليهما شكلي، ماذا بعد؟
يقول كديور: ((يقف خاتمي اليوم على مفترق طرق، ربما لم يكن يريد ان يوتر الموقف، لكن ليس في وسعنا نحن ان نقف الى جانبه وهو يمارس نـزع التوتر، نحن نتقدم له بالشكر الوافر، ونتمنى ان يستقيل من منصبه، كما استقال في الماضي من وزارة الثقافة في حكومة رفسنجاني السابقة، الشعب بأجمعه يطالب باستقالتك سيادة الرئيس)).
يضيف كديور: ((كنت أنا وعباس عبدي القابع في المعتقل حالياً، نرفض ان يترشح خاتمي للرئاسة لأننا كنا نعلم انه سيصل الى هذه النقطة في نهاية المطاف)).
كات عباس عبدي على رأس طلبة الجامعات الذين احتلوا السفارة الامريكية عام 1979 لكنه مر بتحولات فكرية وسياسية عديدة وصار من اهم وجوه المعارضة اليسارية، وبرز كناشط مهم في البرلمان السادس وراح يدير مركز ابحاث هام في طهران، غير انه اعتقل قبل نحو عام حين نظم استطلاعاً افاد ان غالبية الشباب الايراني يؤيد عودة العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. كان مركز ابحاثه ينظم الاستطلاع لمؤسسة زغبي الخاصة بالابحاث الميدانية، وزغبي امريكي لبناني معروف عربياً ودولياً، لكن هذا اعتبر خيانة عظمى لمبادئ الثورة. لا يزال عبدي في المعتقل، وها هو كديور يتحدث عن رفيقه بحزن، ويستعيد نصائحهما لصديقهما المشترك محمد خاتمي.
يكشف كديور هنا عن نقطة بالغة الأهمية، تمثل وجهة نظر المعارضة السياسية عام 1996 ورفض اتجاه قوي فيها الدخول في الحكومة او المشاركة في انتخابات رئاسية. كانوا يعتقدون ان الدكتاتورية اليمينية لا يمكن ان تعارض من داخل الحكومة بل لا بد للمعارضة ان تبقى بعيداً عن السلطة ليكون التغيير حقيقياً. المعارضة في المنفى كان لها تحليلها الخاص. كانت تعد وصول خاتمي الى الحكم وقرار اليسار بالمشاركة في ((السلطة)) لعبة تديرها الاستخبارات لامتصاص نقمة شعبية. وبعيداً عن هذه القراءة التي تمارس بروباغاندا خاصة، فمن المؤكد ان سلطة المحافظين وجدت في خاتمي اصلاحياً تمارس شعاراته تهدئة للتحولات الاجتماعية السريعة، وتعكس صورة لإيران عند الرأي العام العالمي، تتضمن الكثير من ملامح الديمقراطية، وكان كديور وعبدي وخير آبادي يدركون هذه اللعبة، غير انهم مجبرون على دخولها كسواهم من الاصلاحيين اذ لا خيار سواها. اما كديور فهو يدعي في تصريحه الاخير انه وعبدي كانا يفضلان خيار المعارضة من خارج السلطة ويحذران خاتمي من بلوغ ما اسميه بطريق الشفقة الموصد الذي وقف امامه مذهولاً اليوم.
مهما كان الموقف الحقيقي للاصلاحيين، الا ان تقديري الشخصي هو ان ما يجري يصب في صالح اليسار الاصلاحي رغم الضربات القوية التي يتلقاها ولا يزال، ورغم ان خطوة المحافظين اعتبرت ((انقلاباً مدنياً)) الا ان اعترافات اليسار والتحولات العميقة التي تشهدها جبهة 2 خرداد الاصلاحية اليوم، تمثل معطى مباشراً لموقف جنتي المتشدد وسياط الشفقة التي رفعها المرشد خامنئي، فلولا شفقة خامنئي القاسية، لما سمعنا في الايام الاخيرة تصريح محمد رضا خاتمي رئيس حزب المشاركة الذي قال فيه: حان الوقت ليحكم العلمانيون ايران. كان من سابع المستحيلات ان يطلق محمد رضا خاتمي تصريحات كهذه قبل ازمة الترشيحات. ولم يكن كديور ليدلي باعترافه الخطير مار الذكر، لولا الازمة تلك. لو قرأت تصريح محمد رضا خاتمي او تصريح كديور المذكورين، قبل شهر او سنة، لتصورت انه تصريح لبعض قادة مجاهدي خلق المنشقين، لكنها اليوم اللغة المفضلة لدى الاصلاحيين، بعد ان وصلوا الى ذروة التصعيد مع النظام الاسلامي.
هي إذن شفقة حقيقية من قبل المحافظين، رغم ان الرأفة غير مقصودة فيها. انها تقرب الاصلاحيين من اكثر اهدافهم اهمية ((به اين تئاتر ديموكراسي خاتمة بدهيد)) لا بد ان تضعوا حداً لمسرحية الديمقراطية. هكذا قال الصديق حسيني حين ودعته في طهران، بعد نقاش محتدم لم يجعلني اشعر بشوارع العاصمة المزدحمة وهوائها الملوث. سيتحقق الهدف الاكثر اهمية لدى جماهير الاصلاحيين والسيد حسيني، انها نهاية المشهد الاخير في المسرح الديمقراطي، لكن الشيخ كروبي رئيس البرلمان وهو احد ابرز كتاب ذلك السيناريو، يود ان تتواصل المشاهد لينهي بانوراماه التي يختلط فيها المأساوي بالكوميدي. لقد نشأ في ظل الشعار الثوري والنمط الإيماني الدافئ، ولا يريد ان يغادره، لا سيما وأنه أحرق اوراقه لدى اليمين كما أحرقها لدى اليسار. فهو لم يقدم استقالته تضامنا مع نواب اليسار، كما انه لم يصطف مع جنتي ويؤيد سياساته، والقوم لا يكادون يعرفون سوى المنطق ثنائي القيمة.
لكن وضعه الحالي يعد ((اعتدالاً)) عند اليمين، وهم بحاجة ماسة إليه رغم الشك في ولاءاته.
خاتمي ادرك ان الاقلية المحافظة ستهيمن على البرلمان، وراح يوجه نداءات الى الشعب، يستغيث بجمهور الاصلاحيين العريض، كي يصوتوا للقلائل من مرشحي اليسار الذين نجحوا في تخطي طريق الشفقة الأحد من الشعرة والأدق من السيف. انه يخشى ان تتراجع نسبة المشاركة في الانتخابات، الى 20 او 15 في المائة كما حصل في انتخابات المجالس البلدية العام الماضي، حين بلغت نسبة المشاركة فيها 12 في المائة في طهران وكبريات المدن. مجيد يقول ان اساتذة جامعة اصفهان يطلبون منا ان نشارك حتى لو كنا نرفض الانتخابات ((يمكنكم ان تلقوا اوراقاً بيضاء)) هكذا قالوا لهم. لكن الطلاب مصرون على المقاطعة، انهم لا يكتفون بهذا، يريدون من خاتمي ان يستقيل ليضع اللمسة الاخيرة على دراما ((الجمهورية الاسلامية)) هذه الوصفة الملفقة التي لم تنجح يوماً كما هو متوقع، في ان تجمع بين الضدين، ثيوقراطية الحكم الديني، وجمهورية النظام الديمقراطي.
ما الذي يختفي وراء نداءات طلبة الجامعات الايرانية المتكررة والحماسية، وهي تطالبه بالاستقالة وتقاطع الانتخابات؟ ما هي خياراتهم اذن لإصلاح النظام السياسي؟ هل هو الاسكندر القادم من تكساس، نموذج جديد معصرن ((للمهدي المنتظر))؟ لقد قال لي كثير من الايرانيين، انهم يحلمون بإسكندر كالذي يسيطر اليوم على العراق ويعمل على انشاء دولة جديدة، لكن هل يمثل هذا حلاً امثل للأزمة الايرانية؟
&







التعليقات