&
عبد الرحيم يبيع احد الزبائن نعناعا ً
&
إيلاف&من الرباط: تعج " السويقة " في قلب مدينة الرباط العتيقة بكل شيء. تمتزج الأصوات والروائح. يختلط صوت باعة الملابس وسط أصوات أغاني منبعثة من متاجر بيع الشرائط التي تتنافس على الدعاية لأشرطة جديدة لأغاني شعبية صاخبة. نساء بدينات يتصايحن تمتزج مع أصوات المتسولين الذين يتعمدون إلى إظهار إعاقات غالبا ما تكون وهمية. تنبعث رائحة البيض المسلوق برائحة النقانق واللحم المشوي ورائحة الفول مع رائحة الحلوى. خليط من الروائح والأصوات في هذا السوق التقليدي الذي يصبح قبلة لكثيرين طوال الأسبوع.
وسط هذا الجو الخانق تنبعث رائحة نبات "النعناع " من حانوت صغير في زاوية زقاق ضيق يقسم حي السويقة إلى قسمين.
كثيرون يجيئون " للسويقة" لتزجية الوقت، لكنهم في الغالب يشترون ربطة من أحد أصناف النعناع التي تباع عند "عبد الرحيم " ولو بدرهم واحد بعد أن تكون رائحة النعناع مارست عليهم إغراء لا يقاوم.
قبل عام كان هذا الحانوت يعرف باسم "حانوت بن عاشر" لكن بن عاشر هاجر إلى مدينة ألميريا الإسبانية وخلفه شقيقه "عبد الرحيم اوحو". كان عبد الرحيم يبيع السمك لكنه تحول من السمك إلى النعناع ليس لأن رائحته أطيب من، بل لأنه تخلى ببساطة عن المهنة التي عمل فيها لسنوات ليخلف شقيقه ويواصل الطريق التي شقها والده منذ عقود، تطبيقاً للمثل الذي يقول " في حرفة أبوك لا يغلبوك".
عمل والد عبد الرحيم "علي اوحو" في بيع النعناع منذ عام 1944 في " السويقة" وربما هذا ما حدا بكثيرين إلى وصف هذا الحانوت الصغير بالمعلمة واعتباره جزءا من ذاكرة مدينة الرباط العتيقة.
&يقول عبد الرحيم "ليس لدينا أي استعداد للتخلي عن المهنة التي ورثناها عن والدنا، رحمه الله كنت أبيع السمك لكن والدي علمني كيف أتعرف على أعشاب النعناع وتصنيفها طبقاً لفائدة كل صنف، وعلمني أيضا كيف أتعامل مع الزبائن ولم أجد مشاكل بعد سفر أخي بن عاشر".
يحصل عبد الرحيم صباح كل يوم على حزم كبيرة من مختلف أنواع النعناع من كبار المزودين في الرباط. هؤلاء يجلبون النعناع من منطقة المهدية (شمال الرباط) أومن منطقة البروج (وسط المغرب) لكن أكبر الكميات من النعناع تأتي من منطقة العرجات (شرق الرباط).
يبيع عبد الرحيم حوالي 15 عشبة من أسمائها "النعناع الملقم" و"الشيبة" و"العطرشة" و"المانتا" و"الشيح" و"مرد الدوش" و"الفلييو" و"البلسم" و"الصندل" و"النعناع العبدي" و"البابونج" إضافة إلى أنواع أخرى مجففة مثل "اللويزة" و"الزعتر" و"المرسيطة" و"الكروية".
يضع الشاب أعشابه على طاولة من الخشب، يرش بعضها بقطرات من الماء بين الفينة والأخرى ويغطي البعض الآخر بقطعة من الثوب المبلل كي تحافظ على طراوتها، بينما تعلق الأعشاب الجافة في أعلى الحانوت.
عبد الرحيم شاب في أواسط الثلاثينات، ذو سحنة سمراء وقامة متوسطة، لا يتوقف عن توزيع التحيات وبحركات سريعة يلبي للزبناء طلباتهم. يعمل عبد الرحيم بجدية كبيرة لكن هذه الجدية لا تخفي مزاجه الرائق.
يعرف طلبات زبائنه الذين يرتادون حانوته بشكل متواصل وقبل أن يتكلم الزبون يكون عبد الرحيم قد جهز حزمة من أنواع النعناع التي يحبها الزبون ثم يقوم بقص أطرافها قبل أن يضعها في كيس. لا يستعمل عبد الرحيم الميزان إلا إذا كانت الكمية المطلوبة يتجاوز سعرها درهما واحدا.
يقول عبد الرحيم إن سفر شقيقه إلى ألميريا لم يؤثر على عملية البيع، ويضيف ضاحكا "الناس لا يعرفون بن عاشر فقط، بل كل أفراد العائلة خاصة أننا نشبه بعضنا كثيرا".
حانوت عبد الرحيم اوحو استطاع أن يجذب شخصيات سياسية وفنية معروفة، يقول "شخصيات معروفة كثيرة تزور الحانوت لشراء أنواع معينة من النعناع ربما لا يجدونها في مكان آخر، بالأمس مثلا زارني الفنان الممثل رشيد الوالي واشترى ربطة النعناع التي تعودت والدته شرائها على الأقل مرة كل أسبوع".
حانوت عبد الرحيم عبارة عن حجرة صغيرة لا تتعدى مساحتها مترا في مترين لكن صيته سبقه ليجعل منه أشهر مكان لبيع ما يسمى "ليقامة" التي تعني جميع مواد تحضير الشاي. تضاف "ليقامة" إلى محلول الشاي الأخضر لتعطيه تلك النكهة التي ربما لن تجدها إلا في المغرب،
المغاربة يشربون الشاي كثيرا. إذا أرادوا إعادة المزاج لروقانه طلبوا شايا وإذا أرادوا التركيز في العمل طلبوا شايا وإذا أرادوا الترحيب بالضيف طلبوا له شايا وإذا أرادوا هضم أكل ثقيل طلبوا شايا.
لكن اعتقادا بدأ يتزايد بين المغاربة يقول بأن أوراق النعناع على عكس ما شاع في السابق تتسبب قرحة المعدة وتزيد نسبة الغازات في الأمعاء كما أنها لا تعود على الجسم بأية فائدة. عبد الرحيم لا يخاف هذا الاعتقاد ويوقن بأن مبيعاته من النعناع لن تتأثر. يقول "المغاربة لن يستغنوا عن النعناع أبدا، لدي أنواع كثيرة منه تداوي عدة أمراض والناس يعرفون ذلك جيدا. ويوضح قائلا "الصندل" مثلا يصلح لمرض الكلي و"البلسم" لداء السكري و"السالمية" لتنشيط الدورة الدموية ولعلاج الغازات، "اللويزة" تهدئ الأعصاب والأوجاع.
يزيد إقبال المغاربة على النعناع الأخضر في فصلي الربيع والصيف، وهما الفصلان اللذان تنتج خلالهما أجود أنواعه فيما يقبلون خلال الشتاء والخريف على "الشيبة" كما تزيد نسبة استهلاك الشاي في الأعياد والحفلات. ويظل الشاي بالنعناع الأخضر المشروب الوحيد الذي لم تستطع القهوة أن تأخذ مكانه.
وسط هذا الجو الخانق تنبعث رائحة نبات "النعناع " من حانوت صغير في زاوية زقاق ضيق يقسم حي السويقة إلى قسمين.
كثيرون يجيئون " للسويقة" لتزجية الوقت، لكنهم في الغالب يشترون ربطة من أحد أصناف النعناع التي تباع عند "عبد الرحيم " ولو بدرهم واحد بعد أن تكون رائحة النعناع مارست عليهم إغراء لا يقاوم.
قبل عام كان هذا الحانوت يعرف باسم "حانوت بن عاشر" لكن بن عاشر هاجر إلى مدينة ألميريا الإسبانية وخلفه شقيقه "عبد الرحيم اوحو". كان عبد الرحيم يبيع السمك لكنه تحول من السمك إلى النعناع ليس لأن رائحته أطيب من، بل لأنه تخلى ببساطة عن المهنة التي عمل فيها لسنوات ليخلف شقيقه ويواصل الطريق التي شقها والده منذ عقود، تطبيقاً للمثل الذي يقول " في حرفة أبوك لا يغلبوك".
عمل والد عبد الرحيم "علي اوحو" في بيع النعناع منذ عام 1944 في " السويقة" وربما هذا ما حدا بكثيرين إلى وصف هذا الحانوت الصغير بالمعلمة واعتباره جزءا من ذاكرة مدينة الرباط العتيقة.
&يقول عبد الرحيم "ليس لدينا أي استعداد للتخلي عن المهنة التي ورثناها عن والدنا، رحمه الله كنت أبيع السمك لكن والدي علمني كيف أتعرف على أعشاب النعناع وتصنيفها طبقاً لفائدة كل صنف، وعلمني أيضا كيف أتعامل مع الزبائن ولم أجد مشاكل بعد سفر أخي بن عاشر".
يحصل عبد الرحيم صباح كل يوم على حزم كبيرة من مختلف أنواع النعناع من كبار المزودين في الرباط. هؤلاء يجلبون النعناع من منطقة المهدية (شمال الرباط) أومن منطقة البروج (وسط المغرب) لكن أكبر الكميات من النعناع تأتي من منطقة العرجات (شرق الرباط).
يبيع عبد الرحيم حوالي 15 عشبة من أسمائها "النعناع الملقم" و"الشيبة" و"العطرشة" و"المانتا" و"الشيح" و"مرد الدوش" و"الفلييو" و"البلسم" و"الصندل" و"النعناع العبدي" و"البابونج" إضافة إلى أنواع أخرى مجففة مثل "اللويزة" و"الزعتر" و"المرسيطة" و"الكروية".
يضع الشاب أعشابه على طاولة من الخشب، يرش بعضها بقطرات من الماء بين الفينة والأخرى ويغطي البعض الآخر بقطعة من الثوب المبلل كي تحافظ على طراوتها، بينما تعلق الأعشاب الجافة في أعلى الحانوت.
عبد الرحيم شاب في أواسط الثلاثينات، ذو سحنة سمراء وقامة متوسطة، لا يتوقف عن توزيع التحيات وبحركات سريعة يلبي للزبناء طلباتهم. يعمل عبد الرحيم بجدية كبيرة لكن هذه الجدية لا تخفي مزاجه الرائق.
يعرف طلبات زبائنه الذين يرتادون حانوته بشكل متواصل وقبل أن يتكلم الزبون يكون عبد الرحيم قد جهز حزمة من أنواع النعناع التي يحبها الزبون ثم يقوم بقص أطرافها قبل أن يضعها في كيس. لا يستعمل عبد الرحيم الميزان إلا إذا كانت الكمية المطلوبة يتجاوز سعرها درهما واحدا.
يقول عبد الرحيم إن سفر شقيقه إلى ألميريا لم يؤثر على عملية البيع، ويضيف ضاحكا "الناس لا يعرفون بن عاشر فقط، بل كل أفراد العائلة خاصة أننا نشبه بعضنا كثيرا".
حانوت عبد الرحيم اوحو استطاع أن يجذب شخصيات سياسية وفنية معروفة، يقول "شخصيات معروفة كثيرة تزور الحانوت لشراء أنواع معينة من النعناع ربما لا يجدونها في مكان آخر، بالأمس مثلا زارني الفنان الممثل رشيد الوالي واشترى ربطة النعناع التي تعودت والدته شرائها على الأقل مرة كل أسبوع".
حانوت عبد الرحيم عبارة عن حجرة صغيرة لا تتعدى مساحتها مترا في مترين لكن صيته سبقه ليجعل منه أشهر مكان لبيع ما يسمى "ليقامة" التي تعني جميع مواد تحضير الشاي. تضاف "ليقامة" إلى محلول الشاي الأخضر لتعطيه تلك النكهة التي ربما لن تجدها إلا في المغرب،
المغاربة يشربون الشاي كثيرا. إذا أرادوا إعادة المزاج لروقانه طلبوا شايا وإذا أرادوا التركيز في العمل طلبوا شايا وإذا أرادوا الترحيب بالضيف طلبوا له شايا وإذا أرادوا هضم أكل ثقيل طلبوا شايا.
لكن اعتقادا بدأ يتزايد بين المغاربة يقول بأن أوراق النعناع على عكس ما شاع في السابق تتسبب قرحة المعدة وتزيد نسبة الغازات في الأمعاء كما أنها لا تعود على الجسم بأية فائدة. عبد الرحيم لا يخاف هذا الاعتقاد ويوقن بأن مبيعاته من النعناع لن تتأثر. يقول "المغاربة لن يستغنوا عن النعناع أبدا، لدي أنواع كثيرة منه تداوي عدة أمراض والناس يعرفون ذلك جيدا. ويوضح قائلا "الصندل" مثلا يصلح لمرض الكلي و"البلسم" لداء السكري و"السالمية" لتنشيط الدورة الدموية ولعلاج الغازات، "اللويزة" تهدئ الأعصاب والأوجاع.
يزيد إقبال المغاربة على النعناع الأخضر في فصلي الربيع والصيف، وهما الفصلان اللذان تنتج خلالهما أجود أنواعه فيما يقبلون خلال الشتاء والخريف على "الشيبة" كما تزيد نسبة استهلاك الشاي في الأعياد والحفلات. ويظل الشاي بالنعناع الأخضر المشروب الوحيد الذي لم تستطع القهوة أن تأخذ مكانه.





التعليقات