فاضل ثامر
&
&
&بدءاً لابد من الاعتراف بان تجربة الفنان شاكر حسن آل سعيد هي واحدة من التجارب الفنية القليلة التي تتميز بالدينامية والحرية ورفض الاستسلام للسكون والجمود والنمطية. ويمكن القول ان تحولات الرؤيا الفنية في تجربة هذا الفنان خلال مايقرب من النصف قرن، هي تجربة التحول والنمو والتراكم في الرؤيا التشكيلية العربية في اشكاليتها الاساسية : تحقيق الخصوصية الابداعية بين موروث كثيف ونزوع حداثوي للاتقاء الى مصاف حركة الفن الحديث في العالم المعاصر.
ان وقفة استعادية متاملة لمنجز الفنان شاكر حسن آل سعيد ومحاولة استغوار سطح اللوحة التشكيلية لديه الى شفراتها الداخلية سيجعلنا نكتشف مسار التطور الذي حققته التجربة الفنية العربية الحديثة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لقد كشفت تجربة الفنان الطويلة عن مجموعة غير قليلة من الاساليب والاتجاهات الفنية والرؤيوية التي كانت تنفتح دوماً على محطات جديدة للتجريب والرؤيا والتأويل. واذا ماكانت تجربة الفنان قد بدأت منذ مطلع الخمسينات ضمن اطار (جماعة بغداد للفن الحديث) التي تشكلت عام 1951 بقيادة الفنان جواد سليم منطلقة من اسس تشخيصية (تمثيلية) وانسانية واضحة، وراحت تزاوج بين المنظور التشخيصي والواقعي وبين نزوع نحو الاتجاهات الحديثة، فانها راحت في العقود التالية تسير تدريجيا نحو اختزال العالم الخارجي والمرجع الاجتماعي وصولا الى بعض مستويات التجربة الفنية ، ومحاولة تجاوز هذا التجريد الى مراحل جيدة . فتجربة الفنان لم تقنع بالسكونية او الثبات ولم تستسلم للنمطية والقوالب الثابتة، مهما كانت ناجحة ومغرية، بل ظلت متحولة ومقترنة بهاجس داخلي، نظري وفلسفي وجمالي، للوصول الى الحقيقة، بمعناها المطلق. ولذا كان يبدو لنا هذا الفنان خلال هذه السيرورة الابداعية كمن يلهث من مفازة الى اخرى ، ومن فضاء الى اخر بحثا عن حقيقة متسامية قد يراها آناً متجسدة في هذا الفضاء البصري او ذاك او في هذا السطح او ذاك، لكنه حالما يحقق مبتغاه، يخامره احساس كاسح بان الحقيقة التي يبحث عنها، رؤيوياً وفنياً تظل تهرب منه ، مثل سراب او وهم او حلم يصعب القبض عليه.
هذا البحث الدائم الذي يبدأ من الذات، وينتهي بسطح اللوحة، هو الذي يفسر سر هذه التقلبات والتحولات المتصلة في تجربة هذا الفنان الرؤيوية والفنية، وهو ايضا الذي يفسر سر الارتباط بين التجربة العملية والرؤيا النظرية والشخصية للفنان. والفنان شاكر حسن ال سعيد من الفنانين العراقيين القلائل الذين يجيدون التنظير الجمالي ويرتفعون به احياناً الى درجة الخطاب الفلسفي والصوفي عبر لغة فنية محتدمة وثرية تجعل من خطابه الفني نصاً ابداعياً مفتوحاً، وفي بعض الاحيان مفتاحاً لفك مغاليق اللوحة التشكيلية التي يرسمها.
ولانريد الايحاء هنا بان الناقد ملزم دائما بالاحتكام الى اراء الفنان التشكيلي ذاته، وتصوراته حول تجربته الفنية. بل ان هذا الناقد مطالب بالاحتكام الى الفضاء التشكيلي ذاته، وهو مايجعله احيانا يتقاطع مع بعض احكام الفنان النظرية، كما قد يجد في مواطن اخرى مبررات مشروعة للاتفاق العفوي معه. ومن هذه النقطة بالذات يبدأ افتراقنا عن المنظور النظري القصدي للفنان ، ونحن نحاول تقديم قراءة سيميائية دلالية للوحته. فالفنان يعلن صراحة في المقدمة التي كتبها لدليل معرضة الاستعادي عام 1994 ان اعماله غير قابلة للقراءة او كما يقول " ان حقيقة قراءتها هي في لامقروئيتها. " وهنا نجد انفسنا في معارضة لرأي الفنان في " لامقروئية" اعماله، ذلك ان هذه المقروئية هي فعالية تأويلية لاعلاقة لها بالمبدع او المنتج او المتأمل في حالة الفنان آل سعيد ولا باللوحة بوصفها نصاً، بل هي فعالية مقترنة بوظيفة المشاهد او المتلقي الذي يُسهم بدور فاعل وايجابي في فك شفرات اللوحة على وفق وعيه وثقافته وخبرته، وهو وحده الذي يقرر درجة مقروئية او لامقروئية هذا النص او ذاك وضمناً هذه اللوحة او تلك.
فالبنيوية مثلا وحتى في اشد مستوياتها شكلانية لاتعلن لامقروئية النص، مع انها تنظر الى هذا النص بوصفه بنية ذاتية مكتفية بذاتها، ولاصلة مرجعية لها بالواقعة الخارجية، لانها كما ترى ذاتية المرجع. أي ان كل مانحتاجه يكمن داخل حدود النص ذاته، وليس خارجه. لكن هذا القول لايمنع البتة من القول بامكانية قراءة او تأويل هذا النص من قبل المتلقي، وهو امر يفسح المجال الواسع امام سلسلة لانهائية من التأويلات والقراءات. وهذا هو ماجاءت به لاحقا نزعة التفكيك في النقد واتجاهات نظريات القراءة والتلقي لدى ياوس وايزر. فقد نفت النزعة التفكيكية امكانية الوصول الى بنية محددة وبالتالي الى يقين محدد واعلنت ان اية قراءة هي " اساءة قراءة" . لكن نظريات القراة والتلقي منحت الحرية لتعدد القراءات والتأويلات على وفق اعتبارات ذاتية وموضوعية معينة، دون ان تنفى امكانية الوصول الى قراءة مقبولة.
ومن هنا تظل اللوحة هي الفضاء البصري الذي نحتكم اليه بوصفه نصاً: فكيف يتسنى لنا " قراءة" او " تأويل " اللوحة التشكيلية عند الفنان شاكر حسن آل سعيد ؟ يخيل لي ان سيميائية اللوحة هنا تتخذ مسارا معقداً ومركباً في آن واحد . فاذا ما كانت اللوحة التشكيلية الاعتيادية، لدى معظم الفنانين، تتخذ من العلامة الايقونية icon لبنة اساسية لبناء الفضاء البصري داخل اللوحة عن طريق اقامة درجات مختلفة من التماثل او الاختزال او التجريد مع الشيء الخارجي، وبالتالي تتيح الفرصة للمؤول لاعادة انتاج المعنى والدلالة، فان اللوحة التشكيلية عند شاكر حسن آل سعيد تنحو نحو انتاج مجموعة اوسع من الانظمة العلامية المركبة (بتقسيمات شارل بيرس) : العلامات الايقونية والعلامات المؤشرية (الاشارية) او القرينية index والعلامات الرمزية symbols داخل فضاء واحد. ولذا فان هذه اللوحة تتطلب يقظة خاصة ونوعاً محدداً من التلقي تتضافر فيه المدركات الحسية الخارجية، والقدرات الذهنية، وخزين الذاكرة والخبرات الشخصية لدى المتلقي لفك شفرات هذا السطح البصري، الذي يبدو للوهلة الاولى برئياً ومسطحاً، لكنه في الحقيقة، يظل ، في احيان كثيرة ، حرباوياً، وماكراً وعصيا على الادراك.
ان المظاهر العيانية التي ينتزعها الفنان او يعيد انتاجها من الجدران والارضيات والسطوح المختلفة، او المظاهر الخليقية المختزلة او المشوهة، الكلية او الجزئية، وكذلك الالوان والظلال هي مظاهر دالة على بعض مستويات التعبير العلامي الايقوني القائم على بعض درجات التماثل مع الشئ الخارجي ، وبالتالي على التشابه النسبي بين الدال والمدلول . لكننا نجد انفسنا، ونحن نتحدث عن المظاهر الايقونية عند شاكر حسن ال سعيد مدفوعين الى ملاحظة ان اشكال التماثل مع المرجع الخارجي لا تتخذ شكل محاكاة اكاديمية او واقعية، بل تتخذ شكلا جزئيا ومتشظيا وتجريديا في الغالب ، ولذا فان درجة التعليل التي تبدو فيها العلامة الايقونية تكون خاضعة بالدرجة الاولى الى فاعلية المتلقي ذاتها والى خبرته وثقافته وحساسيته الشخصية. ومن المهم ان نتذكر بان (شارل بيرس) قد ميز بين ثلاثة انماط من العلامات الايقونية هي: الصورة والرسم التوضيحي والبياني والاستعارة. وما نجده في لوحات ال سعيد هو هذا التداخل بين هذه المستويات الثلاثة معاً، مع هيمنة واضحة للمستوى الاستعاري للعلامة الايقونية، لانها تمتلك درجة ابعد في التجريد، وفاعلية ذهنية اعمق من المستوى المباشر المعلل المدرك من خلال نمط الصورة الايقوني مثلا. ومعنى هذا ان العلامة الايقونية في هذه اللوحات لايمكن ان تقدم نفسها لمتلقيها بسهولة، بل تتطلب مهارات خاصة في التلقي والنظر تجعلها ترقى احياناً الى مستوى العلامة الرمزية غير المعللة. ولذا فقد كان (امبرتو ايكو) على حق عندما حذر من النظر الى العلامات الايقونية من مجرد التشابه على انها علامات طبيعية، أي انها لاتعتمد على العرف، ويمكن التعرف اليها بمجرد ادراكها بالحواس ودون اللجوء الى اصطلاح سابق يحدد منحى تفسيرها. ويربط (ايكو) بين الدال والمشار اليه فيها فيقول ان التشابه ليس علة مطلقة ولكنه يقوم ايضا على علاقة عريقة وثقافية. وهذا يعني ان التشابه بين الصورة والشئ او الموضوع الذي تمثله هو نتاج التعرف الى العلامة، ايا كانت ، يتطلب شفرة مشتركة بين افراد الجماعة التي تستخدم هذه العلامات، كما ان العلامة الايقونية، تبدو في الثقافة الحديثة، شبه اصطلاحية ، ولايمكن قراءتها بسهولة الا داخل مناخ ثقافي واحد، وانها قد تصبح غير قابلة للادراك في حالة تجاوز حدود هذا المناخ الزمانية والمكانية. ويلاحظ (لوتمان) ان اللوحات الاوربية التي تنتمي للمدرسة الانطباعية تبدو للمشاهد الصيني وكأنها تجمع عشوائي لبقع لاتمثل شيئا ، وهذا يفسر عجز المشاهد العادي احيانا، الذي يفتقر الى ثقافة تشكيلية معينة، من تذوق اعمال الفن التشكيلي الحديث، على الرغم من ان هذه الاعمال تقوم في الغالب على درجة ما من درجات التماثل الايقوني مع الشئ ، ويفترض فيها ان تكون طبيعية وقادرة على مخاطبة الاخرين، وابلاغ رسالتها بسهولة.
ومن هنا ، علينا ان ندرك خصوصية العلامة الايقونية ولا مباشرتها في لوحات الفنان شاكر حسن ال سعيد، واقتضائها درجة معينة من الترميز، وتلازمها في الوقت ذاته مع العلامتين المؤشرية والرمزية.
وهذا مايفسر عجز المشاهد العادي احيانا الذي يفتقر الى ثقافة تشكيلية معينة من تذوق اعمال الفن التشكيلي الحديث، على الرغم من ان هذه الاعمال تقوم في الغالب على درجة ما من درجات التماثل الايقوني مع الشئ، ويفترض فيها ان تكون طبعية وقادرة على مخاطبة الاخرين وابلاغ رسالتها بسهولة.
ومن هنا ، علينا ان ندرك خصوصية العلامة الايقونية ولامباشرتها في لوحة الفنان شاكر حسن آل سعيد ، واقتضائها درجة معينة من الترميز، وتلازمها في الوقت ذاته مع العلامتين المؤشريةوالرمزية.
اما العلامة المؤشرية التي تقوم اساسا على المجاورة، وليس على التشابه او الترميز كما هو الحال في كون الدخان مؤشراً على وجود النار، ومثلما تشير الاعراض المرضية الى الحالة المرضية ذاتها، او صوت عيار ناري مصحوب بصرخة انسانية اشارة الى وجود جريمة قتل فسنجد في تجربة الفنان شاكر حسن آل سعيد مظاهر مختلفة منها بشكل خاص الاثر Trace الذي يتركه شئ خارجي ، محيطي او بشري او خليقي ، على سطح اللوحة. ان لوحة تعرضت الى الحرق او التآكل او التلف او تضمنت خرقا او ترقيعا او تراكما لهي علامة " مؤشرية" واضحة تعتمد التجاور وتنبئ عما هو مغيب. ان العلامة المؤشرية عند شاكر حسن آل سعيد هي علامة على بنية اشارية مغيبة تقع خارج اللوحة، وهي بالتأكيد تنتمي الى المرجع الخارجي بمستوياته المختلفة، ويمكن للمتلقي بدوره ان يستكمل عملية تلقي اللوحة وانتاجها عن طريق ردم الثغرات والفجوات الناشئة واستحضار ما هو مغيب او مسكوت عنه. ويمكن القول ان العلامات المؤشرية، التي تعتمد على المجاورة وعلىالاثر الذي يشير الى شئ مغيب او كائن خارج فضاء اللوحة تزداد هيمنتة في الفضاء البصري الذي ينتجه الفنان ال سعيد، ذلك ان الفنان عندما ينتقي مشاهد او لقطات او جزئيات من الواقعة الخارجية المحيطية او الجدارية مثلاً، فهو لايعنى الا بالاثار والتأثيرات التي تتركها الكائنات الخليقية او الانسانية اساسا في هذه المشاهد . ان اللوحات التي رسمها الفنان عن الحرب، على سبيل المثال، كانت تحفل بالعلامات المؤشرية التي تعتمد التجاوز مثل الحروق، واثار الرصاص والنار والدخان والتهدمات والتآكلات المختلفة التي تتركها الحرب مثل بصمات تومئ الى مرجعها الخارجي المغيب أو المسكوت عنه. ومن كل ماتقدم يمكن الوصول الى استنتاج يدعم احتفال الفنان آل سعيد بالعلامة المؤشرية وبشكل خاص عن طريق الاحتفاء بالاثار التي تتركها الاشياء على السطوح والجدران والمسطحات المائية، وليس بالاشياء ذاتها، او لذاتها . لكننا نلاحظ من جهة اخرى امتداد العلامة المؤشرية الى المستويين الايقوني عن طريق بعض درجات المماثلة والتجسيد التي يتداخل فيهاالاثر بالمؤثر، والرمزي، وبشكل خاص في مستواه الحروفي والاشاري، والذي قد يكون في بعض جوانبه علامة مؤشرية مثل الحروف والكتابات العشوائية وخربشات الاطفال غير المفهومة على الجدران والتي تشير عن طريق المجاورة الى فعل انساني خارجي، لكن بعضا من هذه العلامات الرمزيةيكتسب اهميته من انتمائه الى العلامات الرمزية التي هي علامات وضعية غير معللة، وتتطلب معرفة مسبقة من قبل المتلقي. وهذا مايدفعنا الى التوقف امام اهمية العلامات الرمزية في الفضاءالبصري الذي ينتجه الفنان شاكر حسن ال سعيد، حيث يزخر هذا الفضاء بالعلامات الرمزية اللغوية وغير اللغوية التي تتمثل في شكل حروف منفردة او كلمات ، او جمل تامة او ناقصة وفي شكل اسهم واشارات وارقام واوفاق وعلامات هندسية مختلفة كالمربع والمستطيل والمثلث والخطوط المتقاطعة اضافة الى ظهور بعض الاشكال البصرية غير اللغوية التي تومئ الى بنية دلالية استعارية او مغيبة (مثلا تكرار ظهور المعراج التأملي الذي يكشف عن قيمة روحية بوصفه طريقا للتسامي الروحي وللاتصال بالذات العليا، وهو ايضا يمتلك قيمته الفنية بالنسبة للسطح البصري،بو صفه اداة تشق العتمة او الكثافة اللونية بسكين ضوئي، ابيض او رمادي في الغالب.
ان العلامة الرمزية عند شاكر حسن آل سعيد، شأنها شان اية علامة رمزية قائمة على علاقة عرضية او مواضعة سابقة معترف بها ( مثل الاتفاق على ابجدية لغوية معينة) . وكما يلاحظ (كير ايلام) فان العلاقة بين الدال والمدلول ، بالنسبة للرمز عرفية او غير معللة بسبب عدم وجود تشابه او صلة فيزيقية بين الاثنين، ذلك ان الرمز علامة تحيل الى الشئ الذي تشير اليه بفضل قانون غالباً مايعتمد على التداعي بين افكار عامة. ومعنى هذا ان العلامة الرمزية وبشكل خاص اللسانية والرقمية والسحرية، تتطلب متلقيا من نوع خاص لقراءة او تأويل السطح البصري للوحة عند الفنان شاكر حسن آل سعيد. فالعلامة اللغوية هنا تخرج من اطارها الجمالي، والتعبيري او الزخرفي وتكتسب في مقابل ذلك ، قيمة روحية ابستمولوجية ودلالية تتطلب فكا للتشفير الكامن فيها داخلياً، ولذا فهي قد تفتقد قدرتها على التركيز او التأويل اذا ما انقطعت الصلة بين اللوحة والمتلقي. ولنفترض ان متلقياً اجنبياً لايعرف اللغة العربية وارقامها واوفاقها يقف امام لوحة لشاكر حسن افترض فيها الفنان ان رقم 87 في حساب الجمل يعني كلمة (فاو) ، او انه تطلع الى تشكيل حروفي او رقمي لاحد الاوفاق اوللمربع السحري او وجد جملة كاملة منقولة عن جدار ، وهي قد تكون جملة كاملة تتطلب قراءة، وقد تكون جملة ناقصة تفترض من متلقيها استكمالها او استنطاقها، ترى ما الذي يمكن ان يحققه هذا المشاهد الاجنبي من سيميائية اللوحة وبشكل خاص امام علاماتها الرمزية ان ذلك يؤكد مرة اخرى ان العلامة الرمزية تتطلب في حالة الفنان شاكر حسن آل سعيد متلقياً من نوع خاص ملم باللغة والفلسفة والاطار الثقافي الاسلامي العربي والانساني مرة واحدة . ويمكن ان نخلص الى القول بان السطح البصري للوحة عند شاكر حسن آل سعيد يزخر بنظام معقد تتضافر في فضائه مختلف انواع العلامات السيميائية في آن واحد، والتي تتداخل وتتبادل الادوار احياناً ضمن جدلية معقدة يلعب فيها المتلقي دوراً فاعلاً وايجابياً وخلاقاً ان المتلقي الذي يقف امام لوحة تشكيلية للفنان شاكر حسن آل سعيد يجد بصره يتحرك افقياً وعمودياً ، داخل اللوحة وخارجها ، ذلك ان الفنان قلما يعنى بالمنظور الجوي او يخلق توازنات وبؤرا داخلية في السطح الجغرافي للوحة، ويستبدل ذلك بالحركة ربما بصورة غير واعية على محورين اساسيين هما : المحور الافقي والمحور العمودي، المحور الافقي هو محور خطي سياقي Syntagmatic تتراصف فيه الوحدات البصرية على محور وهمي ( على غرار تراصف الوحدات اللغوية داخل الجملة) ، وهو في الغالب يمثل عناصر حضورية، بصرية ، او ملمسية او كتلية ، تكشف في الجوهر عن خيط سردي سري يشد اللوحة بين اقصى اليمين واقصى اليسار ، وهذا المحور ، في الغالب ، يقترن بما هو حسي وارضي وجسدي او خليقي، اما المحور العمودي فهو محور استبدالي Paradigmatic قائم على مفردات انشائية وتكوينية مترابطة بعضها حضوري وبعضها الاخر غيابي يستفز ذاكرة المتلقي او ذاكرته الاستبدالية بمصطلحات ريفاتير، وهذا المحور هو في الغالب ، روحي، وتجريدي قائم على التسامي على ماهو حسي وجسدي وصولا الى نقاء الذات في المطلق او حلولها في الطبيعة وفق فكرة الحلول الصوفية. ويتمثل هذا المحور العمودي بصريا في خط او مجموعة خطوط او شقوق تخترق اللوحة من الاعلى الى الاسفل بشكل عمودي او مائل جزئيا، ويتخذ في الغالب ، كتليا ، شكل معراج تأملي متعرج يمثل طريقا لتحرير الروح او الذات مما هو ارضي وحسي، تسامياً وتوحداً بما هو اثيري ومطلق، ولونيا يمثل هذا الشق الطولي دفقه ضوء ساطع تمزق عتمة اللون او كثافته. ويمكن ان نلاحظ مستوى من التجاذب الخفي على هذا المحور العمودي بين طرفي ثنائية ضدية هي ثنائية الاعلى والاسفل فالاعلى ، روحي ومتسام واثيري ومقدس، بينما الاسفل يلتحم بالمحور الافقي ويكشف عن جذور ارضية وحسية وبشرية قد تكون مدنسة احياناً، وقد يتحرك قطبا هذه الثنائية او احدهما الى الحد الاقصى للوحة ، او يخرجان بعيداً عن اللوحة او الاطار في حالات معينة.
هذه هي المفردات التكوينية والسيميائية للوحة عند الفنان شاكر حسن آل سعيد وكما تتراءى لنا فهي مفردات لاتخلو من ضبط انشائي صارم، على الرغم من مظهرها العفوي القائم احياناً على المصادفة التي تقرب من الفن الحركي Action (عند جاكسن بولوك) او في التجربة المحيطية للفنان الاسباني ( ارتو تابيز) او من براءة الخط وحركته العفوية عند (خوان ميرو) او (كاندنسكي) احياناً. ان هذه المفردات، على الرغم من مظهرها البرئ تظل محملة بحمولات ابستمولوجية ودلالية ورمزية تحتمل الكثير من التأويل من طرف المشاهد ، ولذا فان ما يعتقده الفنان شاكر حسن آل سعيد " لامقروئية " عمله، يتحول من طرف المتلقي الى مقرونية والى نص قابل لتأويلات وقراءات لانهائية.
ان اللوحة تسير ، بشكل عام ، في تجربة الفنان آل سعيد ، نحو التسامي الروحي، ونحو التخلص مما هو حسي ومادي ومؤنسن، ويسهم اللون والخط والنقطة ، من الناحية البصرية والانشائية في تحقيق حالة التسامي هذه. فألوان الفنان تتسم في الغالب بهيمنة الضوء عليها ، لذا تبدو معظم الالوان قاتمة ، بيضاء او صفراء او رمادية تتوازن احياناً ضدياً مع الوان غامقة محدودة يقف في مقدمتها اللون الاسود، لكن البنية اللونية المهيمنة تظل هي بنية البياض: رمز النقاء والتسامي والتحرر من ربقة الحسي والجسدي والمدنس. وهذا يفسر لنا سر محدودية الالوان التي يفضلها الفنان وندرة بعض الالوان مثل الاخضر وكما لاحظنا سابقا يميل الفنان لاستثمار الشقوق الطولية خاصة داخل اللوحة والتي تتمثل احياناً في شكل معراج تأملي لضخ دفقة ضوء باهر، ابيض غالبا لكسر حدة اللون او ماديته. اما الخط ، عند الفنان، فهو الاداة التكوينية الاساسية بعد اللون للتسامي بالفضاء البصري للوحة، ذلك ان الفنان قد اتخذ من الخط منذ تحوله في بداية الستينات نحو البعد الواحد وسيلة للتسامي الروحي وللتخلص من حالة التجسد والتشخيص من جهة ولتجنب الاطار ثنائي البعدين للوحة التشكيلية والذي قد ينفتح احياناً على بعد ثالث للالتحام بالواقع الخارجي المحيطي ذاته . اما النقطة فهي الوحدة الصغرى التي يتجه نحوها الفنان بوصفها تقترب من حالة التلاشي او الاندثار وصولا الى حالة التسامي الاثيري والتحرر الكلي من كثافة ماهو مادي وحسي وملموس : من اختزال الشكل الانساني والاشكال الخليقية ، نحو بعض مستويات التجريد، وانتهاءاً بالتجريد الهندسي، ومن ثم بما بعد التجريد والرؤيا المحيطية : تلك هي سيرورة اللوحة عند الفنان شاكر حسن آل سعيد وصولا الى حالة التسامي الصوفي، لذوبان ذات الفنان ، وتحررها والتحامها مع المطلق ، في حالة صوفية نادرة قريبة من (النرفانا) ، بحثا عن حقيقة مطلقة، ميتافيزيقية او صوفية قد تجد بعض تجسداتها في مظاهر محيطية او خليقية لكنها سرعان ماتتلاشى لتدفع بالفنان الى مزيد من البحث الروحي والجمالي عبر الرؤيا والاداة عن تلك الحقيقة المطلقة .من كل ماتقدم يمكن القول ان اللوحة عند الفنان شاكر حسن آل سعيد كون محتدم بالاشارات والرموز والعلامات الحاضرة والمغيبة ، كون يكشف عن بصيرة ورؤيا تجعل من الفنان شاكر حسن آل سعيد واحداً من الفنانين الرؤيويين القلائل ، ومن الفنانين الذين يمتلكون رؤيا فلسفية وحضارية للفن والحياة، وهو مايجعل منه ظاهرة فنية متميزة، ومدرسة مستقلة في الفن العراقي خاصة والفن العربي بشكل عام، والفنان، يظل على الرغم من تأكيده لجذوره التأملية التي تحيل الانتاج الفني الى موقف سلبي محايد ازاء الطبيعة والواقع الخارجي، يظل فناناً خلاقاً بالمعنى الجمالي وليس الديني ذلك انه خالق فضاء بصري مكتنز بالدوال وممتلئ بالاشارات والرموز والاسرار .
لقد كتب الفنان شاكر حسن آل سعيد مرة في " البيان التأملي" الذي نشره عام 1966، بأن التأمل من جانب المشاهد هو شهود الحقيقة من خلال الكون، وبضمنه العمل الفني، وان الفن ، بهذا المعنى، الاخير هو ضرب من العبادة " . وهذا هو الاحساس الذي يتلقاه المشاهد الذي يستنطق فن آل سعيد : فهو امام عمل فني شفاف يكاد ان يكون ضربا من العبادة، روحياً وفنياً ورؤيوياً. وتظل اللوحة التشكيلية لديه ثرية ومحتدمة ومتفجرة بالدلالات والاشارات السرية التي تحفز مخيلة المشاهد وتصدمها معاً، لانها تمتلك بنية مفتوحة على تأويلات وقراءات و " مشاهدات" لانهائية بوصفها " نصاً" مفتوحاً، وبنية كثيفة ، تحيل دائما الى سطحها الخارجي ، بقدر ماتحيل الى المحيط الخارجي، وتكشف دائماً عن "رؤيا" مفتوحة متحولة ومتنامية تجاور " النص " المفتوح للوحة ذاته، وهو ما يجعل الفضاء التشكيلي عند الفنان شاكر حسن آل سعيد مصدراً للمتعة والتأمل والدهشة معاً.






التعليقات