فاضل ثامر

&
&
(1)
مدخل اول الى عالم الاسرار الصحراوي:

عندما أقرأ روايات الكوني وبشكل خاص رواياته الملحمية الطويلة الكبيرة مثل رباعية "الخسوف" و"المجوس" و"السحرة" أتخيل نفسي امام بدوي يفتح لنا عباءته ويقذف امامنا سيلاً من الاشياء والكائنات الغريبة ويتركنا مدهوشين مفتوحي الاعين، وكأ،ه يقول لنا: هذه هي اسراري المقدسة التي احاول حمايتها طيلة حياتي، او يبدو لي احياناً مثل ساحر ماكر يفرغ صندوقه الأسود بكل ما فيه من صور ومخلوقات وحكايات لكي يمتلكنا بهذا السحر المخبوء: فها نحن نجد انفسنا امام كثافة من المرئيات والمرويات التي يصعب الجمع بينها احياناً، حتى يتبادر الى ذهني سؤال مفاجئ:
ترى هل يشكل السرد، بوصفه لعبة فنية معقدة وماكرة هماً اساسياً لابراهيم الكوني وهو يقذف امامنا بتفاصيل عالمه السري، ام انه مهموم اساساً بتقديم هذا الكم الهائل من المرويات والأساطير والحكايات والشخصيات والحبكات. واكاد ان اصدق احياناً بأنه فعلاً مهموم بصندوقه السحري ومحتوياته الغريبة، لكني عندما اعاود النظر ملياً، اكتشف ان ابراهيم الكوني اكثر مكراً مما يبدو، فعلى الرغم من حرصه على ممتلكاته البصرية. الا انه يتقن اللعبة السردية الى حد كبير وان كان لا يمنحها المرتبة الاولى من جدول اهتماماته الاخرى. فالاشياء والمرئيات والحكايات لا تتحرك بطريقة عشوائية، لسنا امام (متن حكائي) خام وساذج بل نحن امام (بنى حكائي) نسج بطريقة بارعة سببه وزمنية ويتشكل سردياً وفقاً لتراتبات ومعايير سردية واضحة.
ثمة خطاب سردي ناضج وحبكات نامية ومعقدة، ربما تقول ان كثافة الواقع الذي يخلقه المؤلف وينوء بحمله لا تدع له فرصة لصقل ادواته السردية: فما يهمه اساساً ان يجمد لحظة الزمان السرمدي، لحظة التآكل التأريخي من اجل الابقاء على لحظة تزامن (سنكروني) يثبت فيها اشياءه ووقائعه على ارضية الحاضر.
مرة تحدث ابراهيم الكوني عن سر انكبابه المفاجئ على نبش ذاكرة الصحراء وقذف محتوياتها امامنا، فأشار الى ان حياته في الغربة، وبالذات عندما كان يعيش في موسكو، جعلته يبحث عن سؤال الهوية والاصالة، كان يشعر بحنين جارف الى حرارة الصحراء، ولذا قرر ان يوقف ساعة الزمن وان يحافظ على ثروته المقدسة من الضياع والتآكل والنسيان. وهكذا فقد راح يجمع على عجل احياناً، كل اللقى والتمائم والتعويذات المخبوءة ويضعها في صندوقه السحري ليقدمها لنا مرة واحدة، وكان الكتابة هي التميمة السحرية التي يواجه بها منطق الزمن ومنطق النسيان والزوال بتجميد لحظة الزمن، واستعادة الماضي واعادة تقديمه بوصفه حاضراً حياً كان هماً سردياً اساسياً من هموم ابراهيم الكوني مكنه من منح هذا العالم كل هذه الالفة والحرارة والواقعية.
الكتابة، والكتابة السرية هي طريقة للإمساك بالاشياء قبل ان تتداعى وتتهاوى وتسقط في هاوية النسيان والماضي والاندثار. ومن المؤكد ان ابراهيم الكوني، الصانع الماهر للعبة السرد قد نجح الى حد كبير في تحقيق مشروعه الثقافي والشخصي الخطير وايصال رسالته الفكرية.
&
(2)
منذ البداية يضعنا عالم ابراهيم الكوني في منطقة الدهشة والغرابة والذهول ونجد انفسنا امام هذا الامتداد اللامتناهي للصحراء والافق والزمان، ونكتشف تدريجياً عبر الامعان في التأمل والفحص طبقات خفية غير مرئية من سيرة الاشياء الظاهرية، حتى لتبدو لنا مثل الاله (بروتيه) الذي يغير مظهره في كل زمان ومكان، وندرك على الفور ان للروائي مجساته الخاصة التي يمتلكها، والتي نعجز عن امتلاكها، والتي تمنحه حرية التوغل داخل هذا العالم المجهول لينزع عنه براءته ومألوفيته ويعيد اكتشافه وتشكيله بصورة جديدة لم نألفها من قبل. إنه ينبش ذاكرة شعب في عزلته التي تمتد عبر القرون، وكأنه يحاول التمسك بما يحاول الافلات من ذاكرة هذا الشعب الصحراوي في عزلته ومعاناته وطقوسه القاسية. وهو في كل ذلك يلملم الخيوط اللامرئية التي تشكل اللاوعي الجمعي لهذا الشعب ويحاول الامساك بها وصولاً الى فهم الطبيعة البشرية لهذا الكائن البشري في عزلته ومكابدته عبر الزمان والمكان. ويبدو لنا هذا الكائن المستوحش الاعزل وكأنه يحاول ان يحتفظ بسر اصالته وبقائه وتواصله والمتمثل اصلاً في العودة الى الطبيعة والهرب من كل مظاهر المدنية والحضارة والثقافة. انه يهرب دائماً من الشمال الى الجنوب ومن المدينة الى الصحر يهرب من البحر نحو بحر الرمال اللامتناهي داخل قوقعته الصحراوية المعزولة، ويندر تبعاً لذلك كل المظاهر التي تقذفه بها المدنية او الحضارة او "الاخر" شراً يجب الهرب منه من اجل الحفاظ على عنصر الاصالة في الذات الصحراوية. وتبعاً لذلك تتسع دائرة الصراع داخل ثنائية الثقافة/ الطبيعة او النيئ/ المطبوخ في اغلب اعمال ابراهيم الكوني الروائية وتتخذ مظاهر بنيوية وسردية وثيمية متنوعة، يمكن تلمسها بطريقة او بأخرى، كما تتفرع عن هذه الثنائية الاساسية ثنائيات فرعية مثل ثنائية الاعلى/ الاسفل، وثنائية الروحي/ المادي وثنائية الذهب، الزهد وثنائية الطعام الحيواني/ الطعام النباتي وثنائية المقدس/ المدنس وغيرها من الثنائيات الضدية.
يحاول الكوني ان يقشر عن الشخصية الصحراوية كل ترسبات الثقافة وصولاً الى ما هو جوهري وطبيعي واصيل في هذه الشخصية. من اجل ان تحتفظ هذه الشخصية بحريتها وعفويتها وتلقائيتها في التعامل مع الاشياء، وتبعاً لذلك تبدو كل الاشياء المرتبطة بالثقافة مدنسة وملعونة وسافلة، بينما تطل الاشياء المرتبطة بالطبيعة مقدسة ومباركة وسامية في تناسل لا متناه لهذه الثنائيات الضدية المتفرعة اصلاً عن ثنائية الطبيعة/ الثقافة.
فالذهب، او التبر، يبدو مثل لعنة يجب على الصحراوي ان يرفضها، لانه يمسخ شخصيته ويدنسها. وعندما ارتضى (اوخيدّ) بطل رواية "التبر" ان يقبل حفنة من التبر اصابه الخزي والعار. فالعشيرة قد تغض النظر عن مقايضته زوجته بالابل.
الا انها لا يمكن ابداً ان تتسامح ازاء تدنيس شخصيته بحفنة من التبر، بل ان رواية (المجوس) تمنح مصطلح المجوس بعداً دلالياً جديداً بعيداً عن كونه ديناً وثنياً قديماً وتقرنه بعبادة الذهب وجمعه. اذ يعلن (الزعيم) في هذه الرواية وهو يقدم توصيفاً جديداً للمجوسي فيقول:
"ان المجوسي ليس من سجد للحجر لأن الله موجود اينما وليتم وجوهكم بما في ذلك الحجر، ولكن المجوسي الحقيقي هو من باع الله مقابل المال واستبدله في قلبه بحب الذهب" ـ ص409، ج1 ـ وهكذا تلاحق اللعنة كل الشخصيات التي تعبد الذهب، بل ويرتبط الذهب بمملكة الجن والميتافيزيقا، لذا يجب ان يظل الذهب جزءاً من الطبيعة، ولابد للكنوز المخبوءة او المسروقة ان تضيع في الصحراء او تظل مجهولة، لكي لا تلحق الخزي والعار بانسان الصحراء الطاهر والمتسامي.
في رواية "نزيف الحجر" نجد بطل الرواية (اسوف) وهو يتيهأ للصلاة، لكن التيوس لا تحب ان تبدأ معركتها الا مع لحظة توجهه للصلاة، لذا يتجه، دون وعي منه نحو الايقونة الحجرية، الصنم الحجري الضم المحفور الحجرية ويقف مدهوشاً في لحظة تجل لا واعية وهو يؤدي صلاته نحو هذا الصنم الحجري دون ان يدرك انه قد اخطأ الاتجاه، ولكنه يحس بالراحة في داخله، ليس لان النصارى من السواح كانوا يقفون خاشعين امام هذا الصنم، بل لأن ابيه كان قد قال له ان هذا الجني هو جده الاعلى (ص18) فالبطل هنا في اللاوعي يبتعد عن منطقة الثقافة مستعيداً جذوره الاصيلة التي تشده الى مظاهر الطبيعة. وتبدو العزلة الصحراوية عن الاخرين، وعن الانسان، تحديداً، هي الملاذ الذي يحافظ على النقاء والطهر والضيلة للاقتراب من ال. فقد كانت فلسفة ابيه تتركز في التأكيد على اهمية العزلة والابتعاد عن الناس، اذ يقول:
"اجاور الجن ولا اجاور الناس. اعوذ بالله من شر الناس" ص28. ويكرر الأب على مسامع ولده (اسوف) موالاً سمعه من افواه الصيادين يقول: "الصحراء كنز، مكافأة لمن اراد النجاة من استبعاد العبد واذى العباد، فيها الرضاء وفيها المراد"(ص28). بل فالاب يرى ان الانسان هو الشيطان، ولذا فهو يرفض مجاورة احد، اذ يقول "لا استطيع مجاورة احد. هكذا علمني جدي، وهكذا يجب ان اعلمك، لا اريد سوى الامان"(ص32).
ونلاحظ ان الشر والخراب قد حل بالصحراء منذ ان حل بها الانسان متمثلاً في قابيل ورفيقه مسعود الدباش. ولكي يحافظ (اسوف) على ما هو نقي وسامي وحر، متمثلاً برمز (الودّان) يرتضي ان يضحي بحياته تحت سكين (قابيل) لكي تظل قوى الطبيعة حرة وطليقة ومقدسة، وكأنه يقلب معادلة القربان المقدس عندما يتحول الانسان الى اضحية لانقاذ الودّان.
لقد ارتضى (اسوف) مصيره بحرية ورجولة، التزم بالعهد والنذر والامانة وفضل الموت على الخيانة، واصبح بموته جزءاً من الطبيعة، لقد حل بطريقة صوفية، في الطبيعة: حلت روحه في (الودّان) واصبح جزءاً من الودان نفسه. ويوظف لنا ابراهيم الكوني هذه النهاية فنشعر بوصفنا قراراً للرواية بأن هذا الموت البطولي القرباني هو جزء من البعث الجديد، من الولادة الجديدة الخلاص والطوفان. فالنبوءة المكتوبة على اللوح الحجري والتي تشبه رموز وتعاويذ السحرة في (كانو) تقول:
"انا الكاهن الاكبر متخندوش انبئ الاجيال ان الخلاص سيجيئ عندما ينزف الودّان المقدس، ويسيل الدم من الحجر، تولد المعجزة التي ستغسل اللعنة، تتطهر الارض ويغمر الصحراء الطوفان" (ص155).
وتبدأ نبوءة الكاهن الاكبر تتحقق مباشرة بعد موت (اسوف) على يدي قابيل، وعندما يحاول مسعود الدباش الهرب بعد مقتل (اسوف) تبدأ البوادر الاولى لغضب الطبيعة والطوفان، حيث تسود الشمس وتغطي السحب السماء وتبدأ عملية تطهير مقدسة للطبيعة من أدران الشر والدنس والخراب.
في رواية (المجوس) تتشكل بوضوح ثنائية الاعلى/ الاسفل التي هي مظهر آخر لثنائية الطبيعة/ الثقافة. فالبطل الشاب (اوداد) يرتقي دائماً قمة الجبل ويهرب من السهل.
فالاعلى رمز النقاء والسمو والطهارة والمقدس بينما الاسفل هو رمز للشر والجسد والعبودية ولكل ما هو مدنس. ولنقرأ هذين النصين: "وكما الجبل محراب الآلهة، فإن السهل مملكة الأبالسة" (ص15) "السهل عش الشياطين" (ص17) وتفشل محاولات (تامغارت) في استعادة (ادواد) من الجبل وتفشل معها خطط العراف ايضاً، اذْ لا ينفع الحجارة شيئاً في شد (اوداد) الى الارض، انه يختار الحرية، يختار الطبيعة، وبالذات ما هو سامٍ وعالٍ فيها.
&
(3)
تساؤل أخير:
يتبقى سؤال صعب وحائر:
اين يقف المؤلف على مستوى الوعي والقصدية من حركة هذه الثنائيات الضدية التي تتمحور حول ثنائية الطبيعة/ الثقافة ترى هل يؤمن حقاً، وهو المفكر المتحرر، بأهمية امحاء كل ما هو ثقافي وحضاري والعودة الى الاصول الطبيعية وصولا الى النقاء والزهد والتجرد ام انه يفعل ذلك بوصفه سارداً ومبدعاً، بمعنى آخر هل تعبير كتاباته عن وعي مونولوجي/ احادي بمفهوم باختين ام عن وعي بوليفوني/ تعددي، أي هل تنتسب الرؤيا الى وعي المؤلف ام الى وعي شخصياته الروائية التي تمتلك الحق كاملاً في التعبير عن منظوراتها الحياتية والفلسفية: وبمعنى آخر هل نحاكم ابراهيم الكوني المؤلف ام نحاكم شخصياته الروائية؟
في تقديري ان عالم ابراهيم الكوني هو عالم بوليفوني تعددي، يكشف عن العديد من المنظورات والرؤى الفلسفية المتعارضة، وهو يقف خارج هذه اللعبة خالقاً ومحركاً ومنظماً: فكل الاشياء تنتمي الى الشخصيات الروائية، والى الوقائع المروية ولا تنتمي الى الصوت الاحادي المونولوجي للمؤلف او لشخصية مركزية واحدة من شخصياته المركزية، وهذا ما مكنه من امتلاك حرية اكبر في تحريك عوالمه الملحمية الكبيرة التي تحتشد بالعشرات من الشخصيات وتزدحم بهذا الحشد الهائل من الاصوات والرؤى والمثيولوجيات، وهو ما يجعل منه كاتباً روائياً قديراً، وخاصة في قدرته على تحريك هذه الاحداث المتشابكة التي تترحك داخل فضاءات زمنية ومكانية لا متناهية ومنها ـ وهذا هو المهم ـ خلق زمنه السردي الأسطوري المتخيل الخاص بعوالمه الروائية المدهشة.