غالب حسن الشابندر
&
&
&
1&
&
ما وراء العنوان
"سماء في خوذة"...
ذلك هو العنوان الذي يحمله ديوان الصائغ الصادر سنة 1988 في بغداد، والذي يحكي فيه عن الحرب، وهي حرب مُسمّاة بلا شك، ولأن السماء أفق مفتوح، والخوذة حفرة ضيِّقة، فقد يستفيد ناقد بأنّ الشاعر أراد إرساء أو الكشف عن علاقة جدلية بين السعة والضيق، علاقة ذات طابع مأساوي شاق، ذلك أنّ مؤدّى الصياغة و بلحاظ حرف الجر ( في ) تفيد بان السماء بكل سعتها قد أختصرت في حفرة مخيفة، حفرة نافية، تلك هي الخوذة، ومن هنا كانت المأساة، ومن الطبيعي ليست هي علاقة منطقية، فانّ الضيق لا يحتوي ما هو أوسع منه، وبالتالي هي عمليّة قهريّة، قسرية، كما أنّها تخفي الحقيقة.
1&
&
ما وراء العنوان
"سماء في خوذة"...
ذلك هو العنوان الذي يحمله ديوان الصائغ الصادر سنة 1988 في بغداد، والذي يحكي فيه عن الحرب، وهي حرب مُسمّاة بلا شك، ولأن السماء أفق مفتوح، والخوذة حفرة ضيِّقة، فقد يستفيد ناقد بأنّ الشاعر أراد إرساء أو الكشف عن علاقة جدلية بين السعة والضيق، علاقة ذات طابع مأساوي شاق، ذلك أنّ مؤدّى الصياغة و بلحاظ حرف الجر ( في ) تفيد بان السماء بكل سعتها قد أختصرت في حفرة مخيفة، حفرة نافية، تلك هي الخوذة، ومن هنا كانت المأساة، ومن الطبيعي ليست هي علاقة منطقية، فانّ الضيق لا يحتوي ما هو أوسع منه، وبالتالي هي عمليّة قهريّة، قسرية، كما أنّها تخفي الحقيقة.
العلاقة أوسع وأعمق من هذا التصور!
السماء هذه هي حركة الأمل، هي التاريخ الذي يسير إلى الأمام، هي التطلّع الى المستقبل المشرق، هي الإنتظار الحي للجديد، الذي لا يلبث ان يستعد للرحيل، كي يأخذ الجديد التالي حقه من جسد الأيام الطويلة، والخوذة هي الياس، هي النهاية المشأومة، هي الظلام...
( سماء في خوذة )...
نعم، هناك علاقة بين حياة وعدم، ولكن العدم كان هو السابق وهو اللاحق، والحياة نهب بين زمنين قاسيين، زمنين من ذات الجنس، يحاصرانها من جهتي الوجود، فلا قدرة على الدوام الصريح، ولا فرصة للفرار إلى حين، علاقة إستحواذ وليس علاقة ضم، علاقة تسيُّد وليس علاقة تعاضد او تعارض، علاقة هصر، علاقة موت.
لنستعر الواقع ونحوِّله إلى آداة في تحليل النص الشعري، ولا نكتفي بآليات اللغة الصرفة، من مجاز وإستعارة وتأويل وطباق وجناس وغيرها من بنيات بلاغية معروفة، إن تحليل الصورة الشعرية من خلال الخوض في داخل الجسد الشعري شيئ جميل، وهو عملية تستمد شرعيتها من إشتهاء اللغة لذاتها الى حد اللعنة الأبدية، يشدّنا هذا التحليل إلى النص وحده، يستغرقنا بكلماته وصوره وحروفه، يفصلنا عن العالم الذي هو نواة الإلهام الشعري في بداية المشوار، ولكن لماذ نحصر أنفسنا بقراءة من لون واحد، لنستعر الواقع وفي ضوء الواقع المُستعار بل المنظور، نستشفُّ المعنى القابع وراء السماء، الساكن في الخوذة، المتجسِّد في حرف الجر.
هي الحرب...
ما هي الحصيلة والنتيجة والمآل؟
ذلك هو مدخل البلاغة الكونية لتحليل الشعر، البلاغة المُشتقّة من الواقع، من حركة الحياة، تُرى هل نستطيع إجتراح مفاهيم بلاغية واقعية؟
هي الحرب...
دماء في كل مكان... رصاص يرهب الأ طفال والنبات والماء... ثقوب تشوِّه الصحف والأناجيل والدواوين... خوف يستبد بالهواء والفكر والشعر... رعب يتلذّذ بترويع القلوب والمشاعر والأحاسيس... خراب يعطِّل الحدائق والحقول والمزارع... شظايا بشرية مدمّاة منتشرة هنا وهناك...
أليست هي حرب؟
ليست العلاقة بين السماء والخوذة هنا هندسية، ليست سعة وضيقاً، بل حياة وموت، ولا هي علاقة تسابق بين حرب وسلم، بل هي علاقة إستحواذ، لقد إنتهت السماء، أي أُجهضت الحياة، وجاء زمن الخوذة، اي إنتصر اليأس والدمار والموت.
هنا يمكن أن نتمعّن بالنصوص التالية : ــ
يقول :
ها أنا الآن أنظر من شقِ نافذة
للشوارع
وهي تضيق...
&تضيق
&تضيق
فأبكي...
( غرفة موحشة
ورقُ وذباب
وبذلة حرب... علاها التراب
ويقول في نص أخر :
فاهرب الآن... من موتك المستحيل
ــ لا مهرب
&هي الأرضُ أضيقُ مما تصورتُ
&أضيقُ من كف كهلِ بخيل...
ويقول في نص أخر :
أنت لو تفهمين إذن
كيف تجمعني الحرب في طلقةٍ
ثم تنثرني في شظايا المدنْ
أقلبي الصفحة الآن
لا وقت...
إنّ القنابل
&تقتسم الاصدقاء.
ليست هناك علاقة هندسية، هناك علاقة موت، علاقة نفي رهيب، فالخوذة أعلنت سلطانها الأبدي على السماء، أن حرف الجر هنا لا يفيد التضمين بقدر ما يفيد السلطنة القاهرة، سلطنة الموت على الحياة، لا نستفيد ذلك من وقع اللغة ونظام اللغة وقاموس اللغة، بل نسفيد ذلك أيضا من وقع الحرب ونظام الحرب وقاموس الحرب، من بلاغة الواقع فضلاً عن بلاغة اللغة.
أن الصورة الشعرية لا تنتمي الى الواقع ولا تنتمي الى اللغة، بل هي نتيجة مزاوجة حيّة بين الواقع واللغة، الأمر الذي يُنتج لنا عالماً جديداً، ذلك هو عالم الشعر، عالم يتوسط المسافة الهائلة بين السماء والأرض.
الثنائيات في الصورة الشعرية فن جميل، ولكن لا يكمن ذلك في رصف مجموعة كبيرة من الثنائيات، بل من تجيسر العلاقة الحيّة بين الثنائيات، وذلك يعود الى طبيعة القضية التي يثيرها الشاعر، ليس المهم ان نرصف كلمات مثل ( الموت والحياة، النور والظلام، الحرية والأستبداد، الشر والخير، الخصب والقحط... ) بل المهم هو تجسير نوع علاقة إ بلاغية حرّة مرنة متحركة بين هذه الثنائيات.
هل هي علاقة تنافي؟
&أم تكامل؟
أم توازي؟
أم أستحواذ؟
هنا يدخل موج هائل من المقتربات، الثقافة والقضية والمحيط واللاشعور والتجربة وا للغة والموسيقى والحالة النفسية والمصالح والسياسة...
هنا يكمن بحر من المقتربات...
هنا يموج ا لشعر بعالم كبير... كبير... كبير...
ومن هنا نقول : لا يوجد نقد بمستوى الشعر، هناك نقد يتناول نثريات من الشعر، من القصيدة، من البيت الواحد في القصيدة.
السماء هذه هي حركة الأمل، هي التاريخ الذي يسير إلى الأمام، هي التطلّع الى المستقبل المشرق، هي الإنتظار الحي للجديد، الذي لا يلبث ان يستعد للرحيل، كي يأخذ الجديد التالي حقه من جسد الأيام الطويلة، والخوذة هي الياس، هي النهاية المشأومة، هي الظلام...
( سماء في خوذة )...
نعم، هناك علاقة بين حياة وعدم، ولكن العدم كان هو السابق وهو اللاحق، والحياة نهب بين زمنين قاسيين، زمنين من ذات الجنس، يحاصرانها من جهتي الوجود، فلا قدرة على الدوام الصريح، ولا فرصة للفرار إلى حين، علاقة إستحواذ وليس علاقة ضم، علاقة تسيُّد وليس علاقة تعاضد او تعارض، علاقة هصر، علاقة موت.
لنستعر الواقع ونحوِّله إلى آداة في تحليل النص الشعري، ولا نكتفي بآليات اللغة الصرفة، من مجاز وإستعارة وتأويل وطباق وجناس وغيرها من بنيات بلاغية معروفة، إن تحليل الصورة الشعرية من خلال الخوض في داخل الجسد الشعري شيئ جميل، وهو عملية تستمد شرعيتها من إشتهاء اللغة لذاتها الى حد اللعنة الأبدية، يشدّنا هذا التحليل إلى النص وحده، يستغرقنا بكلماته وصوره وحروفه، يفصلنا عن العالم الذي هو نواة الإلهام الشعري في بداية المشوار، ولكن لماذ نحصر أنفسنا بقراءة من لون واحد، لنستعر الواقع وفي ضوء الواقع المُستعار بل المنظور، نستشفُّ المعنى القابع وراء السماء، الساكن في الخوذة، المتجسِّد في حرف الجر.
هي الحرب...
ما هي الحصيلة والنتيجة والمآل؟
ذلك هو مدخل البلاغة الكونية لتحليل الشعر، البلاغة المُشتقّة من الواقع، من حركة الحياة، تُرى هل نستطيع إجتراح مفاهيم بلاغية واقعية؟
هي الحرب...
دماء في كل مكان... رصاص يرهب الأ طفال والنبات والماء... ثقوب تشوِّه الصحف والأناجيل والدواوين... خوف يستبد بالهواء والفكر والشعر... رعب يتلذّذ بترويع القلوب والمشاعر والأحاسيس... خراب يعطِّل الحدائق والحقول والمزارع... شظايا بشرية مدمّاة منتشرة هنا وهناك...
أليست هي حرب؟
ليست العلاقة بين السماء والخوذة هنا هندسية، ليست سعة وضيقاً، بل حياة وموت، ولا هي علاقة تسابق بين حرب وسلم، بل هي علاقة إستحواذ، لقد إنتهت السماء، أي أُجهضت الحياة، وجاء زمن الخوذة، اي إنتصر اليأس والدمار والموت.
هنا يمكن أن نتمعّن بالنصوص التالية : ــ
يقول :
ها أنا الآن أنظر من شقِ نافذة
للشوارع
وهي تضيق...
&تضيق
&تضيق
فأبكي...
( غرفة موحشة
ورقُ وذباب
وبذلة حرب... علاها التراب
ويقول في نص أخر :
فاهرب الآن... من موتك المستحيل
ــ لا مهرب
&هي الأرضُ أضيقُ مما تصورتُ
&أضيقُ من كف كهلِ بخيل...
ويقول في نص أخر :
أنت لو تفهمين إذن
كيف تجمعني الحرب في طلقةٍ
ثم تنثرني في شظايا المدنْ
أقلبي الصفحة الآن
لا وقت...
إنّ القنابل
&تقتسم الاصدقاء.
ليست هناك علاقة هندسية، هناك علاقة موت، علاقة نفي رهيب، فالخوذة أعلنت سلطانها الأبدي على السماء، أن حرف الجر هنا لا يفيد التضمين بقدر ما يفيد السلطنة القاهرة، سلطنة الموت على الحياة، لا نستفيد ذلك من وقع اللغة ونظام اللغة وقاموس اللغة، بل نسفيد ذلك أيضا من وقع الحرب ونظام الحرب وقاموس الحرب، من بلاغة الواقع فضلاً عن بلاغة اللغة.
أن الصورة الشعرية لا تنتمي الى الواقع ولا تنتمي الى اللغة، بل هي نتيجة مزاوجة حيّة بين الواقع واللغة، الأمر الذي يُنتج لنا عالماً جديداً، ذلك هو عالم الشعر، عالم يتوسط المسافة الهائلة بين السماء والأرض.
الثنائيات في الصورة الشعرية فن جميل، ولكن لا يكمن ذلك في رصف مجموعة كبيرة من الثنائيات، بل من تجيسر العلاقة الحيّة بين الثنائيات، وذلك يعود الى طبيعة القضية التي يثيرها الشاعر، ليس المهم ان نرصف كلمات مثل ( الموت والحياة، النور والظلام، الحرية والأستبداد، الشر والخير، الخصب والقحط... ) بل المهم هو تجسير نوع علاقة إ بلاغية حرّة مرنة متحركة بين هذه الثنائيات.
هل هي علاقة تنافي؟
&أم تكامل؟
أم توازي؟
أم أستحواذ؟
هنا يدخل موج هائل من المقتربات، الثقافة والقضية والمحيط واللاشعور والتجربة وا للغة والموسيقى والحالة النفسية والمصالح والسياسة...
هنا يكمن بحر من المقتربات...
هنا يموج ا لشعر بعالم كبير... كبير... كبير...
ومن هنا نقول : لا يوجد نقد بمستوى الشعر، هناك نقد يتناول نثريات من الشعر، من القصيدة، من البيت الواحد في القصيدة.
&2
هذا زمن الثقوب
نستطيع ان نلتفت إلى إهمال الشاعر لمقتربات الحرب السجالية، وذلك من نصر وهزيمة وبطولة وصمود، وإلى ما غيرها من مفردات تتصل بالحرب السجالية التي كثيراً ما تتواصل بالقيم الأديولجية والسياسية والنضالية.
لقد تعامل مع الحرب بحد ذاتها، على مستوى الهوية الأولى، هي شر، هي فساد وهلاك وبوار، فلا بطولة في الحرب، ولا يوجد من يستحق وساماً في الحرب.
لم نعثر على البطل العشيري الذي يدافع عن شرف القبيلة، ولم نصادف البطل الرومانسي الذي يخوض الحرب كي يفوز بالحسناء التي ألهبت تصورات أبناء القبيلة أو الحي، غاب البطل العسكري الذي يقتحم النيران والدخان والسدود والحدود، لم نجد بطل العصر الفكتوري، الفارس الجميل الوسيم، يحمل سيفه الممشوق، ويمتطي حصانه العداء...
هناك الثقوب بدل صليل السيوف الممشوقة، بدل النياشين المسطّرة على أكتاف الأبطال، بدل قصائد الحماسة والتمجيد والتهليل... هناك الأحلام المثقوبة... سماء العراق المثقّبة بالشظايا... الرئة المثقوبة... الوطن المثقوب... القلوب المثقوبة... الجورب المثقوب بالاحلام... والبقاء المثقَّب... ليس جمال اللغة وحده يلعب دوره هنا، بل هناك مقترب كوني طبيعي يتزاوج مع اللغة، ذلك أنّ الحرب تنخل كل الوجود، تشتبك مع كل حقيقة وجودية لتحيلها الى مشهد كسيح، مشهد نصفه حي ونصفه الآخر ميّت، ومن هنا نصادف عملية ( التنصيف ) القسري تتكرّر في الديوان، تننصيف الحقيقة والواقع والوحدة والحب والأمل والحياة، لم تعد هنك وحدة تحمل نكهة الحياة بهويتها الصافية المتدفِّقة بالعطاء.
يقول :
وماذا تبقى لك من عُمرٍ
كنتَ تحمله ـ قلقا ـ وتهرول بين الملاجي والامنيات
تخاف عليه شظايا الزمان
قال العريف : هو الموتُ لا يقبل الطرح والجمع َ
فاختر لرأسك ثقباً بحجم أمانيك
هذا زمن الثقوب.
الزمن هنا ليس مصفوفة أيام بقدر ما هو قدر الحياة، إنّه زمن الثقوب، زمن الخواء والموت والعطالة والكسل الروحي والتشظي والخراب والهلاك والبوار، ( الثقب ) في الديوان يحتل مكانة وظيفية مركزية، تعبير عن سقوط الزمن، الثقب يقابل الإمتلاء، يقابل التماسك، يقابل الوحدة، يقابل الإنسجام، هناك زمن منتهك، زمن مُغتصب، ليس هناك سلام، ليس هناك أمل، هناك ثقوب مخيفة، ننظر من خلالها، ونتنفس بها، ونعيش فيها...
&3
النفاق الشعري
يقول في نص جميل :
نظرتُ لموتي المؤجَّل... يرمقني ببرودٍ.
&هذا النصُّ نقد مبطَّن للواقع السائد، الواقع الذي يُقرّرْ من فوق، فالشاعر لا يملك مصيره، مكبَّل اليدين، مقموع الروح، فهو يتعامل مع الموت وليس مع الحياة، هذا هو الممنوع الذي يتحكم بالشاعر، الممنوع الذي يعبر عن حقه بهذه الطريقة، ومهمّة الناقد إخراج المخفي، ذلك المخفي الذي يلحّ على حقّه بالظهور، ولكن هناك ما يقمع ويمنع.
الصورة الشعرية متلفعّة بثوب مرقّع، بثوب ملوّن، والمطلوب تمزيق هذا الثوب، تقطيعه والنظر من خلال الثقوب والشروخات لمعاينة المستور، الصورة الحقيقية تكمن هناك، الصورة الخارجية شبح لما هو أعمق، يتبدى فيها نفاق الشاعر، نعم، هناك نفاق شعري، ليس النفاق الشعري ممارسة أخلاقية بالمعنى المعروف، كأن يتزلّف الشاعر، أو يقول ما لا يؤمن به، بل النفاق الشعري، هو أن يُخفي وراء المشاهد المرئية نقطة جوهرانية تشكل رؤيته.
هذه الصورة تخفي نقطة أعمق، ذلك هو الموت الروحي، الحرب تدمغ الحياة بالبلادة، ولكن الشاعر خائف من التصريح، او لانّ التصريح يقتل الشعرية المتوقّدة.
يقول :
... وما طاوعتني القصيدة
&كان الوطن
&على الساتر المتقدم...
... يحصي شظاياه والشهداء
وصحبي يعدون للمدفعية بعض الفطار المقيت
وينتظرون لمائدة الحرب أن تنهي
شرقنا معا بالدم المتدفّق
من يوقف الدم...
&من؟
هذه صور مأساوية يعرضها الشاعر، حقاّ انها مأساوية، وتتضمَّن الكثير من الإدانة، ولكن هناك ما هو أهم وأخطر، هناك نقطة جوهرانية في الموقف، الموقف الحقيقي يكمن في تحويل هذه الصورة ا لى قضية، إلى أشكالية، إلى ملحمة إنسانية تهم الوجود كله، ومن هنا يتوقف كثير من الناس عند هذه الصور الواضحة الصارخة، وقد يستعذب ويتألم، ينقد ويندِّد، فيما يفتش أخرون عن الموقف الجوهراني، الموقف الذي سوف يتمظهر بالاف الصور العينية، بالاف الصور الحسية، ذلك هو باطن الشعر، باطن النص..
النفاق الشعري ليس له علاقة بقصيدة القناع، قصيدة القناع ترميز، يقول شي ويريد شيأ اخر، ربما على النقيض تماما، فيما النفاق الشعري مسيرة من الظاهر الى الباطن عبر تعمية صورية، تعمية تستبد بحس القاري العادي، بما تزخر به من مثيرات ومواقف ومشاهد، ولكنَّها تضع القاري الناقد أمام إمتحان عسير، يتمثل باكتشاف الجوهر الذي هو وراء مجموع هذه المثيرات والمواقف والمشاهد.
يستطيع حتى الانسان العادي في سياق حديثه العام ان يستعرض الكثير من مشاهد الحرب المؤلمة، ليس صعباً، وربما قد يسهب بالوصف والتوصيف، وربما يحمل وصفُه الكثير من معالم الإثارة والتثوير، ولكن مجرّد رصف للصور، صورة الى جانب صورة، تثير فينا سلسلة من الإنفعالات والمشاعر المتوالية، فيما الشاعر المبدع لا يثير فينا فقط مصفوفة من المشاعر والإنفعالات المتوالية، بل يثير فينا نظرة الى تلك المشاهد، نظرة يمكن أن نشتقها من تفحّص المشاهد التي يعرضها علينا عبر نصوصه، فهناك نصوص مقروءة، نصوص طويلة، متشعّبة، ولكن هناك جوهر يكمن وراءها، يمكن أ ختصاره بكلمة واحدة، الخوف... البلادة... العقم... اليأس... الفرح... الموت... الخصب...
النصوص أو المشاهد التي بين أيدينا، تزيح الستار عن ( موت معنوي ) إستبد بالحياة في سياق هذه الحرب الطاحنة الملعونة، وتلك هي الصورة الجوهرية، هناك موت فيزيقي، هناك ملل ظاهر، هناك روتين قاتل، هناك دماء، كل شي مُعلَن، ليس هناك قناع، ليس هناك إخفاء للمشاهد المُدانة أساسا، ولكن هناك إشكالية خفية، تلك هي التي يجب البحث عنها، وهي هنا ( الموت المعنوي ).
يقول :
دمعةَ، دمعةَ
&أو مللْ
حينما تنتهي...
ستلملمُ أوراق خيبتها
وتغادرُ باب الحديقةِ...
&لا طيفَ
&لا زهرةً...
&لا أملْ
هذه صورة مألوفة تقريبا، ولكن بالجمع بينها وبين الصور الأخرى نكتشف بلادة الحياة، هناك موت معنوي يتلاعب بالمصير، ويشكّل الوجود حسب مقاساته وقيمه وأبعاده، لم يستعن الشاعر هنا بقناع، بدليل أن المشاهد صريحة بالذبول والقحط، صريحة بالجدب والكسل، وإنّما نحن بين يدي إخفاء شعري، اخفاء لنقطة جوهرية، رغم ان ا لمشاهد موجعة، ولكن ليست هي القصد، ليست هي المهمّة التي وظف الشاعر لها أدواته ومشاهده، ليس هناك تضاد بين الصورة المعلنة والصورة المخفية، بل هناك نقطة مخفية، نقطة جوهرية هي رؤية الشاعر التي لم يستطع البوح بها علنا.
نستطيع ان نلتفت إلى إهمال الشاعر لمقتربات الحرب السجالية، وذلك من نصر وهزيمة وبطولة وصمود، وإلى ما غيرها من مفردات تتصل بالحرب السجالية التي كثيراً ما تتواصل بالقيم الأديولجية والسياسية والنضالية.
لقد تعامل مع الحرب بحد ذاتها، على مستوى الهوية الأولى، هي شر، هي فساد وهلاك وبوار، فلا بطولة في الحرب، ولا يوجد من يستحق وساماً في الحرب.
لم نعثر على البطل العشيري الذي يدافع عن شرف القبيلة، ولم نصادف البطل الرومانسي الذي يخوض الحرب كي يفوز بالحسناء التي ألهبت تصورات أبناء القبيلة أو الحي، غاب البطل العسكري الذي يقتحم النيران والدخان والسدود والحدود، لم نجد بطل العصر الفكتوري، الفارس الجميل الوسيم، يحمل سيفه الممشوق، ويمتطي حصانه العداء...
هناك الثقوب بدل صليل السيوف الممشوقة، بدل النياشين المسطّرة على أكتاف الأبطال، بدل قصائد الحماسة والتمجيد والتهليل... هناك الأحلام المثقوبة... سماء العراق المثقّبة بالشظايا... الرئة المثقوبة... الوطن المثقوب... القلوب المثقوبة... الجورب المثقوب بالاحلام... والبقاء المثقَّب... ليس جمال اللغة وحده يلعب دوره هنا، بل هناك مقترب كوني طبيعي يتزاوج مع اللغة، ذلك أنّ الحرب تنخل كل الوجود، تشتبك مع كل حقيقة وجودية لتحيلها الى مشهد كسيح، مشهد نصفه حي ونصفه الآخر ميّت، ومن هنا نصادف عملية ( التنصيف ) القسري تتكرّر في الديوان، تننصيف الحقيقة والواقع والوحدة والحب والأمل والحياة، لم تعد هنك وحدة تحمل نكهة الحياة بهويتها الصافية المتدفِّقة بالعطاء.
يقول :
وماذا تبقى لك من عُمرٍ
كنتَ تحمله ـ قلقا ـ وتهرول بين الملاجي والامنيات
تخاف عليه شظايا الزمان
قال العريف : هو الموتُ لا يقبل الطرح والجمع َ
فاختر لرأسك ثقباً بحجم أمانيك
هذا زمن الثقوب.
الزمن هنا ليس مصفوفة أيام بقدر ما هو قدر الحياة، إنّه زمن الثقوب، زمن الخواء والموت والعطالة والكسل الروحي والتشظي والخراب والهلاك والبوار، ( الثقب ) في الديوان يحتل مكانة وظيفية مركزية، تعبير عن سقوط الزمن، الثقب يقابل الإمتلاء، يقابل التماسك، يقابل الوحدة، يقابل الإنسجام، هناك زمن منتهك، زمن مُغتصب، ليس هناك سلام، ليس هناك أمل، هناك ثقوب مخيفة، ننظر من خلالها، ونتنفس بها، ونعيش فيها...
&3
النفاق الشعري
يقول في نص جميل :
نظرتُ لموتي المؤجَّل... يرمقني ببرودٍ.
&هذا النصُّ نقد مبطَّن للواقع السائد، الواقع الذي يُقرّرْ من فوق، فالشاعر لا يملك مصيره، مكبَّل اليدين، مقموع الروح، فهو يتعامل مع الموت وليس مع الحياة، هذا هو الممنوع الذي يتحكم بالشاعر، الممنوع الذي يعبر عن حقه بهذه الطريقة، ومهمّة الناقد إخراج المخفي، ذلك المخفي الذي يلحّ على حقّه بالظهور، ولكن هناك ما يقمع ويمنع.
الصورة الشعرية متلفعّة بثوب مرقّع، بثوب ملوّن، والمطلوب تمزيق هذا الثوب، تقطيعه والنظر من خلال الثقوب والشروخات لمعاينة المستور، الصورة الحقيقية تكمن هناك، الصورة الخارجية شبح لما هو أعمق، يتبدى فيها نفاق الشاعر، نعم، هناك نفاق شعري، ليس النفاق الشعري ممارسة أخلاقية بالمعنى المعروف، كأن يتزلّف الشاعر، أو يقول ما لا يؤمن به، بل النفاق الشعري، هو أن يُخفي وراء المشاهد المرئية نقطة جوهرانية تشكل رؤيته.
هذه الصورة تخفي نقطة أعمق، ذلك هو الموت الروحي، الحرب تدمغ الحياة بالبلادة، ولكن الشاعر خائف من التصريح، او لانّ التصريح يقتل الشعرية المتوقّدة.
يقول :
... وما طاوعتني القصيدة
&كان الوطن
&على الساتر المتقدم...
... يحصي شظاياه والشهداء
وصحبي يعدون للمدفعية بعض الفطار المقيت
وينتظرون لمائدة الحرب أن تنهي
شرقنا معا بالدم المتدفّق
من يوقف الدم...
&من؟
هذه صور مأساوية يعرضها الشاعر، حقاّ انها مأساوية، وتتضمَّن الكثير من الإدانة، ولكن هناك ما هو أهم وأخطر، هناك نقطة جوهرانية في الموقف، الموقف الحقيقي يكمن في تحويل هذه الصورة ا لى قضية، إلى أشكالية، إلى ملحمة إنسانية تهم الوجود كله، ومن هنا يتوقف كثير من الناس عند هذه الصور الواضحة الصارخة، وقد يستعذب ويتألم، ينقد ويندِّد، فيما يفتش أخرون عن الموقف الجوهراني، الموقف الذي سوف يتمظهر بالاف الصور العينية، بالاف الصور الحسية، ذلك هو باطن الشعر، باطن النص..
النفاق الشعري ليس له علاقة بقصيدة القناع، قصيدة القناع ترميز، يقول شي ويريد شيأ اخر، ربما على النقيض تماما، فيما النفاق الشعري مسيرة من الظاهر الى الباطن عبر تعمية صورية، تعمية تستبد بحس القاري العادي، بما تزخر به من مثيرات ومواقف ومشاهد، ولكنَّها تضع القاري الناقد أمام إمتحان عسير، يتمثل باكتشاف الجوهر الذي هو وراء مجموع هذه المثيرات والمواقف والمشاهد.
يستطيع حتى الانسان العادي في سياق حديثه العام ان يستعرض الكثير من مشاهد الحرب المؤلمة، ليس صعباً، وربما قد يسهب بالوصف والتوصيف، وربما يحمل وصفُه الكثير من معالم الإثارة والتثوير، ولكن مجرّد رصف للصور، صورة الى جانب صورة، تثير فينا سلسلة من الإنفعالات والمشاعر المتوالية، فيما الشاعر المبدع لا يثير فينا فقط مصفوفة من المشاعر والإنفعالات المتوالية، بل يثير فينا نظرة الى تلك المشاهد، نظرة يمكن أن نشتقها من تفحّص المشاهد التي يعرضها علينا عبر نصوصه، فهناك نصوص مقروءة، نصوص طويلة، متشعّبة، ولكن هناك جوهر يكمن وراءها، يمكن أ ختصاره بكلمة واحدة، الخوف... البلادة... العقم... اليأس... الفرح... الموت... الخصب...
النصوص أو المشاهد التي بين أيدينا، تزيح الستار عن ( موت معنوي ) إستبد بالحياة في سياق هذه الحرب الطاحنة الملعونة، وتلك هي الصورة الجوهرية، هناك موت فيزيقي، هناك ملل ظاهر، هناك روتين قاتل، هناك دماء، كل شي مُعلَن، ليس هناك قناع، ليس هناك إخفاء للمشاهد المُدانة أساسا، ولكن هناك إشكالية خفية، تلك هي التي يجب البحث عنها، وهي هنا ( الموت المعنوي ).
يقول :
دمعةَ، دمعةَ
&أو مللْ
حينما تنتهي...
ستلملمُ أوراق خيبتها
وتغادرُ باب الحديقةِ...
&لا طيفَ
&لا زهرةً...
&لا أملْ
هذه صورة مألوفة تقريبا، ولكن بالجمع بينها وبين الصور الأخرى نكتشف بلادة الحياة، هناك موت معنوي يتلاعب بالمصير، ويشكّل الوجود حسب مقاساته وقيمه وأبعاده، لم يستعن الشاعر هنا بقناع، بدليل أن المشاهد صريحة بالذبول والقحط، صريحة بالجدب والكسل، وإنّما نحن بين يدي إخفاء شعري، اخفاء لنقطة جوهرية، رغم ان ا لمشاهد موجعة، ولكن ليست هي القصد، ليست هي المهمّة التي وظف الشاعر لها أدواته ومشاهده، ليس هناك تضاد بين الصورة المعلنة والصورة المخفية، بل هناك نقطة مخفية، نقطة جوهرية هي رؤية الشاعر التي لم يستطع البوح بها علنا.
اليائس غالب حسن الشابندر، السويد، المنفى القهري والاختياري.







التعليقات