د. بُرهـان شـاوي
&
&
مــا يشـبه المقـدمة
منذ ان إنطلقت قناة الشرقية العراقية وأنا اتابع برامجها، قدر ما يمكن ان يتاح لي من وقت، كما تابعت بعض ما كتب عنها في الصحافة. ورغم أنها كانت موضوع حديث، عبر الهاتف، بيني وبين بعض الأصدقاء، رغم إختلاف تقيماتنا لها، إلا ان معظم الأحاديث ذكرتني بمقالة كتبها صديقي الشاعر والروائي حميد العقابي كإفتتاحية للعدد التاسع من مجلة( نصوص عراقية) الألكترونية التي تصدر عن موقع ( الكاتب العراقي)، والتي كانت بعنوان( هل يكره العراقي نفسه)، تحدث فيها عن محاولة العراقيين التقليل من قيمتهم بعضهم لبعض.، لأسباب ليست موضوعية، وليست علمية، ولا تعتمد على خبرة تخصصية في مجال الإعلام وعلوم الإتصال
الجماهيري.
الجماهيري.
ليس خافيا على أحد طبيعة الإعلام العراقي في العقود الثلاث الأخيرة، كما ليس خافيا، على الأقل بالنسبة للعراقين، الدور اللاخلاقي، والغوغائي، الذي تقوم به الفضائيات العربية، لا سيما الخليجية منها، عند تناولها لما يجري من أحداث في العراق،. وقد كنا نحن أبناء العراق نتميز غيظا من هذه الفضائيات التي بعضها تميزت إعلاميا بسبب أحداث العراق، ليس إلا.
من تابع نشوء الفضائيات العربية، لا سيما الخاصة منها، على الأقل من الناحية التاريخية، يجد إن محطة ( إم بي سي ) هي المحطة الأم، التي فتحت أفق عصر الفضائيات العربية، وبما إن هذه المحطة كانت سعودية الهوى، فأنها بهرت بلدان الخليج الأخرى، بإستثناء الكويت التي لديها محطات تلفزيونية متميزة منذ دخول التلفزيون الى المنطقة ( رغم ما شاع من أن للكويت حصة في رأس مال المحطة)، فأنطلقت فضائية دبي، ثم تبعتها فضائية أبوظبي لتجديد قواها وهيكلها، ووجوهها، كما أن بعض هذه المحطات أخذت تستقبل العاملين في محطة ( أم بي سي)، التي هي بحق مدرسة لصنع النجوم، فمن كان يعمل فيها يتألق، لكنه ما أن يغادرها حتى ينطفى، رغم كل ما يتاح له فيما بعد من إمكانيات، وما يضاعف له من إجور.
قديما قالوا إن الحاجة أم الإختراع، وفي مجال الإعلام كانت الحروب هي الدافع الحقيقي وراء التطور الإعلامي الجبار الذي شهدته حضارة القرن العشرين، لا سيما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي مقام حديثنا، فإن لحرب الخليج الثانية الدور الأكبر في نشوء المحطات الفضائية العربية، فكما هو معروف في مجال الإعلام أن حرب تحرير الكويت، كانت حربا إعلامية ايضا، على المستوى العالمي ايضا.
لقد كانت لهذه الحرب، كما هو معروف، تداعيات تاريخية هائلة على مصير المنطقة العربية والخليجية ككل، ولسنا هنا بصدد الحديث عنها، إلا أننا هنا مضطرون للحديث عن تأثيرها في مجال علم الإتصال، لا سيما وأنها فجرت أيضا خلافات بين معظم البلدان العربية، وكشفت عن الأقنعة جميعها.
وفي هذه المعمعة، والضجيج، والغبار التاريخي الذي يحجب الرؤية للواقع المأساوي ولدت قناة ( الجزيرة )، لتعلن العصيان على الإعلام العربي السائد، والرسمي، ولتقلب الطاولة أمام اللاعبين، وتعيد ترتيب الأولويات، وتدوزن آلات الدعاية وفق نوتات جديدة، فهزت بذلك سكينة المشاهد العربي الذي كان يقضي سهراته أمام المسلسات والتمثيليات التلفزيونية، ويذهب ليقضي حاجاته البيتية والشخصية حينما تأتي فترة نشرة الأخبار، ليجد فجأة قناة عربية تعزف على أوتار همومه ومشاكله، وتضعها امام عينيه، بل وتشير بإصابع الأتهام الى الأنظمة العربية، بل وتشتمها علنا، تلك الأنظمة التي كان لا يتجرأ أن يشتمها حتى ولو في الحلم.
وفي هذه المعمعة، والضجيج، والغبار التاريخي الذي يحجب الرؤية للواقع المأساوي ولدت قناة ( الجزيرة )، لتعلن العصيان على الإعلام العربي السائد، والرسمي، ولتقلب الطاولة أمام اللاعبين، وتعيد ترتيب الأولويات، وتدوزن آلات الدعاية وفق نوتات جديدة، فهزت بذلك سكينة المشاهد العربي الذي كان يقضي سهراته أمام المسلسات والتمثيليات التلفزيونية، ويذهب ليقضي حاجاته البيتية والشخصية حينما تأتي فترة نشرة الأخبار، ليجد فجأة قناة عربية تعزف على أوتار همومه ومشاكله، وتضعها امام عينيه، بل وتشير بإصابع الأتهام الى الأنظمة العربية، بل وتشتمها علنا، تلك الأنظمة التي كان لا يتجرأ أن يشتمها حتى ولو في الحلم.
قناة ( الجزيرة) أسقطت مقولات إعلامية تافهة كانت سائدة في مجال الفن أيضا، لا سيما مقولة ( الجمهور عايز كده) التي كانت القاعدة الذهبية للإعلام العربي، الذي كان لا يدري ماذا كان يعوز الجمهور العربي حقا !!.
ومن هنا فان لقناة الجزيرة الفضل التاريخي على الإعلام العربي، إلا ان الإعلام العربي الرسمي، لا سيما الخليجي منه، لم يستسلم أمام ( الجزيرة )، فقلد حاولوا إسكاتها عبرالضغوط السياسية، لكنهم لم ينجحوا، حتى تحولت هذه القناة الى (عقدة) الإعلام العربي، والخليجي منه بالتحديد، فدخلوا معها في حرب، ساهمت على المستوى التقني، في تطوير القنوات الفضائية الخليجية، لا سيما فضائية (ابوظبي).
ومن هنا فان لقناة الجزيرة الفضل التاريخي على الإعلام العربي، إلا ان الإعلام العربي الرسمي، لا سيما الخليجي منه، لم يستسلم أمام ( الجزيرة )، فقلد حاولوا إسكاتها عبرالضغوط السياسية، لكنهم لم ينجحوا، حتى تحولت هذه القناة الى (عقدة) الإعلام العربي، والخليجي منه بالتحديد، فدخلوا معها في حرب، ساهمت على المستوى التقني، في تطوير القنوات الفضائية الخليجية، لا سيما فضائية (ابوظبي).
ورغم أن فضائية ( أم بي سي ) متميزة جدا من الناحية الفنية والتقنية، ولا تقل عن ( الجزيرة )، إذا لم نقل إنها افضل منها،إلا ان رؤيتها الأعلامية أبعد عن حقيقة الشارع العربي وقضاياه الملتهبة، كما ان قناة ( أبو ظبي ) لم تستطع أن تجاري قناة (الجزيرة) رغم الإنفاق الهائل على الأجهزة، والمباني، والموظفين، والرواتب العالية لطاقمها الفني ولكادرها الإعلامي، لأسباب عديدة لسنا بصدد ذكرها هنا، وربما يمكن القول إن هذه القناة تميزت لفترة محددة بمركز أخبارها، لما وفر له من إمكانيات تقنية ومالية هائلة فرضت تواجده في مكان الحدث، رغم إن التميز الحقيقي والعلمي لأية وسيلة إعلامية في عصرنا الآن ليس في السبق الإعلامي بالتواجد في مكان الحدث، او بالسبق في نشلر الصور الولى من الحدث، ,إنما في طريقة تناول الحدث، وتفصيله. وكذا الأمر مع فضائية ( دبي ) التي وجدت نفسها خارج الإدعاء بمنافسة (الجزيرة)، وبما إن تداعيات حرب الخليج الثانية لم تنته، وبما أن نذر الحرب على العراق كانت قد شقت الشارع العربي من جديد، فقد إستنفرت بعض دول الخليج لمواجهة الأمر، لا سيما وان قناة (الجزيرة) بدأت تكشف عن وجهها الحقيقي بعد أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة، وبعد حرب أفغانستان، حتى شعرت الدول العربية، والخليجية بالذات، بأن الحرب بدأت تقرع أبوابهم ما لم يسكتوا هذه القناة المزعجة لهم، فدخلوا معها في حرب مواجهة حقيقية، بإنشاء قناة ( العربية)، التي كانت الرد المباشر على ( الجزيرة) لحظة ولادتها، رغم انهما الآن، كلاهما، وجدتا نفسيهما قد حطتا، دون إرادتهما، على نفس السور المهدم، تنعقان في ليل العراق البهيم، البهيم، الذي لم يسمع فيه صوت العراق قط.
&
الشرقية.. صـوت العراق الجـديد عربيــا
بعد عام من المفارقة التاريخية الهائلة، بتحرير شعب من أعتى نظام دموي دكتاتوري فاشي، وبإحتلاله في نفس الوقت، رسميا، ووفق القوانين الدولية، ولدت أول قناة فضائية عراقية عربية، منطلقة في سماء الإعلام الإعلام العربي لتفتح أفقا جديدا، أفق الإعلام الفضائي العراقي الديموقراطي الليبرالي، العلماني، الوطني. وحينما اقول قناة فضائية عراقية عربية، فأنني أريد الشارة هنا الى وجود إعلام فضائي عراقي، ديموقراطي آخر، مثل قناة كوردستان، و(كورد سات) والقناة الناطقة باللغة الآشورية والكلدانية، إلا ان ( الشرقية) هي أول قناة عراقية بالعربية، رغم أن قوات الاحتلال تشرف على قناة محلية أخرى هي الحرة، لكنها تبقى قناة غير عراقية، بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح.
حاول البعض المختصين في مجال الإعلام ان يقللوا من أهمية (الشرقية) في مواجهة بقية القنوات الخليجية، بينما صمت العراقيون عنها، وهم الذين لا يتركون شيئا عراقيا إلا وتناوله مدحا أو ذما، وهنا أستذكرت مقالة الصديق حميد العقابي، حول العراقيين وقساوة بعضهم مع بعض.
( الشرقية) قناة عراقية، منذ إنطلاقتها، ومع تقدم ساعات بثها وامتداد عمرها، قدمت وتقدم خطابا بصريا إعلاميا عربيا جديدا. قناة أثبتت بدون أيما تردد او شك، الفرق بين الصوت والصدى في الشأن العراقي، فالقناة عراقية حتى النخاع كما يقال في اللهجة العامية، وهذا سر تميزها وتألقها. بل وهذا أيضا احد المهام الملقاة على كاهلها، وكاهل المسؤولين عنها وعن إدارتها، رغم إن هذا لا يمنع من التوقف عند بعض الأمور التي تخص هذه القناة الوليدة، والمهمة في رسم خارطة الإعلام العراقي الجديد.
الشائع بين الأوساط الإعلامية والسياسية، بأن صاحب القناة ومديرها الحقيقي هو الإعلامي العراقي البارز (سعد البزاز) صاحب جريدة ومؤسسة (الزمان) العراقية، و(البزاز) واحد من أبرز واهم الأعلاميين العراقيين والعرب، وهو إعلامي يذكر بمسيرة الأعلامي العربي المصري الكبير محمد حسنسن هيكل. و ربما لم يقدم الإعلام العراقي إعلاميا، بالمعنى الإحترافي والتقني والعلمي لهذا المصطلح، مثل قدم سعد البزاز، بغض النظر عن مراحل حياته الإعلامية، ودرجة إقترابه وإبتعاده عن النظام الدموي في العراق سابقا، وهذا ما تحاول&بعض الأجهزة الإعلامية التأكيد عليه، بإبراز صورة له مع المقبور نجل صدام حسين. لكن كل هذه الخبرة الصحافية لدى سعد البزاز لم تكن واضحة أو متجلية في قناة (الشرقية).
العراقيون يتابعون الشرقية بحذر وترقب، فهم لا يريدون قناة عراقية طائفية، قومجية الهوى، بالمعنى السيء لهذه الكلمة، مثلما لا يريدون قناة مهادنة، توفيقية، تفكر في مصالحها وربحها على حساب مستقبل العراق، فتقدم هذه الشخصية او تلك، وهذا الطرف أو ذاك، مثلما ينتظرون الوضوح في الخطاب الإعلامي العراقي، بحيث يجب أن لا تكتفي القناة بنصف القول، فتهادن الإرهابيين والقتلة الذين يمرحون في أرض العراق، لحسابات دول مجاورة لا تريد القناة أو تشير إليها، بل ولا تريد ان تعكر صفو علاقاتها معها. و( الشرقية) لا تتصف بهذه الصفات التي ذكرناها، وانما لا نود للشرقية ان تنجر لمثل هذا الموضع.
أمام ( الشرقية) مهام حقيقية، فلكونها القناة العراقية الأولى بعد العراق الفاشي، الدكتاتوري، لذا فأنها ستضع الحجر الأساس لما سيأتي بعدها من قنوات فضائية عراقية، لذا ومن هذا المنطلق، على ( الشرقية) أن تؤسس لتقاليد إعلامية عراقية جديدة، تقاليد ليبرالية، ديموقراطية، وطنية، تبرز التعدد القومي والأثني، للشعب العراقي، وتبرز الثراء الروحي للثقافة العراقية، تاريخيا وحاضرا، وتعيد صياغة الذاكرة العراقية الجريحة.
لا زالت بعض البرامج في (الشرقية) يعوزها (الشد) و(والعصر) كما يقال، فهناك بعض الأرتباك الواضح في وجوه المذيعات، وكأنما هن لا يثقن بأنفسهن في مواجهة الكاميرا، وهذا ينعكس على نبرة الصوت وتشكيل اللغة، مثلما هناك بعض التشويش الجمالي، ففي برامج الحوار نجد المسافة بين المذيعة المضيفة والضيوف من البعد بحيث تتعب المشاهد وتوحي له نفسيا بالعزلة وعدم التواصل، مثلما يعوز برنامج الصحافة العراقية، وهو من البرامج المهمة في القناة بعض الحركات التقنية كأستخدام الصورة، كابراز العناوين وما شابه، لكي يمنح التقديم اكبر حد من المصداقية، فالصحافة التلفزيونية تبقى صحافة صورة أولا وأخيرا.
إن ما يعوز (الشرقية) هي (نوعية) البرامج، إذ عليها ان تبحث عن انماط جديدة من البرامج، وأن تبتعد جل ما تستطيع عن تقليد برامج الجزيرة والعربية وابوظبي، فهذه القنوات أخذت تدور في حلقاتها الخاصة بها، وتدور حول بعضها البعض، وان تخط حلقاتها المنفتحة، وان تبتعد عن الدخول في منافستها، من اجل كسب الجمهور، فالجمهور الأساس للشرقية هو الشعب العراقي، واقتصاها يعتمد على العراق، من حيث ان الاستقرار في العراق سيحرك العجلة الأقتصادية الهائلة التي عليها ان تدور في العراق لعقود قادمة، وأصحاب الشأن يهمهم الإعلان في القنوات العراقية القريبة من نبض الشارع العراقي، وليس تلك التي كان الشعب العراقي يشاهدها لفقر السماء العراقية من الصوت والصورة العراقية الأصيلة، فالقنوات الخليجية غير محبوبة من قبل العراقيين لدفاعها المستميت عن النظام الدموي السابق، ودعمها المتميت للأرهابيين والقتلة في العراق اليوم.
على(الشرقية) ان تخلق موضوعاتها الأعلامية الجديدة، وهذا يعني حركة إعلامية غير تقليدية، وشجاعة في التوغل الى ما وراء سطوح الظواهر الأجتماعية، مثلما عليها أن تكون رحبة الصدر لكل العراقيين ولا تتنازعها الميول والأهواء الطائفية والآيديولوجية، وان تتخلص بشجاعة من بعض الظلال التي تحيط بصياغة بعض الأخبار، لاسيما السياسية منها. وربما علينا الأشارة هنا، الى الأنتباه لألوان ملابس المذيعين والمذيعات، وأن تقلل الرمادي، وتكثر من الأزرق قدر الأمكان.
نتمنى للشرقية ان تكون صوت العراق الجديد، العراق الديموقراطي، الليبرالي، التعددي، الوطني، الموحد، وأن لا تنجر للدخول في لعبة النجوم، فهي لا تحتاجلأسماء تعب المشاهد من رؤيتها على شاشات القنوات الأخرى، إذ يمكن للشرقية أن تصنع نجومها، رجالا ونساء، لو أنتبهت لذلك بشكل علمي وحرفي.








التعليقات