&ثمة حقيقة قد لا يستوعبها "أبناء المدن"&مفادها&أنه ليس كل حديث عن الصعيد والصعايدة& "نكتاً " وطرائف بالضرورة ، فالصعيد لا يفهمه أو يتفاعل معه سوى "الصعايدة" الذين تربوا وسط حقوله وكثبانه وجباله ورجالاته وتقاليده.
هذا الصعيد برئ براءة الذئب من دم ابن يعقوب من كل ما تنسبه له المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية حتى تلك التي صاغ حواراتها شاعرنا "الصعيدي" عبد الرحمن الأبنودي& كان ولم يزل صعيد مصر بئراً مترعة بالأسرار في حياة المصريين ، لا أحد يستطيع فك شفرتها وحل ألغازها وفهم& المفارقات المحاطة& بقدر هائل من سوء النوايا سواء في الفهم أو التعامل.. أو على أدنى تقدير التجاهل.
وهناك جملة تساؤلات تطرح نفسها على المراقبين للأوضاع الاجتماعية والظروف السياسية التي مرت بصعيد مصر، وهو : لماذا ظلّ هذا "الصعيد"&مرتعاً للعصبية القبلية والغضب الاجتماعي ؟ ، ولماذا يُقدم& ذلك "الصعيدي"& على القتل سواء في جرائم الثأر أو حوادث الإرهاب ؟.. ونأتي للسؤال الأهم : لماذا يغرق الدم حقول الصعيد ؟ ، وإلى متى سيظل هذا الوضع قائماً ؟ ، وهل هناك صلة بين الثأر والإرهاب ؟ ، وهل تغيرت الأعراف الاجتماعية الصارمة التي طالما حكمت الصعيد بقبضة حديدية طيلة قرون مضت ؟ ، وهل هناك بارقة أمل في أن تتغير هذه الإشكالية المزمنة ذات يوم ؟
حادثة "شرف"
ولا مفر من أن تكون البداية بالثأر ، ومن خلال واحدة من أبرز قضاياه التي لا تزال قائمة حتى اليوم بين عائلتي "البلابيش والحميدات" بقرى مركز دشنا بمحافظة قنا في أقصى الجنوب ، وربما لا يعرف الكثيرون أنها بدأت بحادث "تبول" ! ، ورغم وجود أسباب أخرى معلنة أكثر وجاهة إلا أن ذلك يعكس عشرات الدوافع والجوانب فى التكوين الإجتماعى الخاص لشخصية الصعيدي ، فقد بدأت الحكاية إثر مقتل أحد كبار عائلة& "البلابيش" على يد رجلين من الحميدات وكان القتيل&&& -وهو& شيخ تجاوز الستين من عمره- فى طريق عودته لمنزله وأثناء مروره بجوار منازل الحميدات داهمته الرغبة فى التبول ، ففعلها بجوار جدار أحد المنازل بمنتهى البساطة 00 وشاء الحظ العاثر أن تخرج إحدى النساء لقضاء حاجة لها ففوجئت& بهذا المشهد 00 وفزعت وأطلقت العنان لصوتها تصرخ صرخات مدوية خرج على أثرها زوجها وشقيقها اللذان ظنا أن الرجل يحاول الإعتداء على المرأة فانهالا عليه ضربا بالعصى والهراوات حتى أردياه قتيلاً 00 ولم تشرق الشمس حتى وارى ذووه جثته والتزموا الصمت ، فلم يبلغوا الشرطة بالطبع ولم ينصبوا سرادق عزاء ، ولم يسمحوا للنساء بالبكاء أو حتى مجرد الحديث عما وقع من أحداث ، وساد صمت مريب ، لم يكن يقطعه سوى ما كان يدور فى مجالسهم السرية التى قرروا خلالها الثأر .. وانعقد ما يعرف بـ "مجلس الدم" لإقرار الخطوة القادمة .
وهنا لا بد من وقفة لقراءة سريعة في قواعد الثأر وأعرافه وحساباته ، حيث ترتبط بالثأر لدي قبائل الصعيد معتقدات وتقاليد شديدة الخصوصية من أبرزها .. قدسية الثأر بمعنى كونه واجباً مقدساً ، فالمسئول عن الأخذ بالثأر أو من يعرف بـ "وليّ الدم" أو صاحبه ، لا يتوانى عن القيام بهذه المهمة ، مهما كلفه ذلك من مشاق ، وقد سألت صعيدياً تقليدياً& في سوهاج : ألا يسرك أن تدخل الجنة ولا تسئ لمن أساء إليك فرد بثقة : "بل يسرني أن أدرك ثأري ثم أدخل النار" ، فهذا الاعتقاد يكشف بوضوح مدى قدسية النظر للثأر لدي أهل الصعيد ، وقد باءت كافة المحاولات التنويرية والجهود التي بذلتها كل الحكومات منذ الحكم الملكي في مصر حتى الآن في اقتلاع هذا التقليد من البيئة الصعيدية ، وبلا شك فهي تعود بجذورها إلى عادات قبليّة عربية منذ عصور ما قبل الإسلام ، ليس هذا فحسب ، بل ربما يذهب "وليّ الدم" لأبعد من هذا حينما يقرر أن يفرض على نفسه سلوكاً متقشفاً كأن يمتنع عن الاغتسال أو تغيير الثياب أو حلاقة ذقنه أو شعره ، وتقوم النسوة بدفن أواني الطبخ في باطن الأرض ، فلا طبخ ولا موائد حتى يتم الحصول على الثأر ، ويمنع الأطفال من اللهو أو& ارتداء ملابس جديدة أيضاً ، وباختصار تعيش العائلة أو القبيلة حالة "طوارئ" واستنفار قصوى حتى يؤخذ الثأر .
كما يسود اعتقاد راسخ لدي بسطاء الصعيد أن روح القتيل تخرج من القبر ليلاً لتصرخ مطالبة بالثأر ممن قتله ، وأن هذه الروح لن ترقد في سلام حتى يثأر لها ذووها ، وكثيراً ما تلعب نساء القبيلة الصعيدية دور "المحرض" في هذا الأمر ، إذ لا تكف العجائز عن رواية أحلامهن بأنهن رأين في الأحلام فلاناً "القتيل" وهو يصرخ أو يبكي بحسرة لأنه لم ينجب رجالاً يثأرون له ، وتمتزج الخيالات بالحقائق ، وتمضي النسوة العجائز من التحريض إلى تقريع وتبكيت شباب العائلة ، بما لهن من سطوة واحترام كبيرين داخل الأسرة الصعيدية التقليدية ، كما قد يصل الأمر لحرمان الأزواج والزوجات من بعضهم البعض ، والويل والثبور لمن يبدي أي اعتراض على تدخل "الجدات" اللاتي يتعمدن النوم في غرف أبنائهن وزوجاتهم حتى تحول بين الرجل وزوجته .
ويحرص "وليّ الدم" على أن يثأر من خصمه بيده ، فإذا لم تمكنه ظروفه وقدراته من ذلك يوصي أبنائه وأحفاده بهذه المهمة ، وكم من رجل جمع أبنائه وأحفاده على فراش الموت ليوصيهم بأن رغبته الأخيرة في هذه الدنيا هي الثأر من خصمه ، الذي يتحول مباشرة لخصمهم أيضاً ، وهناك عدة حالات في الصعيد تُروى عن سفر& رجال لدول عربية يسافر إليها الصعايدة عادة مثل ليبيا والعراق والخليج للثأر من خصومهم الذين فروا من مصر طلباً للرزق والأمن ، ليس هذا فحسب ، بل ربما ارتكب أحدهم جريمة ليدخل السجن خصيصاً لقتل غريمه الذي يكون مسجوناً على ذمة قضية القتل موضوع الثأر ، فمن المعلوم أن السجن أو حتى الإعدام الذي تنفذه السلطات الرسمية لا يجُبّ& الحق في الحصول على الثأر ، فحق "الحكومة" أو "الدولة " أمر يعنيها وحدها ، أما حق "الدم" فهو الأمر الذي يؤخذ بعين الاعتبار في تقاليد الثأر وأعرافه& .
حسابات ثأرية
نعود مرة أخرى لحسابات "البلابيش" الثأرية ، فهذا القتيل أب لستة أبناء من وجهاء العائلة ، وقد ورثوا عنه المال الوفير والأرض الشاسعة والنفوذ 00 والإحساس بالتعالى على خصومهم وهو شعور عام لدى أبناء البلابيش ، ومرجعه أصلهم الذى ينحدر من الإنتماء للمماليك والمكتسبات التاريخية التي ترتبت على هذا الانتماء ، في حين تنتمي قبيلة الحميدات إلى إحدى بطون القبائل العربية البدوية التى نزحت إلى الصعيد من الجزيرة العربية ، والمعلوم أن العداوة بين المماليك والعرب تضرب بجذورها فى أعماق التاريخ والنفوس ، ولعل في ذلك ما يدفعنا إلى الحديث عن الفروق بين البلابيش ذوى الأصول المملوكية والحميدات العرب ، فبينما يتمتع البلابيش بالثراء والمستوى الإجتماعى المرتفع والوجه البديع القسمات والمظهر المهندم والإرتباط دائما بالسلطة مهما كانت ، على النقيض تماماً يمكن التعرف على "بنى حميد" من ملامحهم الدقيقة وبشرتهم السمراء الداكنة وأجسادهم النحيلة وطباعهم المشبعة بالبداوة وعشق الحرية ، وعدائهم الفطري للسلطة والحكومات أياً كانت توجهاتها ، وما يترتب على ذلك من خروجهم على كل القوانين والنظم الرسمية ، وفى ظل هذه العلاقة المتنافرة بدأ مسلسل الخصومة الثأرية حينما قرر وجهاء البلابيش القصاص لقتيلهم بخمسة رجال من أعيان الحميدات دفعة واحدة وفقا لحساباتهم التى جرت على النحو التالى: أن قتيلهم كان كبيرهم وهو ما يعنى أن رأسه تساوى رجلين ، وأن قتله قد وقع بجوار منازل عائلة الخصم وهذا يعنى إضافة رأس ثالث& للمعادلة ، وأن رجلين قد شاركا فى قتله وهذا يعني الرأس الرابعة ، وأخيرا فإن هذه الواقعة تمثل سابقة فى الإعتداء عليهم ، فلابد لردعها من إظهار المزيد من العنف والتحدى وهو ما يستوجب المزايدة من جانب "صقور " العائلة برأس خامسة ، وهذا ما حدث بالفعل ففى الليلة الثالثة سقط خمسة رجال من أعيان الحميدات دفعة واحدة وفى توقيت واحد . أعقب ذلك تقدم رجلان من البلابيش لضابط مباحث مركز دشنا للاعتراف بقتل هؤلاء الخمسة ، وإبداء إستعدادهما للمثول أمام النيابة للإدلاء بتفاصيل الحادث وتسليم الأسلحة المستخدمة فى الجريمة ، وهنا وجد ضابط المباحث "السكندري الأصل" نفسه أمام قضية قلقة ومربكة 00 فهي منتهية من الناحية القانونية لكنها تبنئ عن توتر أمنى ، وتنذر بالمزيد من حوادث القتل المتوقعة ، فهذه النتيجة بلا شك لن تكون مرضية أو مشرفة للحميدات الذين عقدوا العزم على قتل أربعة من رجال البلابيش حتى تتزن كفة الميزان00 وعلى الرغم من الهدوء الظاهرى الذى إلتزم به الجميع فى مدن (فاو والوقف والسمطا) إلا أن الشائعات أخذت تنتشر هنا وهناك عن الضحايا المرشحين للثأر ، وهو الأمر الذي دفع رجال الأمن إلى ضرورة إتخاذ موقف حذر وحازم لإيقاف نزيف الدم فدعا المحافظ ومدير الأمن ورجال البحث الجنائى كافة الأطراف إلى جلسة صلح عرفية ولم يرفض الجانبان هذه الدعوة بالطبع ، فهم يدركون أنها لن تكلفهم أكثر من وليمة فاخرة وأن قبولها يعنى إثبات حسن النوايا لتحييد جانب الشرطة و"الحكومة" إتقاء لتدخل طرف ثالث قد يفسد الأمور فى حساباتهم الثأرية ، وهكذا إنعقد "مجلس العرب" فى دوار أحد أعيان قبيلة الهوارة - وهم طرف محايد فى هذه القضية - وحضر المسئولون من المحافظ ومدير الأمن ومدير المباحث وأعضاء مجلس الشعب وغيرهم من كبار شيوخ العرب وأعيان العائلات وأقيمت الوليمة وقرأ الجميع الفاتحة وانصرفوا ، ولكن قبل أن يصلوا إلى قنا كانت أنباء مصرع ثلاثة من رجال البلابيش قد سبقتهم وملأت المكان برائحة الدم فقد توجه عدد من بنى حميد للقاهرة والاسكندرية لينفذوا قرار الأسرة بقتل ثلاثة من كبار تجار البلابيش ، وإستدعى مدير الأمن كبير الحميدات لمكتبه وثار فى وجهه وإستنكر أن تقع هذه الجرائم بالجملة بعد الصلح الرسمى وأكد له أن ما حدث يعتبر إستهتاراً بالنظام والسلطة والقانون00وإستهانة بأقدار الرجال الذين شهدوا الصلح بين العائلتين ، ومضى يهدد الرجل بإعتقال كبار رجال الحميدات وتجريدهم من أسلحتهم المرخصة وغير المرخصة ، وهنا رد عليه شيخ القبيلة بقوله : إن ما حدث لم يكن إلا قصاصاً عادلاً فى حرب تستهدف الحصول على حق العائلة لا أكثر ولا أقل وأن الحرب خدعة بطبيعتها وأن كل شئ مباح فى الحرب ، ثم أضاف مستنكراً أن يغضب سيادة اللواء وقد وقعت جرائم الثأر فى القاهرة والاسكندرية ولم تحدث فى قنا إحتراماً لوجود سيادته ، وهكذا انتهى هذا اللقاء إلى لاشئ .. كما يحدث عادة في تلك الأحوال .
قتّال قُتَلى
والسائد في الأعراف والتقاليد الصعيدية أن الحق في الثأر لا يتقادم أبداً مهما مرّ من الزمن ، "فصاحب الدم"& أو وليّه ، يترتب له الحق في الانتقام من غريمه في الحال إذا استطاع لذلك سبيلاً ، وإذا لم يستطع ، كان له الحق في الثأر في أي وقت لاحق متى سنحت له الفرصة ، وربما امتدت الفترة الزمنية حتى بعد وفاة "وليّ الدم" ، فينتقل هذا الحق أو بتعبير أدق ذلك الواجب لذريته ، فليس ثمة ما يمنع في الأعراف القبلية في الصعيد ولو بعد عشرات السنين ، وهناك حكايات تروى عن أمهات أرضعن أبنائهن هذا الواجب منذ نعومة أظافرهم حتى بلغوا مبلغ الشباب فطالبوهم بتنفيذ الثأر ، وهناك قصة تشبه الأسطورة عن ذلك الفتى الوحيد الذي تركه أبوه بعد مقتله وهو لم يتجاوز العامين من عمره ، وأوقفت الأم حياتها على تربيته وتنشئته حتى تخرج في إحدى الكليات العسكرية المرموقة ، وعين في وظيفة رسمية هامة ولها مقتضياتها ، وانتقل من الصعيد إلى القاهرة لكنه رغم كل هذا ، قاد مجموعة من الرجال ليهبط على قريته ذات صباح وهم مدججون بالأسلحة ليجد قاتل أبيه الذي كان قد بلغ من العمر أرذله جالساً أمام منزله فأطلق عليه الرصاصة الأولى من بندقيته ، بينما تابع رفاقه مهمتهم بإطلاق النيران عشوائياً في كل حدب وصوب حتى ألزموا الأسرة كلها الاختباء خشية القتل ، ومثلوا بالجثة بأن شقوا بطن القتيل ، وأخرجوا كبده لينهشه "الإبن" نيئاً على مسمع ومرأى من القرية كلها ، ولكن على الرغم من ذلك لم يتقدم شخص واحد منهم للشهادة ضد القاتل لأنهم اعتبروه صاحب حق ناله ، ولم يتقادم حقه رغم مرور أكثر من ربع قرن عليه .
ونعود مرة أخرى إلى معركتنا المحورية في هذا السياق بين "الحميدات والبلابيش" الذين راحوا يبرمون اتفاقيات ومؤامرات مع بعض عتاة "المطاريد" من ذوى السوابق الإجرامية والهاربين من الأحكام الجنائية ، وممن إشتهر عنهم الإستئجار للقتل على القيام بمهمة اختطاف الشخص المراد قتله طلباً للثأر& ، وذلك مع أشهر "مطاريد الصعيد" مثل& نوفل أو عارف أو "الشيخ" سالم ، أو غيرهم من الأسماء الشهيرة في الصعيد ، مقابل مبالغ طائلة لن تشكل عبئاً عليهم وهم العائلة الثرية ذات النفوذ والسطوة ، وهذه الإتفاقات تتم وفقا لقواعد وإعتبارات بالغة التعقيد فكل راس لها سعر يرتفع وينخفض وفقاً للمكانة الشخصية والإجتماعية للضحية ، ويدخل فى الحسبان أيضا مقدرة المطالبين برأس الضحية وكفاءتهم المالية ومدى حاجتهم للقصاص ، ولا تكون مهمة القاتل المحترف هنا هي القتل ، بل تنحصر مهمته في اختطاف الشخص المطلوب وإحضاره لأصحاب الدم ليقتله "وليّ الدم" بيده ، حتى لو كان طفلاً لم يبلغ الحلم بعد ، فهنا تتضح مسألة الأحقية في الأخذ بالثأر بصورة قاطعة ، فهي مسألة موضع فخر كما هي موضع مسئولية أيضاً ، ولا نرى بأساً فى هذا السياق من سرد قصة أحد القتلة المأجورين الذى كان قادماً من الجبل الشرقى عقب غروب الشمس حاملاً سلاحه فترامى إلى سمعه نحيب إمرأة عجوز تبكى فى أحد الحقول فسألها المطرود عن سبب بكائها بهذه الحرقة فأجابته أن والدها قد قتل00وأن إبنها الثانى الذى كانت تأمل أن يمتد به العمر حتى يثأر لشقيقه قد وافته المنية إثر مرض ألمّ به ...‎ وتعاطف معها الشقىّ& "المطرود"ووعدها بالثأر لروح نجلها ، وشاء حظه العاثر أن يقع في قبضة الشرطة بعد أن أوفى بوعده ، وعندما تقصى رجال المباحث الأمر لإكتشاف الدافع على إرتكاب الجريمة إتضح أنه لاتوجد أى صلة من أى نوع بين القاتل والقتيل ، وليس بينهما ثمة خصومة أو خلاف ، وحينما سُئل الشقى عن سبب إرتكابه الجريمة أجاب بكل فخر واعتزاز أنه فعل ذلك لوجه الله تعالى صدقة عن صحته وشبابه ، وهو مؤمن تماماً أنه أتى عملا كريما يثاب عليه ويستحق لأجله التكريم والفخر لا المحاكمة أو الإدانة ، والمثير أن أبناء قريته قاموا بجمع الأموال فيما بينهم لأتعاب توكيل محامين للدفاع عنه بوصفه رجلاً شجاعاً وشهماً& ، وهو أمر أوقع ضابط المباحث في مأزق قانوني ، فهو لا يجد ما يكتبه في خانة "الدافع على ارتكاب الجريمة" سبباً منطقياً ، فليس المال هو الدافع خاصة وأن السيدة صاحبة الثأر فقيرة معدمة لا تكاد تملك قوت يومها ، ولا رابطة القربى ، إذ لا تربط هذه السيدة بالقاتل أية قرابة ، ولم يجد الضابط مخرجاً سوى كتابة تقرير مطول عن الأعراف السائدة بين& الأشقياء والمطاريد و"أبناء الليل" ، فتحول محضر الشرطة لما يمكن وصفه بدراسة اجتماعية كانت سبباً في غضب وكيل النيابة ، الذي اعتبر ما كتبه الضابط مسائل لا صلة لها بالقانون ، والمثير أن هذا الخلاف بين النيابة والشرطة كان مدخل المحامين للعثور على ثغرة إجرائية مكنتهم من الحصول على حكم ببراءة القاتل ، الذي استقبل في قريته استقبال الأبطال والفاتحين ، وأقيمت له الليالي والأفراح كأنه عرس .
القبيلة والجماعة
وعودة من هذا الاستطراد مرة أخرى لموقعة "البلابيش والحميدات" لنجد أن الصراع بينهم إتخذ مساراً جديداً& خلال عقد الثمانينات ، ففى الوقت الذى إستند البلابيش على أموالهم وأراضيهم وأبنائهم العاملين فى أجهزة القوات المسلحة والشرطة والقضاء وغير ذلك من أجهزة الدولة الإدارية ، وما يترتب على هذا من علاقات وإتصالات هامة تكفل توفير الحماية لهم بشكل أو آخر ، وتصل أحيانا لحد التواطؤ معهم من جانب بعض رجال الإدارة ، وهو الأمر الذى نكأ الجرح القديم والصراع الأزلى بين البلابيش ذوى الأصول المملوكية والحميدات ذوى الأصول العربية والذين إنخرط الكثيرون منهم فى صفوف جماعات التطرف الدينى& لما يمثله لهم هذا الإنتماء من تعويض نفسى وإجتماعى إزاء ما يلقونه من تعنت وتهميش ليدخل بذلك الثأر فى حسابات سياسية ويتخذ أبعاداً أعمق من مجرد الخلافات القبلية التقليدية 0
فما يحدث عادة أن أبناء عائلة مثل "البلابيش" وهم عادة من الضباط والقضاة والتجار الأثرياء وكبار موظفي الإدارة ، يعقدون صلات وثيقة برجال الإدارة المحلية والأجهزة التنفيذية وكرد فعل طبيعي ينجرف شباب الحميدات فى الإرتباط الوثيق بالخارجين على المجتمع والنظام سواء من المطاريد أو من الجماعات المتطرفة وكلتا الطائفتين تحملان عداء وخصومة مع النظام والحكومة والدولة والقانون ، ويترتب على ذلك الإرتباط بهم دعم موقف "بنى حميد" بعد أن يئسوا من حياد رجال الإدارة ، وهكذا إتخذت الخريطة الإجتماعية للخصومة الثأرية شكلاً مختلفاً وأبعاداً أكثر تعقيداً وهى الخصومة ذات الصفة السياسية وإن ظلت آليات الثأر هى الفيصل المتحكم فى هذا الأمر رغم إختلاف أطراف الخصومة ومواقعهم وأشكال الصراع ودوافعها مما أدى فى هذه المرحلة إلى تحول جذرى فى طبيعة المواجهة بين الأمن وجماعات التطرف لما يشبه علاقة الخصومة الثأرية ، بينما إنحصرت الفوارق فى التفاصيل والأسس الفكرية للصراع الدائر بينهما ، ففى حين إتخذت الأعراف القبلية والعادات المتوارثة إطاراً فكرياً للثأر مرجعيته العصبية وصلات الدم ، نرى أن تكفير المجتمع هو إطار نظرية النشاط الحركى لجماعات التطرف الدينى هذا بخلاف العلاقة العدائية للقوانين الرسمية فى كلتا الحالتين وتأسيس المجتمع المضاد لكل ما هو رسمى 00 وخلافه ، وبعيداً عن ذلك التأصيل النظري ، فإنه لم يكن من قبيل المصادفة أن يكون مسقط رأس ونشأة سيد قطب هى بلدة (موشا) باسيوط 00وأن تكون بلدة شكرى مصطفى التى كان والده عمدتها واقعة على بعد ثلاثين كيلو متراً منها وتجثو كلتاهما فى تلال تحيط بها سلسلة من الجبال شديدة التحصين ، وإذا كان دور سيد قطب قد إنحصر -إلى حد ما - فى وضع الإطار النظرى والمرجعية الفقهية لقواعد الخروج على المجتمع وتكفيره فقد كان لشكرى مصطفى فضل السبق فى تأسيس أول جماعة تدين بأفكار سيد قطب وتضعها موضع التطبيق - مع التشدد فى تفسيرها - بالإنسحاب التام من المجتمع توطئة للعودة إليه فاتحين على غرار ما حدث للمسلمين الأوائل فى مكة والمدينة ، وبعد إنهيار جماعته - التكفير والهجرة - إنبثقت من بقاياها عشرات الجماعات المتطرفة الأخرى كالجهاد والجماعة الإسلامية والناجون من النار والشوقيين وغيرها وعلى يد شباب من أبناء عائلات الصعيد المشبعين بقيم الثأر والمحكومين بآلياته ، وقد جاءت هذه الجماعات أكثر إيجابية فى العمل الحركى ، وأشد عنفاً فى الاصطدام بأجهزة الأمن مقارنة بجماعة شكرى مصطفى "التكفير والهجرة " التي قامت على الانسحاب من المجتمع ومفاصلته .
اقتصاديات الثأر
ومازلنا مع حرب الاستنزاف المزمنة التي دارت رحاها& ولا تزال حتى يومنا هذا بين "البلابيش والحيمدات" ، فقد كان ثراء العائلة الأولى سلاحها الأكثر فاعلية في هذه الخصومة ، لكن أبناء الحميدات استعاضوا عن ذلك بالقيام بأنشطة أخرى لاتطالها يد الشرطة ، وهو الأمر الذى يؤكد أن كل الجرائم الأخرى فى الصعيد تدور فى فلك الثأر فهو الجريمة المحورية التى يتم لأجلها توظيف الرجال والأموال والأعراف والتقاليد 00 فلكى يتأهل الرجل للقصاص لابد أن يحصل على السلاح وهذا بدوره يتطلب المزيد من الأموال وهنا لامفر من المغامرة بإرتكاب جرائم قطع الطريق وزراعة الخشخاش "الأفيون" 00 وهو ما اصطلح على تسميته "باقتصاديات الثأر" لو صحّ هذا التعبير& .
ومن جهتها فقد قامت عائلة البلابيش بحملة جمع التبرعات من خلال موفدين من كبار رجال العائلة الذين توجهوا إلى أقاربهم التجار الكبار بالقاهرة& ليطالبوهم بضريبة الدم ونفقات الثأر ، ولم يجد هؤلاء التجار مفراً من الإذعان والرضوخ لهذا المطلب الذى لا يكون اختيارياً بل هو تكليف ملزم ، يقتضي دفع المطلوب منهم على قناعة بأنهم لم يطالبوهم شخصياً بحمل السلاح ، وإن كان هؤلاء التجار الأثرياء يدركون جيداً أن هذا لن يجعلهم بمأمن من الوقوع فى تلك الدائرة الدموية ، فربما دفع أحدهم حياته أو حياة أحد أبنائه ثمناً فى أى وقت يقرر فيه خصومة الثأر منه 00 فمن تقاليد الثأر وأعرافه الراسخة - وما أكثرها - أن تمتد المطالبة به إلى إخوة القاتل أو أبناء عمومته00وربما أحفاده أيضاً شريطة أن تنحصر فى الأقارب من نفس "بدنته" حتى الدرجة الخامسة وربما أبعد ، ويتدرج أيضا الحق فى المطالبة بالثأر وفقاً لدرجة القرابة للقتيل ، فالأخ الشقيق أحق بالمطالبة بالثأر من الإخوة غير الأشقاء00ثم يليهم أبناء العم المباشر "اللزم"00ثم يأتى أبناء العم غير المباشرين ويطلق عليه "إبن عم داير" ، بينما ينحصر هذا الحق فى الأقارب من جهة الأب فلا يجوز للخصم أو أبنائه المطالبة بثأر إبن شقيقتهم ، ما لم يكن قريبهم من ناحية الدم أو كما يطلقون عليه "العصب" تمييزاً له عن صلة النسب ، وربما يحتدم الخلاف بين المطالبين بالثأر من الأقارب حتى يصل إلى حد إقتتالهم فيما بينهم للحصول على شرف الأخذ بالثأر ، ولكن يحدث تدارك للأمر خشية وقوع مكروه أن يحتكموا فى خلافهم هذا إلى رجال من كبار السن يدعون "مشايخ العرب" وذلك للبت فى ترتيب الأحقية والأولوية فى المطالبة بالثأر وتحظى أحكام هؤلاء الشيوخ بإحترام كامل من أطراف النزاع ومن الرأى العام المحلى بأسره 00 ومن المثير فى هذا السياق أن نورد حكماً لأحد هؤلاء الشيوخ الذى أعطى الحق للغرباء فى القصاص ، وحتى نفهم هذا الأمر ينبغى سرد هذه القصة حتى تتضح دلالاتها ، فقد حدث فى إحدى قرى مركز البدارى باسيوط أن رجلاً فر إلى الجبل عقب مطالبته بالدم (الثأر) من جانب عائلة أخرى تتمتع بنفوذ وسطوة ، وظل الرجل هارباً قرابة عشرين عاماً حتى كاد خصومه أن ييأسوا من القصاص منه ، وذات يوم علم ذلك الهارب بوفاة أحد أعيان أسرة أخرى وكان ذلك المتوفى يتمتع باحترام الكافة ، وخرج آلاف الناس من أبناء البدارى وأسيوط كلها فى جنازته ، ورأى الهارب أنه من العار أن يتخلف عن هذه المناسبة فهبط من مخبئه بالجبل متجهاً عبر طرق ملتوية إلى السرادق المقام لتلقي العزاء ، وبين دهشة الحاضرين لمجازفته بهذا العمل الذى لم يكن ليلومه أحد إذا تخلف عنه لعلمهم بظروف فراره ، ولكن أهل المتوفى إعتبروا هذه المخاطرة التى قام بها الرجل شرفاً كبيراً لهم ، وشعروا بمدى التضحية التى تنطوى عليها هذه المجاملة التى ترفع من شأنهم فى شتى ربوع الصعيد ، فها هو الرجل يُعرّض حياته-التى حرص عليها عشرين عاما - للخطر من أجل العزاء فى كبيرهم ونهضوا للترحيب به والتعبير عن شكرهم ووعدوه أن حياته مسئوليتهم حتى يعود إلى مخبئه بأمان ، وظلت عيون الحاضرين تتفرس الرجل فى عجب وإعجاب حتى عزم على الإنصراف وسلك فى طريق عودته للجبل مسالك مختلفة وقبل أن يعبر النيل إنطلقت عليه الأعيرة النارية من حيث تربص به خصومه فسقط قتيلاً فى الحال ، وخرج أبناؤه الذين تلقوا نبأ مقتله بصبر وهدوء ودفنوا جثته وذاع الخبر فى محافظة أسيوط كلها ، وفى الليلة التالية إجتمع أقاربه فى منزل كبيرهم للتشاور فى أمر الثأر ، وإذا بباب المنزل يقرع ويقبل عليهم وفد من أبناء الرجل المتوفى الذى كان والدهم قد ذهب للعزاء فيه ، فقابلهم الحاضرون بفتور ظناً منهم أنهم قد قدموا للتعزية فى قتيلهم وهو الأمر الذى يعد إهانة لمشاعرهم ، إذ تقضى التقاليد ألا يتلقى أهل القتيل العزاء فيه إلا بعد الثأر له ولو إمتد ذلك سنوات طويلة ، فحينما يسقط القاتل أو من يختارونه بدلاً منه ترتفع أصوات الزغاريد وتختلط الطلقات ببكاء أهل القتيل الأول إذ ليس من المسموح حتى للنساء بالبكاء عليه حتى يتم الثأر له ، وكان ذلك هو سبب فتورهم فى إستقبال هؤلاء الزائرين الذين أدركوا ذلك فبدأوا يشرحون سبب زيارتهم مباشرة بقولهم بأنهم أصحاب الحق فى الثأر له لأن وفاته جاءت كنتيجة مباشرة لمجازفته بالحضور مجاملة لهم رغم علمه بتربص خصومه به للثأر منه ولولا ذلك لما كان قد لقى مصرعه ، ولكن أبناء القتيل رفضوا هذا المنطق الذى قد يعرضهم لو قبلوه للسخرية والإحتقار من الجميع ، ولم يكن عرض هؤلاء الزوار مجرد مجاملة بل أصروا عليه بشدة فتطورت المناقشة إلى ما يشبه المعركة فيما بينهم واتفقوا أخيراً على اللجوء إلى أحد مشايخ العرب الذين يحتكم إليهم فى مثل هذه الأمور الشائكة ، وجاء حكم الشيخ بعد مفاوضات ومناقشات ومداولات إمتدت ليلة كاملة إلى قرار يقضى بأن الثأر فى هذه الحالة من حق أبناء المتوفى الذى كان القتيل قد ذهب لتعزيتهم فيه ، وذلك إستناداً إلى كونه فى حماهم حتى يعود إلى الجبل سالماً ، ولما كان قتله قد وقع قبل عبوره النيل فهو يعتبر قتيلهم ، فقد كان الإعتداء عليه يعتبر عدوانا مباشراً عليهم وتحدياً صريحاً لهم ، وهنا لم يجد أبناء القتيل سوى الإذعان لهذا الحكم الذى تولى الشيخ بنفسه أمر إعلانه من خلال مجالسه الخاصة لتبرئة جانب أبناء القتيل وحتى لايظن الناس أنهم تقاعسوا عن القيام بواجبهم الذي تفرضه التقاليد& ، وبهذا الإعلان يكون قد تم إسباغ الشرعية "العرفية" على المطالبة& بثأره على رؤوس الأشهاد& .
العرب والهوارة
في قنا .. وتحديداً في مركز السمطا ، التقيت بأحد كبار قبائل "العرب" ، اسمه الشيخ "ابو الفضل" وهو رجل طاعن في السن لا يعرف عمره سوى الله تعالى ، فليست للرجل بطاقة شخصية أو عائلية ولا حتى شهادة ميلاد ، ولا تربطه بالمؤسسات الرسمية أي صلة من أي نوع ، وتُروى عن الشيخ "أبو الفضل" هذا حكايات تشبه الأساطير ، لا ينفيها لكنه لا يؤكدها أيضاً ، فهو أغلب الوقت ملتزم بالصمت .. يدخن بشراهة رغم عمره ، يتعاطى "الأفيون البلدي" بانتظام وعلانية ، لا يكاد يعرف قدره ووضعه القبليّ& من يراه لأول وهلة ، فهو مرجعية معتمدة في كل الخصومات ، يتحدث بتؤدة وهدوء .. يخلط بين الأمثال العربية القديمة والآيات القرآنية الكريمة والمأثور الشعبي بذكاء شديد ومنطق فطريّ ، لا يبدأ بطرح الأسئلة قبل أن يكون محدثه قد انتهى من إفراغ ما في جوفه من كلمات ، لكنه حين يتحدث تكون كلماته أكثر حدة من السيف القاطع ، سألته مرة عن الفارق بين "العرب والهوارة "فأجاب ببساطة اربكتني& قائلاً : هل كان الرسول (ص) عربياً أو هوارياً ؟ 00 واستطرد بلهجته التي هي مزيج من البدوية والصعيدية قائلاً : "النبى عربى يا أستاذ ، وها دول الهواره ترك ومغاربة" ، وحينما عرف من أحد أحفاده أنني أنتمي لإحدى عائلات الهوارة ، لم يتلعثم أو يرتبك لكنه استدرك قائلاً : "الحمد لله كلنا مسلمين " ، لكن هذا الجواب دفعني للبحث في جذور التكوين الإجتماعى على خارطة الصعيد لنجده ينحصر فى قبائل الهوارة والعرب والأتراك (ويقصد بهم الأسر ذات الأصول المملوكية) ، ثم تأتى فى المرتبة الثانية فلول الهامشيين ممن يطلق عليهم الفلاحين ثم الحلب ( الغجر ) والعبيد ثم الأقباط الذين إنصهروا فى البنية الإجتماعية بالإحتماء بإحدى العائلات تحت إصطلاح "بدوى عائلة فلان" فيقال أن هؤلاء (نصارى الهوارة) أى جماعة الأقباط الذين إتخذوا من قبيلة الهوارة حماة لهم وارتبطوا بالولاء لهم أيضا فصار الهوارة مسئولين عن تصرفاتهم وحمايتهم ، ونأتى للهوارة وهم تلك القبيلة التى نزحت من اليمن وجنوب الجزيرة العربية أثناء الفتح العربى لمصر وشمال أفريقيا وإستقروا فى المغرب العربى وعادوا للهجرة لمصر إبان حكم الفاطميين الذين شجعوا هجرة القبائل العربية لمصر وقتئذ فعاد الهوارة ليسقروا فى الجانب الغربى للنيل ، ومنهم توالدت بطون عرفت بعائلات : أبو ستيت وأبو الدهب وأبو كريشة والناظر ونصار وحمادى وغيرها ، وقد إستطاعت هذه القبيلة (الهوارة) حكم الصعيد بأكمله إبان عهد المماليك وعلى يد شيخ العرب الشهير همام بن يوسف الذى لم يزل أهل الصعيد يحفظون له أطيب الذكرى ويرددون سيرته بإعجاب ممزوج بهالة من التقديس 0
ثم تأتى قبائل أخرى مثل بيت القاضى (الإشراف) ، وبنى حميد والجهمى والقرعان وبيليّ والمعاذة والحويطات ، وهى ما تعرف بقبائل "العرب" وقد نزحوا من المشرق العربى وبالتحديد من تبوك& وضبا شمال السعودية وسيناء وفى وقت متأخر عن مقدم الهوارة ، وإستقروا فى الجانب الشرقى من النيل ، وتأتى فى المرتبة الثالثة العائلات ذات الأصول المملوكية التى نشأت حينما كان يفر بعض المماليك أو يستبعدون من القاهرة إلى الصعيد إثر صراعات سياسية مع السلطان المملوكى ليستقروا جنوب مصر منذ ذلك الحين ، ويحصلوا على مساحات شاسعة من الأراضى ويجيدون قواعد الإرتباط بالسلطة والحكام حتى ملامحهم التى تأخذ صفات المماليك من الطول الفارع والعيون الملونة والشعر الأشقر فضلا عما يحملونه فى أعماقهم من شعور بالتعالى على بقية العائلات العربية والإزدراء لهم ويطلق عليهم فى الصعيد لقب "التراكوة" أى الأتراك ويقصد بذلك المماليك ويبقى من الخريطة الإجتماعية بعض الفئات الهامشية من النازحين للصعيد من الدلتا والفيوم ويطلق عليهم "الفلاحين" وأخيراً يأتى الزنوج الذين يعرفون حتى الآن "بالعبيد" ثم "الحلب" وهم الغجر الذين يمارسون كل الأنشطة التقليدية للغجر في شتى أنحاء العالم من الرقص والغناء وأعمال الحدادة وحلاقة الشعر والسرقة والإحتيال وغيرها من المهن والحرف التي اشتهر بها الغجر في مكان من العالم& .
الجماعة والجهاد .. والقبيلة
ويتفق علماء الاجتماع السياسي وفلسفة القانون في مصر وهو الدكتور محمود سلام زناتي العميد الأسبق لكلية الحقوق بجامعة أسيوط أن النظام الاجتماعي القبلي في صعيد مصر تحديداً قد تلقى عدة ضربات قاسية موجعة أفقدته توازنه الفطريّ وصرامته التقليدية ، وبدأت هذه الضربات فى عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ، وتحديداً عقب تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي ، خاصة في ما يتعلق بالحد الأقصى للملكية وما ترتب على ذلك من نزع حيازة الأراضى الزراعية والقصور وغيرها من الممتلكات ، وقد كان أعيان العائلات يلجأون إلى توزيع الأراضى "شكلياً" على أقاربهم الفقراء أو خدمهم للتحايل على القوانين التى تنفذها لجان تصفية الإقطاع ؛ ثم كانت الضربة الثانية - وبطريقة مغايرة تماماً للأولى -& فى عهد السادات ، وبالتحديد عقب بداية تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي والتي ترتب عليها بزوغ نجم عدد من الفئات الهامشية بعد أن إستطاعوا الإستفادة من هذه المرحلة وفهم قواعدها جيداً فأنجزوا من المكاسب ما مكنهم من كسر الحلقة التقليدية للنظام الإجتماعى القائم على الطبقية القبلية فى المجتمع الصعيدى ، ثم جاءت موجة سفر العمالة المصرية إلى بلاد الخليج العربى وعودتهم بالأموال الطائلة 00 وهكذا لم تجد العائلات التي كانت تحظى بالنفوذ التقليدي في الصعيد أمامها مفراً من إستخدام مفردات هذه المرحلة بالتخلي أولا عن النعرات القديمة والانخراط فى ركاب العصر والارتباط بقطار السلطة السريع في كافة صوره 00 ، وحينما انحسرت تلك الفرص العشوائية في مرحلة الانفتاح إبان عهد السادات 00 ، وتضاءلت فرص السفر للخارج بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة ، وارتمى كبار رجالات القبائل الصعيدية في أحضان المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية ، سواء كانت أحزاباً أو هيئات إدارية ، و ربما& حدث العكس ..أو تلاقت مصالح الطرفين ، وهنا لم يجد الغالبية من شباب الصعيد ملاذاً يحققون من خلاله ذواتهم سوى الإنتماء للجماعات المتطرفة التى إقتنصت فرصتها الذهبية حينما تخاذلت أو تقاعست الأجهزة الرسمية عن القيام بدورها المفترض في تقديم خدماتها& المفترضة للمواطنين حتى تلك البسيطة منها&
تبقى في الختام أهمية التأكيد على الدور النفسي والإجتماعى لهذه الجماعات الدينية المتطرفة التي انتشرت في كافة محافظات الصعيد خلال العقدين الماضيين ، وقد تحولت بطريقة أو أخرى لمتنفس بديل للهامشيين المنبوذين على خارطة المجتع الصعيدى القبلى الصارم ، الذي تتحدد فيه الأدوار سابقة التجهيز لكل فرد وفقاً لإنتمائه العائلي ، ومكانته الاقتصادية التي تكون في أغلب الأحوال مرتبطة هي الأخرى بحكم ما ورثه هؤلاء الأبناء من أطيان وعقارات ، وحينما لا يستطيع هؤلاء الهامشيون من أبناء الفلاحين أو الحلب "الغجر" ، أو هؤلاء الذين لا يزال يطلق عليهم "العبيد" أن يجاروا سلوك أبناء العائلات القوية الاجتماعي ، أو تحقيق طموحاتهم 00 ، وحينما يتواطأ رجال الإدارة الرسميون بشكل تقليدي مع الأقوياء والأثرياء من أبناء العائلات الكبيرة ذات النفوذ التاريخي في الصعيد ، حينئذ لا يجد هؤلاء الهامشيون بديلاً عن الانضواء تحت راية أمراء التطرف الديني الأمر الذي يكفل لهم قدراً لا بأس به من الإحترام والفاعلية الاجتماعية فى إدارة شئون قراهم ومدنهم ، وفي التحقق الشخصي .. والشعور ببصيص أمل في الفق المنظور ، حتى لو اتضح لاحقاً أنه مجرد سراب ، وربما راودتهم الأحلام في ما هو أخطر من ذلك .
من يدرى ؟