لم تكن الطريقة التي خُطِف فيها الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، سابقة في سياسة أمريكا، فقد ذَكّرت بخطف رئيس بنما عام 1989، نورييغا، ورئيس هاييتي المنتخب جان-برتران. وكأن شعار (MAGA) الذي رفعه ترامب يعني إعادة استعراض قوة باستعادة عمليات الخطف، وسبقتها استعادة رفع الجمارك التي أطلقها الرئيس هوفر 1930، واستعادة قانون الرئيس جيمس مونرو 1823 الذي بدأ بمبدأ حماية الدول، وتحت طياته عمل على احتكار النفوذ فيها. هل هذه هي الأمجاد التي يريد أن يعيد أمريكا إليها؟
نعم، إذا نزعنا القناع البرّاق عن شعار (MAGA) نجده في نسخته الأصلية ليس قصيدة وطنية، بل حنين سياسي إلى زمن كانت فيه أمريكا تفعل ما تشاء بلا محاسبة. زمن كانت تخطف القادة، تفرض الجمارك لتخنق الخصوم، وتلوّح بقانون مونرو لتقول: «هذه القارّة.. لي».
ترامب لم يخترع هذا المنطق، هو أخرجه من غرف الاجتماعات المغلقة فقط، إلى مُكبّرات الصوت. ففي القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، كانت أمريكا عظيمة بالطريقة التي يقصدها ترامب: اقتصاد مَحمي بجدران جمركية، أساطيل تُحاصِر الموانئ، وشركاتها تدخل الدول بسهولة، كما يدخل السكين في الزبدة. كان ذلك عصر احتلال كوبا، والانقلابات في أمريكا اللاتينية، والتعريفات الجمركية التي حطمت أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، وأدت إلى حرب عالمية ثانية.
ترامب يريد استعادة هذا النموذج، لا نموذج العولمة. هو يكره فكرة «النظام الدولي»، ويحب فكرة «الإمبراطورية المُتحررة من القيود». عندما يرفع الرسوم الجمركية، لا يحمي العمال، بل يعيد سلاحاً إمبراطورياً قديماً: خنق الخصم اقتصادياً لإخضاعه، بدل التفاوض. وعندما يتحدث عن فنزويلا، أو غرينلاند، أو كندا، أو المكسيك، فهو لا يفكر كرئيس دولة، بل كمالك مجال نفوذ. هذا هو مونرو بنسخته الحديثة، وقبعة حمراء، ولم يُخفِها، أعلن في خطابه أن العالم أمام قانون جديد (دونرو) نسبه إلى اسمه. النتيجة واحدة: عالم يُدار بالقوة لا بالقانون، وأكثر بالحديقة الخلفية لا بالسيادة. التاريخ هنا يعود وقد استقوت أمريكا بأسلحتها المُتطورة تكنولوجياً، وتفوقت بها، وحان وقت تهديد العالم. يعود بلهجة، وقحة، وغير مبالية، ومُعلنة. النفط ليس الهدف، بل التحكّم في من يُباع له، وإبقاؤه تحت مظلة الدولار والنظام المالي الأمريكي.
الصحف تتحدث عن نفط فنزويلا وذلك الاحتياطي الضخم الذي يعد الأول عالمياً، والمستقبل النفطي العظيم الذي ينتظر الشركات الأمريكية، لكن مهلاً.. لنبحث عميقاً في النفط الفنزويلي، ومدى حاجة أمريكا إليه. الحقيقة أن أمريكا لا تحتاج إلى نفط فنزويلا، فهي أكبر منتج للنفط، وقد يكون الاحتياطي الفنزويلي مغرياً، لكن استخراجه سيكون مكلفاً جداً في بنية تحتية متهالكة، ووضع سياسي غير مستقر، كلها عوامل تجعل الشركات النفطية تتردّد في الاستثمار فيها.السؤال لماذا فنزويلا اليوم؟ لأن فنزويلا موقع سيادي في قلب أمريكا اللاتينية، النفط كما المخدرات ذريعة، السلطة هي الهدف. إعادة فتح شركة النفط الوطنية لتعاد هيكلتها بدخول الشركات الأمريكية، لا لبيع النفط الخام فقط، بل الأهم لربطه بالنظام المالي الأمريكي. الهدف الأهم هو تسعير النفط بالدولار، وخضوعه للعقوبات الأمريكية. الهدف أن تصبح فنزويلا تابعة وظيفياً لها. وطرد الصين وروسيا من الحديقة الخلفية. السيطرة عليها تعني إغلاق نافذة جيوسياسية في خاصرة أمريكا.
تعتقد واشنطن أن السيطرة على فنزويلا ضربة لإيران، ولروسيا، وللصين. كما أنها تعتقد أن بإمكانها بعد سيطرتها على أكبر احتياطي نفط في العالم أن تكون عامل توازن داخل أوبك. النفط هنا ليس مالاً.. بل زر تحكّم في العالم. باختصار، أمريكا لا تريد نفط فنزويلا، بل تريد ألا يملك خصومها هذا النفط. كان الهدف سهلاً، فقد كانت دولة نفطية بلا سيادة. ترامب يرى العالم كما يري تاجر عقارات خريطة مدينة. الرئيس مادورو فعل المُحّرم، تحالف مع روسيا، فتح أبواب الصين، رهن النفط الفنزويلي للشرق. ترامب يؤمن بأن الضعيف يمكن شراؤه، أو كسره، وفنزويلا لم تكن دولة قوية. يريدها أن تعود إلى الفلك الأمريكي، والنظام المالي. الدولار يربح، وول ستريت تربح، وأمريكا تحكم اللعبة.
وبينما كان نفط فنزويلا صراعاً على النظام القائم، العين اليوم على غرينلاند، حيث نفط الغد المعادن.. صراع النظام القادم.
- آخر تحديث :
















التعليقات