1 كتب مثقف قومي عربي معروف في مقال صحافي نشر مؤخرا في صحيفة خليجية قال: إن الهوية من الأشياء التي يقال فيها "ثابت متغير"، وهي أيضا من الأشياء التي لا تتحدد إلا بواسطة "الآخر".. ثم بعد أن سرد دوائر الهوية المادية والفكرية مستطردا في تقديم أمثلة عامة؛ خلص إلى أنها تبدأ من الحي وتنتهي بالوطن فالقومية.. قبل أن يستنتج في سياق شبه تحييني للمقال أن هوية العراق، مثلا، لن تكون كذلك إلا إذا استطاعت أن تستوعب الكردي والسني والشيعي.. وغير هؤلاء من ساكنة البلد الأصليين جميعا؛ مما يعني أن الكاتب لا ينكر حقوق أي من "الهويات" المتعايشة في العراق؛ وقياسا عليه، ربما، في أي بلد كان، خاصة وأنه قال لتوضيح وتأكيد موقفه: إن طرح سؤال من قبيل أية هوية للعراق؟ لا يمكن أن يجاب عنه إلا بعد أن يجاب، أولا، عن السؤال: من هو "الآخر" بالنسية للعراق.
بيد أن صاحب "العقل العربي"، بعد أن دخل، خلال مقال لاحق، في التفاصيل الدقيقة حيث يسكن الشيطان كما يقال، قرأ حروف الهوية بالعراق وبالمنطقة الممتدة (تبعا ل"هواه" من المحيط إلى الخليج) قراءة مختلفة، لا تعترف سوى بالعروبة؛ عنصر الانتماء "العاطفي" الوحيد الذي انتقاه من كل عناصر الهويات القومية بالمنطقة؛ بقصد تعميمه وتغليبه بما هو العنصر "الثابت" الذي يستحق الحياة حتى يقف ضد تمزيق وحدة "الأشقاء" وينهض بمقاومة ثقافة الاختراق الغربية.. وأنه لذلك يجب أن لا يطاله "التغيير"، مقصيا بهذه "القراءة" كل ما تبقى من عناصر اللغات والثقافات والقوميات الأخرى غير العربية طبعا، باعتبارها، تبعا لتعريفه "العلمي" للهوية، هي مما ينبغي أن يحكمه التغير أو ربما الزوال؛ لم لا؟!
يكتب الجابري كل ذلك وأكثر من ذلك؛ دون أن يستشعر أن تقافة "العرب" مثلما يراها تماما هي أيضا ثقافة غزو واختراق، أليست هي التي هضمت حقوق الآخرين في بلاد الرافدين والشام ومصر وشمال أفريقيا والسودان وغيرها!
فما الذي جعل مفكرا في حجم الجابري يقول كلاما نظريا معقولا لا يصمد أمام إيديولوجياه؟!

2 وكتب متخصص في القانون الدستوري (هكذا قدم نفسه) هو الأستاذ عبد الهادي بوطالب رافضا الفديرالية في العراق؛ بحجة أن الفيدرالية لا تقوم على أسس اثنية في أي من بلاد العالم؛ بل على أسس اقتصادية واجتماعية فقط (!)
غير أن استحضارنا لحقيقة أن دولا ككندا وسويسرا واسبانيا والصين وغيرها كثير يكفي لتفنيد مزاعم الكاتب المتخصص؛ حتى لا نقول "معارفه"؛ ذلك لأن الفيدراليات هناك هي، أصلا وأساسا، لحماية لغات وثقافات القومبات التي لم تكن لتعيش وتتطور لو لم تحافظ شعوبها على وجودها الذاتي والحيوي في إطار جغرافي محدد..
فالنظام الفيديرالي، الذي لا ينفي الوحدة السياسية ولا حتى الاقتصادية لأي بلد بالضرورة، هو برغم أنف من يريد قول العكس، الوسيلة التنظيمية الوحيدة الكفيلة بتحقيق الوحدة الحقيقية؛ بما هي تنبني على أساس المواطنة لا على مبدأ وحدة القومية، وهو الإطار القادر وحده على حماية اللغات والثقافات من الموت المحقق الذي هو مصير كل الهويات المندمجة والمنصهرة في نظام الدولة المركزية ذات الثقافة الأقوى..
ثم، ما المانع، حتى بافتراض صدق ما قاله الأستاذ بوطالب، من أن يقيم العراقيون، وإن كأول تجربة في العالم، فيدرالية على أساس قومي؛ إذا كانت هذه الصيغة التنظيمية حلا سياسيا يرتضيه أهل البلد جميعا لأنفسهم أو حتى أغلبهم بما هو الحل الذي يخدم مصالح كل القوميات بالبلاد؟!
إن الإشارات، أعلاه، تدفعنا إلى طرح السؤال ذاته: ما الذي يمكن أن يدفع كاتبا متخصصا إلى اقتراف مثل هذا التزييف للحقيقة الاجتماعية السياسية باسم المعرفة العلمية؟!

3 وقرأت وسمعت، مشرقا ومغربا؛ "لصحفيين ومثقفين كثيرين منهم "الحداثي" و"الأصولي" و"الديمقراطي".. إذا جازت هذه التصنيفات، فتبينت أنهم حين يكتبون أو يتحدثون، أيضا، عن العراق ومسودة الدستور والفيدرالية.. لا يقولون "انطباعيا" إلا بالذي قال به بوطالب والجابري "علميا"!
ومحتوى كلامهم جميعا هو أن العراق أرضه عربية وشعبه عربي، بل هو قلب الأمة العربية المجيدة الخالدة.. وبناء عليه فالأكراد وغيرهم من القوميات فيه بين خيارين: أن يندمجوا في العروبة كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة.. فينتهوا رمزيا، أو يتهموا بالخيانة في انتظار فرص التخلص منهم ماديا بقدرة الديكتاتور المنتظر إلى يوم القيامة..!
تحدث عبد الباري عطوان وأحمد المديني وفيصل القاسم ومصطفى بكري وآخرون وآخرون عن العراق في حل من أي موضوعية؛ مستلهمين "أفكار" الحقد و"تحليلات" الكراهية و"علم" الشوفينية!
إنها المواقف التي تفرض أن نتساءل مرة أخرى: ما الذي يمكن أن يجعل بوطالب والجابري وغيرهما يبتعدون عن العلم والعقل والحق ليجتمعوا حول الكذب الصراح كلما تعلق الأمر بالهوية القومية؟!

4 على المستوى الشعبي؛ يمكن أن يلاحظ المرء خلال الحياة "الطبيعية" على الأرض أو عبر فضائيات الأدلجة والتحريض والإثارة كيف أن المواطن "العربي" العادي لا، بل الأمي، يقول، هو أيضا، الكلام نفسه ويتحدث باليقين ذاته وبالحماس عينه! لا، بل إنه يختار لتبليغ "فكرته" أساليب الجرأة والحدة التي بها ينطق المثقفون العاديون والعلماء المختصون!
لذلك؛ لا يسعنا إلا أن نتساءل أيضا: ما الذي جمع المثقف العادي والعالم المتخصص والشخص الأمي في كفة ثقافية واحدة قوميا؟!

****
ثمة علماء من طينة ثانية، قادرون على إضاءة الموضوع، فلنتأمل:
كتب رشاد الشامي في مقدمته لكتاب ذي صلة؛ موضوعه "إشكالية الهوية في إسرائيل" ما يفيد أن الهوية برغم تعدد عناصرها وتباين مستوياتها واختلاف تعاريفها لا علاقة لها بالمعارف والعلوم؛ إذ لا تعدو أن تكون الشعور العميق الوجودي الأساسي للانسان الفرد، إلى جانب الشعور العميق الخاص بانتمائه الجماعي..!
وهذا الفهم يحيل على رأي علماء الاجتماع في الموضوع؛ أولئك الذين يقترحون من أجل استيعاب معرفي سليم لتوترات الهوية ولجذور النزعة القومية لدى الشعوب دراسة علاقة الانسان بالوجود؛ أي بالحياة والموت أساسا.. فالانتماء القومي، بحسب هؤلاء، كالدين تماما: غذاء روحي ضروري، وطقس عبادة من نوع حميمي جدا وخاص جدا..
فإذا كانت الديانات تخفف من معاناة المؤمنين من البشر، ماديا ونفسيا، بتفسيراتها الجاهزة للكون وبإجاباتها الميتافيزيقية الشافية عن كل التساؤلات الوجودية الغامضة حول المصير النهائي للكائنات، فإن النزوع القومي لدى غير المؤمنين المتعصبين للذات الثقافية الجماعية هو أيضا عبادة ذات وظائف نفسية مماثلة أو قريبة.
التدين القومي؛ بما هو الإيمان بالوجود الفيزيقي، دعامته الإحساس بالتميز القيمي والتماسك الذاتي وحافزه الرغبة في البقاء، وهو يولد لدى الفرد حاجات روحية/ نفسية ضرورية لتحقيق الأمن والسعادة الأبديين للجماعة وللفرد من خلالها.
يعني ذلك أن القوميين، بما هم بشر، يخشون أيضا حقيقة الفناء، ويشغلهم طبيعيا ذلك القدر الحتمي غير المرغوب فيه الذي هو الموت.
يقول العلماء في هذا الصدد: إنه إذا كان العابد لله في أكثر الديانات التوحيدية يعتقد بالخلود في العالم الآخر ويتعبد من أجل الحظوة فيه، فإن العابد لقوميته ليست له من رغبة سوى أن يخلد في هذا العالم المنظور( المرئي) بخلود قوميته.
يفسر دوركايم الوضعية بما معناه: إنه إذا كانت المجتمعات في عباداتها الدينية تتفانى في عشق ذاتها بشكل مموه، فهي في عصور التعصب القومي تقوم بكشف الحقيقة؛ حين تعلن عن عبادة ذاتها بشكل صريح ودون أي تمويه.
ويذهب اندرسون إلى أن القومية دين؛ ما دامت تمنح الفرد غايته وأمل حياته.. لا بل ما دامت تشكل أيضا أمل بقائه حتى فيما بعد الموت؛ فالفرد بمقتضى هذا الدين (القديم المتجدد) مقتنع أنه لن يموت، فهو بحسب عقيدته القومية ومستلزماتها يحس أنه سوف يبقى ببقاء نمط حضارته وخصائص تراثه وعناصر ثقافته الجماعية، وبخاصة اللغة التي يعتبرها هولدرلين جوهر هوية الأمة وخزان مختلف مكوناتها ومقومات حضارتها.
إن استمرار الهوية الثقافية اللغوية للجماعة يعطي الشعور للفرد بالارتياح النفسي وبالأمان وبالسرمدية، تماما كشعور المتقرب إلى ربه بطقوس العبادة الدينية، في حين يعني تهديدها، في المقابل، بالاحتواء أو بالتذويب أو بالإبادة التوتر والقلق، الناتجين عن الخطر المنذر بالفناء الحقيقي للذات الفردية بانمحاء جماعتها من الوجود..
من هنا، لا يتردد المؤمن بالقومية، في بذل كل ما يطيق من جهد للحيلولة دون فناء ذاته الجماعية، (سواء بالإبادة الجسدية كما فعل "المتحضرون" بالهنود الحمر، أو باختراقها واستلابها ثقافيا كما فعل "الدعاة إلى الإسلام" ببعض الشعوب التي حملوا إليها الدين الذي نسوا أنهم قالوا إنه يدعو إلى الأخوة والمحبة والتعارف والتقوى؛ لا إلى احتلال أراضي الشعوب واستلابها فكريا!).
القومي يجاهد أن لا تفنى ثقافته وهويته، حتى وإن تطلب الأمر الكذب والتزوير والاغتيال والفتوحات والاستعمار من أجلها! وحتى وإن اقتضى الحال التضحية في سبيلها جسدا وروحا كما شهدت بذلك أحداث تاريخ "العصبيات" على مر العصور إلى اليوم.

***
لقد حاول التحليل أعلاه تبيان أن "المعارف" حول القومية التي تتشابه لدى الناس من المفكر المتخصص إلى المثقف العادي إلى الأمي الجاهل ليست معارف بقدرما هي قيم في الوجدان وأحاسيس لا تقوم على برهان.
لذلك حين نقرأ، في شأن الهوية القومية، لعبد الهادي بوطالب أو للجابري كما لمثقفين آخرين، لا نلمس اختلافا في مواقفهم، أبدا، مع مواقف مواطنين عاديين أو أميين!
أجل، حين نقرأ لهؤلاء ينحدر بنا الموضوع توا من النظر "المتعالي" إلى الفكر "الشعبي" إلى المشاعر العرقية الخالصة؛ حيث ثقافة التنكر للآخر؛ أي إلى حيث المعتقدات "الغريزية" الحقيقية التي تجعل من كل البشر باختلاف معارفهم ومداركهم، إلا من رحم نفسه، عاصبين أو متعصبين؛ ولا تختلف غير الأدوار.
تأسيسا عليه؛ من الصعب أن يحول الوعي بكون الهوية القومية دينا دون عبادة القومجيين لأنفسهم؛ برغم كل الشروح التي يقدمها علماء الاجتماع لبعض البشر.
من الصعب؛ لأن تلك مهمة السياسيين فحسب، غير أن السياسيين، للأسف الشديد، هم أمكر العاصبين والمتعصبين في مجال الانتساب القومي!
والهوية، بهذا المعنى، ليست شأنا فرديا كما يريد أن يقوله المتلاعبون بمصائر الشعوب في المغرب والعراق وما شابه؛ بل هي انصهار وجودي كلي وتلقائي في كيان امة قائمة مستقلة ومتميزة (مهما يكن حجمها)..
وهي ليست حضورا شكليا أو رمزيا لجماعة يمكن إدماجها أو احتواؤها بأبسط الإجراءات "الثقافية" الخادعة؛ بل هي الوجود الحق بكل معانيه المادية والسياسية والفلسفية والثقافية والروحية/النفسية الانسانية..
كذلك الهوية ليست "قضية" يمكن أن يتفاوض عليها، أو وجهة نظر قد يطالها الخطأ والصواب، أو رأيا فكريا يمكن أن يتغير؛ بل هي الكينونة التي يحدسها العقل والوجود الذي لا تخطئه مشاعر الذات. لا يمكن القضاء عليها إلا بفناء الجسد ماديا؛ بتصفية الأعضاء أو روحيا باستلاب الفكر وغسل الدماغ.


مبارك بولكيد