الحوار مع الآخر يجب أن يسبقه الحوار مع الذات أولا، ثم الحوار بين الذات والذات الأقرب.

الحوار مع الآخر : هو اعتراف به، لكن الذات التي لم تتعرف على حقيقتها لا تستطيع أن تتعرف على الآخر أو تعترف به، فكيف تتمكن من الحوار معه؟!

وتلك الذات التي لم تتعرف على حقيقتها : هي ذات منغلقة تحتاج إلى تكسير لقشرتها الخارجية كي يتم النفاذ إلى نواتها لمعرفة مكوناتها التي جعلتها مغلقة كالحجر.

لكن المشكلة تكمن في احتمالية أن تكون تلك الذات حجرا بذاتها، بحيث لاينتج عن التكسير سوى كشف المزيد من التحجر. وهذا ما يجعل المنغلق دائما يخشى رهبة الحوار مع الآخر، لأنه لم يتعرف على حقيقة نفسه ويخشى أن لايتعرف عليها سوى عبر الآخر.

وعندما قال سقراط عبارته الشهيرة ( إعرف نفسك )، كان يدرك أن في معرفة النفس ما يحقق للإنسان انسجاما مع ذاته، وذلك الانسجام مع الذات كفيل بدفع الإنسان للانسجام مع الآخر بعد أن يكون قد تجاوز انغلاق الذات، متجها نحو الانفتاح على الآخر.

الذات المنغلقة: مكون من مكونات الكراهية (لأن الإنسان عدو ما يجهل ) وهذا ما يجعلها شبيهة بالحجر الأصم الذي لا يمنح شعورا بالحياة.

أما الذات المنفتحة، فإنها شبيهة بالوردة، التي تشعرنا دائما بالحياة والحب والفرح.

وعندما نتأمل في علاقة الأحجار ببعضها، لا نلمح أي علاقة بينها، لأنه لا حوار بين الأحجار، مما يؤكد لنا أن الأحجار بلا أرواح.

لكننا عندما نتأمل في الورود المتمايلة على أغصانها الجميلة، نلحظ تلك العلاقة عبر الحوار بين الأغصان والورود على الشجرة الواحدة، ووسط البستان المتعدد الأشجار، مما يجعلنا نشعر بروح الورد الذي ينعكس على أرواحنا بمشاعر المحبة والألفة والسلام.

إن الذات الكارهة : تميل إلى مداعبة الحجر وتكره ملامسة الورد، وهي عادة ما تتخذ من مبدأ إلقام الحجر لفم الآخر منطلقا في التعامل معه للثم ذلك الآخر كلما حاول أن يختلف أو يتميز أو يتفوق.

بينما تلجأ الذات المحبة للخير والسلام إلى التعامل عبر باقات الورود المرسلة هنا وهناك لينتشر أريجها في الوسط الذي لا يكره.

فليكن حوارنا هذه المرة ( كالوردة تخرج من قلب حجر ) مثلما يقول نزار.

وليدافع كل منا حتى الموت عن حق الآخر في إبداء رأيه، مثلما يقول فولتير.

دعونا نتحاور مع الآخر (في الداخل ) قبل أن ننطلق إلى الآخر (الخارجي ).

ففي أعماق كل منا (آخر) يكاد أن يمزق الصدر الضيق الذي لايتسع لغير ذلك الآخر الداخلي الذي يحتاج إلى ترويض كي تنسجم الذات المنغلقة بفعل السياجات المحيطة بها التي تمنعها من التعرف على الآخر الخارجي.

دعونا نرمم ما تشوه من معالم الذات المريضة بسبب التعدي الصارخ من قبل عوامل الإقصاء التي استخدمها كل المعاقون في فكرهم من كل الاتجاهات المختلفة، كأسلحة للتسلق والتسلط على حساب الشرفاء والأمناء والمبدعين... والوطن.

دعونا نحلم بوطن يضمنا جميعا بلا حواجز أو موانع أو قيود، وليس فينا من يدعي أنه يمتلك الحقيقة أو العصمة. وليس لأحد منا أن يملك الحق كي يجعل الآخرين يفكرون كيفما يريد أو يفرض عليهم أن ينهجوا الطريق الذي يرى أنه الأنسب، متخذا من ثوابت فكره quot;هوquot; تبريرا لإقصاء الآخرين وثوابتهم، وكأن ما يعتقده استنادا إلى ثقافته التي تمثله مهما كان المدى الذي يحتضن تلك الثقافة واسعا أو ضيقا : هو الثابت المقدس، وما يخالف ذلك الثابت النابع من ثقافته: هو الباطل الذي يجب محاربته وإعلان الحرب عليه. دون أن يفرق بين الثابت المقدس الذي يتفق عليه كل الناس بمختلف توجهاتهم الدينية والفكرية، وبين الثابت المنبثق من ثقافته التي ليس بالضرورة أن يعتنقها الآخرون مهما أضفى عليها عامل الثبات والقداسة!

فالله لو أراد لجعل الناس جميعا تفكر بعقل واحد وتسير على طريق واحد وهو الخالق الأحد.

( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين ).