هل كان اليهودي شمشون الجبار إرهابياً زعزع أمن الفلسطينيين!!
بقدر ما يفتخر اليهود اليوم بجبروت القوة لديهم، يفتخرون بشمشون الجبار، ذاك اليهودي الذي أوتي من القوة الخارقة كما وصفه كتاب اليهود المقدس "التناخ" ما جعله يهدم معبد الفلسطينيين في غزة على الآلاف المؤلفة التي جاءت لتشهد محاكمته، لقد صور سفر القضاة، الإصحاح 16 خاتمة المشهد المسرحي لقصة شمشون على النحو التالي:
"فدعا شمشون الرب وقال: يا سيدي الرب اذكرني، وشددني يا الله هذه المرة فقط، فانتقم نقمة واحدة عن عينيّ من الفلسطينيين، وقبض شمشون على العمودين المتوسطين اللذين كان البيت قائماً عليهما، واستند عليهما الواحد بيمينه والآخر بيساره، وقال شمشون: لتمت نفسي مع الفلسطينيين، وانحنى بقوة، فسقط البيت على الأقطاب، وعلى كل الشعب الذي فيه، فكان الموتى الذين أماتهم في موته أكثر من الذين أماتهم في حياته".
لا تختلف تلك القوة الجبارة الانتقامية التاريخية عن هذه التي تتوالد اليوم في إسرائيل، بل تشكل بطولة الماضي مرجعاً روحياً للحاضر، فكتاب اليهود "التناخ" يتحدث عن مقتل ألاف الناس من الرجال والنساء والأطفال على يد شمشون وكأنهم حشرات، وكأن حياتهم لا تساوي شيئاً أمام حياة اليهودي، وانتقامه الجبار، لقد جاء وصف العدد المهول من القتل الوحشي ليشبع رغبة الانتقام التي زرعها كتاب اليهود "التناخ"، وجاء التصوير الفني القصصي مرشداً ومحفزاً للأجيال التي تتلقى علومها الروحية من هذا الكتاب، ودعوة إلى محاكاة قوة شمشون، وتتبع أسلوبه في الانتقام.
لقد صور سفر القضاة شمشون وكأنه النموذج الرائع للشخصية اليهودية الأسطورية التي تقاتل حتى الموت اقتناعاً وانتقاماً، ولا تخشى في سبيل مصلحة اليهود، وطاعة رب اليهود لوم لائم، ولا تتورع عن اقتراف كل التدمير دون تردد، أو وجل، ومن قصص شمشون على سبيل المثال، أنه "في أيام الحصاد قد ذهب وأمسك ثلاث مئة ابن آوى، وأخذ مشاعل وجعل ذنباً على ذنب، ووضع مشعلاً بين كل ذنبين في الوسط، ثم أضرم المشاعل ناراً، وأطلقها بين زروع الفلسطينيين، فأحرق الأكداس، والزرع، وكروم الزيتون".
الا يمكن أن نسمي ذاك العمل المجرم بلغة العصر إرهاباً، فإذا كان ذاك السلوك قد اقترفه أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو يمثل قدوة، ونموذج قوة يحاكى عند اليهود، فلا غرابة أن نجد تلاميذ "التناخ" أمثال باروخ جولدشتاين، ومناحم بيجن، وأريل شارون، ويتسحاق هاليفي، ورفائيل إيتان، ورحبعام زئيفي، يمارسون السلوك نفسه، ويعتبرونه بطولة!!.
وسط هذا الزحام من القتل والحرق الشمشوني، كيف بدت دليلة؟ أو كيف صور كتاب اليهود المقدس "التناخ" المرأة الفلسطينية في ذلك الزمان، أو المرأة الغريبة التي وصفها يوماً نبي اليهود سليمان بن داوود بن يسي في سفر الملوك، عندما قال: فم الغريبة ناعم كالزيت!!.
تقول الرواية اليهودية في (التناخ) عن شمشون الذي حارب الفلسطينيين وأذلهم، بينما عجز الفلسطينيون عن تحقيق أي نصر صغير عليه، تقول: "أنه أحب امرأة في وادي سورق اسمها دليلة، فصعد إليها أقطاب الفلسطينيين، وقالوا لها: تملقيه، وانظري بماذا قوته العظيمة، وبماذا نتمكن منه لكي نوثقه لإذلاله، فنعطيك كل واحد ألفا ومئة شاقل فضة"
لقد صور التناخ شمشون بالمحب الصادق، المخلص، الوفي، وصور الغريبة دليلة بالمخادعة التي تبيع حباً زائفاً مقابل الشواقل، لقد جهدت دليلة عدة ليالي من المخادعة لمعرفة سر قوة شمشون الجبار، دون جدوى، ولكن في الليلة السابعة انخدع لها، وكشف لها قلبه، كما جاء في سفر القضاة من "التناخ" الإصحاح 16، "فدعت أقطاب الفلسطينيين وقالت: اصعدوا هذه المرة، فإنه قد كشف لي كل قلبه، فصعد إليها أقطاب الفلسطينيين، واصعدوا الفضة بيدهم، وأنامته على ركبتها، ودعت رجلاً وحلقت سبع خصل رأسه، وابتدأت بإذلاله، وفارقته قوته، وقالت: الفلسطينيون عليك يا شمشون، فانتبه من نومه، وقال: أخرج حسب كل مرة وانتفض، ولم يعلم أن الرب قد فارقه، فأخذه الفلسطينيون، وقلعوا عينيه، ونزلوا به إلى غزة، وأوثقوه بسلاسل نحاس، وكان يطحن في بيت السجن، وابتدأ شعر رأسه ينبت بعد أن حُلق".
قد يقول البعض: أن ما قام به شمشون ما هو إلا دفاعاً عن النفس، وانتقاماً من عمل جبان قام به الفلسطينيون، وهذا قد يبدو صحيحاً، ولكن المنطق السليم يقول: أن حجم الإذلال الذي ألحقه شمشون بالفلسطينيين يفوق كل توقع، لقد زعزع بأعماله الإرهابية أمن الفلسطينيين، وهذا ما يذكره التناخ، دون أن يبرر لجوء الفلسطينيين إلى الحيلة للتغلب على القوة الجبارة، ومع ذلك لم يتجاهل "التناخ" تعمد الفلسطينيين إلى محاكمة شمشون قبل أن ينزلوا به العقاب، وهذا من وجهة نظر عقلاء العصر مشروع، إنما غير المشروع أن ينتقم شمشون مقابل عينيه بقتل آلاف الأبرياء من الرجال والنساء، لقد تجاوز إرهاب شمشون شريعة حمورابي، العين بالعين، فأخذ ألاف العيون والنفوس، والأرواح دون وجه حق.
أؤكد هنا أن سكان قطاع غزة من العرب الذين لا ينتسبون إلى أولئك الفلسطينيين الذين طواهم الزمن، وبالتالي فالدفاع عنهم ليس عنصرياً، رغم إصرار بني إسرائيل على الانتساب إلى أولئك اليهود، إن أولئك الفلسطينيين الأوائل، ومن قبلهم الكنعانيين قد ذابوا في الشرق، واندمجوا مع سكانه، واختلطوا بنسبهم ودمهم مع العرب قبل الإسلام، ومع الفتوحات العربية في عهد الإسلام، ولم يعد هناك رابط بين العرب الفلسطينيين اليوم، وأولئك الفلسطينيين والكنعانيين، بل لقد غاب اسم فلسطين والفلسطينيين مئات السنين، فمن الذي نبش على التسمية، وأصر على أن يعطى لهذا المكان اسم فلسطين؛ وكان قد حمل تاريخياً اسم بلاد الشام، وأرض المحشر والمنشر، وجنوب سوريا، وسمي المكان حتى مطلع القرن العشرين في زمن العثمانيين؛ سنجق القدس، وسنجق عكا، وسنجق غزة ؟
إن تجديد التسمية تعود إلى اتفاقية سايكس بيكو التي وقعت بين فرنسا وبريطانيا، وتحت عين اليهود، ومراقبتهم، وإشرافهم، بالتالي جاءت منسجمة مع كتاب اليهود المقدس "التناخ" الذي يذكر فلسطين، والفلسطينيين مئات المرات، وبشكل يفوق في بعض الأسفار ذكر بني إسرائيل!! ففي سفر صموئيل على سبيل المثال، في الإصحاح السابع عشر، يرد ذكر فلسطين والفلسطينيين أكثر من أثنين وأربعين مرة، فهل هناك عقل مدبر، متآمر، سعى إلى إيجاد هذا المسمى، وإشهاره على وجه الأرض كي يتطابق مع كتاب اليهود "التناخ" وبالتالي يصدق ما جاء فيه من أكاذيب؟
أيكون الشعب العربي الفلسطيني قد ابتلع طعم التسمية دون وعي ودراية، وقاتل واهماً كي يقال له: الشعب الفلسطيني استجابة لخطة يهودية ذكية؟
لا أدعي تملك الحقيقة وحدي، وإنما أفتح باب الحوار على مصراعيه أمام الباحثين والمؤرخين، وأهمس للسياسيين كي يدركوا فارق الدلالة السياسية في التسمية بين بلاد العرب وأرض المسلمين، والحل الإستراتيجي للصراع، وبين أرض فلسطين، وحل النزاع، وتسوية القضية الفلسطينية.
لقد تناص الشاعر اليهودي الإسرائيلي "درور ستروزه" في قصيدة له مع أحدى فقرات سفر القضاة، وتخيل نفسه شمشون، فأنشد يقول:
أنت تلاطفين كومة شعري
تنادي عليّ: شمشون
وأنا مأخوذ بك
منتصباً اشتياقاً وأعرف أن نفسي
تموت في فلسطين
د. فايز صلاح أبو شمالة




التعليقات