ماذا عسى للمرء أن يتحدث وهو يرى ويسمع عن أعمال يند لها جبين العاقل، عن أجساد ممزقة ونفوس بريئة طالتها أيادي الجور والإجرام؟ ذنبها الوحيد أنها خرجت في لحظة مشئومة لإعالة أسرها أو قضاء شؤونها، فكان لها الغدر بالمرصاد ولم تشفع لها مدنيتها وبراءتها، وشيخوخة بعضها، وطفولة آخرين في النجاة...، لم يشفع لها جنسها ولا جنسيتها ولا دينها ولا سنها في مغالبة طوابير القتل والإرهاب!
جريمة ضد الإنسان، ضد حقه في العيش سالما مطمئنا كما تضمنها له الشرائع الوضعية والسماوية...، جريمة في حقوق شعب مضياف فتح أرضه لاستقبال من لفظته أوطانه بحثا عن لقمة عيش أو عن نسمات من حرية معدومة في بلاده...، جريمة في حق عمدة مدينة، طالما كان في مؤازرة الإسلام والمسلمين، ووقف في وجه حملات وحملات شككت في مواطنته...، جريمة في حق الأقلية المسلمة والمسالمة والتي أضحى نهارها ليلا وأيامها تساؤلات وهموم وخوف...، جريمة في حق المسلمين في أوروبا الذين عملوا جاهدا من أجل أوطانهم الجديدة وخلفوا أبناء وحفدة وأصبحوا جزء من نسيجها الاجتماعي رغم وعرة الطريق وغلاء الثمن...، جريمة في حق الإسلام كدين ودعوة وحضارة...!


الحقيقة المغمورة
حادثة لندن تؤكد حقيقة أصبح من العبث إنكارها أو طمسها أو تهميشها أو تجاهلها، حقيقة تزعج أصحاب الدرة، وأصحاب القلم، حقيقة وجب كشف غطائها بكل صراحة وكل تفصيل، حقيقة تنادي بأن عهد الاستنكار والتنديد وإن كان مجد وفعال في عدم موت الوعي وتخاذل الذاكرة، فإنه لم يعد كافيا وأن محطات جديدة وأبواب أخرى يجب فتحها للتفعيل والتنزيل:
* الإرهاب لم يضعف، بل تزايد وتمكن واستوطن عقولا وديارا، وأصبح يضرب أينما شاء، متى شاء وكيف يشاء!
* محاولات إبادته أو حتى إضعافه قد باءت بالفشل، ولم يستطع العسكر والأمن والتمترس داخل الجدران أو من وراء الحدود في تجنبه!
إن مواجهة الإرهاب تبدأ في البحث عن أسبابه، لماذا لم نشهد منذ عقود ما يطالنا اليوم؟ لماذا هذا التزايد المفزع لتبني أفكاره وحمل أوزاره؟ لماذا يلقي العديد من الشباب بنفسه على أبرياء عزل وهو يعتقد جازما أنه بقتلهم وتشتيت أشلائهم سوف يكتب شهيدا ويدخل الجنة مع الصديقين والأنبياء؟ لماذا لم يفرقوا بين المقاومة التي تأذن بها الشرائع والقوانين والعقل والنقل، وبين القتل والتعسف والجور الذي تأباه وتشمئز منه كل نفس طيبة وسليمة وضمير حي؟ لماذا هذا الهروب من الحياة وكأنها عجزت عن إعطاء الأمل والراحة لهؤلاء؟
إن هذه الأسئلة تحمل في الحقيقة بوادر إجاباتها و لا نظن أن أصحاب القرار والفكر والعلم تغيب عنهم هذه الإشكالية! إننا نزعم أن هذا الإنحراف وهذه الممارسة الباطلة وتأصلها وتفاقمها نابع من أسباب عدة قد مللنا إعادتها، وهي تتمحور كلها حول قضية الحرية والاستبداد، حيث يعيش الفرد العربي استبدادا داخليا كمم أفواهه وسود ليله ونهاره ومنغصا عليه حياته، فساد وغش ومحسوبية وظلم اجتماعي واقتصادي، ولا تبدو النهاية قريبة حيث يزيد الظلام ظلمة وهو يرى بيوت الجيران قد بدأت تتلألأ نورا، ولا مجيب لندآته وصراخه، بعضه دخل السجون وبعضه انسحب والبعض تطرف ودخل مستنقعات الجريمة والإرهاب.
ومع الاستبداد الداخلي برى هذا العربي المقموع استبداد خارجيا تجاه اخوته في فلسطين فيعيش مرارة القمع والظلم مرتين ويشعر بغياب العدل والإنصاف في الحالتين ويرى تلكأ حكامه وعدم جدية الخارج في محاولة إنصاف قومه وأمته، فتتحول المرارة إلى ضعف والضعف إلى المسك بأي طرف للوقوف ويدخل الإرهاب كخلاص لهذا الضيم ومنفس نجاة، ويتداخل المقدس والمدني ويدخل الجميع مواطن التبرير وراحة الضمير.
هذه هي الأسباب الرئيسية التي أجمع عليها القاصي والداني في إشعال جذوة الإرهاب والتي مللنا ذكرها وتذكرها حتى أنها أصبحت عند البعض نوعا من التبرير المتخفي لأعمال الإرهاب والإفساد في الأرض! ما أريد قوله هل أن كل هذا المأزق الذي تعيشه أمتنا من توافق الاستبداد الداخلي والخارجي يبرر ويقنع بالسقوط في هذه المآلات؟ هل أن حالتي التخلف الاجتماعي والاقتصادي تدعو إلى الإحباط واللامسؤولية ودخول المناطق المحرمة دينا ووضعا وفطرة؟ هل وجب التجني على أرواح بريئة وإرهاب الناس وترويعهم حتى يلتفت إلينا الناس؟ هل كلما تعرضنا إلى ظلم بواح داخلي أو خارجي إلا وقابلناه بظلم أقبح منه وأشد يطال البراءة والعاجزين؟ هل وصلنا إلى الحد الذي لم يعد يهمنا كيف ينظر الناس إلى هذا الدين ولم تعد تشغلنا قضية الدعوة وحسن عرض هذا الدين على الخلق ولم يعد يهمنا من يدخل ومن لا يدخل وكأن هذا الدين ملكنا نفتحه لمن نشاء ونغلقه على من نشاء؟
نعلم أن الحلول الكبيرة والنهائية بيد أصحاب القرار وخاصة الخارجي، من رفع اليد عن مساندة الاستبداد الداخلي وتركيز التعدد والديمقراطية داخل بلداننا وفرض عدم الإقصاء عن أي توجه أو تشكيل سياسي سلمي ومدني مهما كانت مرجعيته الفكرية. كما أن الدفع ببناء مشاريع استثمار ضخمة في بلدان الإرسال وتفريخ الإرهاب من مثل مخطط مارشال ومحاربة الفساد الطاغي والمحسوبية في هذه البلدان، يبدو بعدا مهما وأساسيا. كذلك فإن الكيل بميزانين تجاه القضية الفلسطينية يجب أن ينتهي وأن تظهر الحلول العادلة الملزمة لكل الأطراف دون تلكأ أو انحياز.


الأدوار المنسية
لكن في انتظار عودة الوعي إلى الخارج هل نبقى مكتوفي الأيدي ونحن نرى انفلات الأمور نحو مناطق الخطر التي تضع وجودنا كأمة وكأقلية وكدين محل الشك والاستفهام؟ إن دور الجماهير والنخبة يصبح الملجأ الوحيد والنابض لإخراج هذا الكيان الهش من السقوط والضمور.
ماذا نملك في أيدينا نحن البسطاء، نخبة وجماهير للتصدي لهذا الوباء ونحن نعلم أن معالجته أشمل وأعمق، كيف نساهم في هذه المواجهة الحضارية التي تجعل من تواجد المسلمين في أوروبا في كف عفريت، كيف نقدم للناس وجها آخر للإسلام، وجها آخر للمسلمين؟ هذا هو التحدي الجديد، ونحن نعتبر أن الإجابة عليه والمساهمة في بلورته وتنزيله جزء يسير من هذه المواجهة ويصل في بعض الأحيان إلى الترقيع والتلفيق غير أنه يمثل في حد ذاته عودة للوعي ونزولا إلى الواقع ومحاولة للبناء.


الفتوى الحازمة
لنكن واضحين، إن الارهاب لا يمشي على خواء، ولا يعيش دون التزام بفتاوى تعج بها صفحات الانترنت، وتملأ الكثير من رؤوس بعض المبتدئين في عالم المشيخة والفتوى، و لابد إن أردنا مواجهة هذه العقلية السائدة أن تكون فتاوى السلم والسلامة منبثقة بوضوح من طرف علماء وفقهاء ومؤسسات ولا يحف بها أي لبس أو غموض أو استدراك أو تدارك أو تبرير أو بحث عن المسوغات، فالحلال بيّن والحرام بيّن، و لا لون رمادي في هذه المسألة، حق أو باطل!
كثيرا ما قرأنا التنديد والاستنكار وإطلاق الفتاوى ولكن كثيرا ما تبعها استدراك أو تذكير، على سلامته، يفهمه ضعاف الوعي على أنه تبرير مقنع وأنه ضعف في المواقف وترهل في التأصيل واهتزاز في الإقناع، فيسقط البناء، ونسحب دون أن نشعر عن الفتوى مصداقيتها ونرمي بها في غيابات الاستخفاف والاستهزاء. إن الحزم في الفتوى ووضوحها وعدم ترنحها هو بداية الطريق في رج القناعات المواجهة وإرباكها والخطوات الأولى في تشكيل عقلية جديدة في استقبال الفتوى باعتبار أن الرؤية لم تعد أحادية ومنفردة ولكن تواجهها وتناقضها فتاوى حازمة وقوية.
هذه الفتوى الحازمة والرشيدة لا يمكن أن يرفعها ممن اصطلح على تسميتهم بفقهاء السلطان، أو من له مركز أو قرب من المؤسسات الحاكمة وله دخول وخروج عليها. فكثيرا ما وجهت التهم لمن أفتى بغير ما أفتى به فقها الإرهاب، بعمالتهم وخيانتهم، فتضرب الفتوى قبل انطلاقها وتفقد كل مصداقية وعنوان شرعي سليم.
يجب أن يحمل الفتوى في هذه المواجهة فقهاء أثبت التاريخ نضالهم وصدق أعمالهم ودخولهم السجون والمعتقلات من أجل كلمة حرة عند سلطان جائر، يجب إبراز ما طال بعضهم من سنين السجن والتعذيب والتشريد، من أجل فتاوى صادقة، حتى لا يزايد عليهم في الوطنية والصمود والنضال، وكلما ابتعد الفقيه عن أبواب الحاكم كلما نال مصداقية أكبر وحملت الفتوى لونا آخر وطعما جديدا عند المنافس والمعاضد على السواء.


التأصيل الشرعي لفقه السلم
عندما تطالع فتاوى الإرهاب تلاحظ محاولات البناء الديني والتأصيل الشرعي الذي يسعى جاهدا إلى التقاط كل ما حب ودب في المخزون المقدس، من تأويل وتفسير ورؤى وإخراج لأحكام وفتاوى من واقعها وظروفها وتنزيلها قسرا على واقعنا... فمن السرد الوافر للآيات والأحاديث، إلى إبراز بعض الأحداث والوقائع التاريخية، إلى إدماج بعض كبار الفقهاء والمفسرين، إلى النبش عن أقوال ورؤى ولو كانت شاذة أو مرتبطة بسياقها... كل هذه المنهجية الضخمة في التأصيل والتدعيم هي أساس التنظير وهي الماكنة الفعلية والأساسية في نشوء فكر الإرهاب وتمكنه.
ومن هنا يبدأ مسار المواجهة الفعلية لهذا الفكر الشاذ بزعزعة هذه القناعات وإرباك منظريها وتابعيها وذلك من خلال :
* فضح المسانيد الواهية أو الضعيفة، وإظهار الكم الهائل من الآيات والأحاديث الواردة في السلم والتعارف وعدم قتل الأبرياء وسفك الدماء.
* إبراز ما للعهود في الإسلام من مكانة خاصة ومحددة في إيمان الفرد أو زيغه، والتركيز على صور ووقائع في هذا المجال من مثل دستور المدينة وما حمله من حقوق المواطنة والجيرة وحقوق الإنسان أيا كان دينه وثقافته وجنسه.
*تدعيم البناء النظري بالصور الجميلة التي حملها مجتمع الصحابة والتابعين وحملتها الحضارة الإسلامية أيام عزها ازدهارها.
* بناء فقه متكامل نطلق عليه فقه السلم والسلامة، بتأصيلاته ووحدته، لا يخرج عن الفقه العام ولكن يتميز بعلاقته بفقه الأقليات من موازنات وضرورات واستعجالات.
دور الجماهير، من الوجوم إلى التفعيل
لا يمكن أن يحل التعارف والسلم ما لم يراجع الخارج أقواله وأفعاله، لا يمكن أن ينجح الفقيه لوحده في حلبة المواجهة إذا لم يعضده الجمهور، لم يعد كافيا أن تبقى الجماهير حزينة كئيبة في انتظار أن تقع كل أطراف البيت عليها قبل أعدائها!
إن دور الأقليات المسلمة في أوروبا يجب أن يكون فاعلا وملموسا وقويا حتى يتأكد عند الإرهابيين عزلتهم وتهميشهم، فكلما وقع المحظور وجب على هذه الجالية الخروج بكل أطيافها وشيبها وشبابها وأسرها إلى الشارع في كل مدينة وعاصمة، مذكرة الجميع بمواطنتها، بحبها لأوطانها الجديدة ووفائها لها، ومعلنة في وجوه الإرهابيين أنها بريئة من أفعالهم وأنها تعتبرهم أعدائها ولو كانوا يحملون أسماء من جنسها وخرجوا من جلدتها.


إن محاصرة الإرهاب عبر تهميشه وسحب أي تعاطف معه من قبل الأهل والعشيرة والجماهير يمثل إحدى الطوابق الهامة في سلسلة أعمال الخنق والارباك لهذه الحالة الخطيرة، والتي يجب أن تصحبها توعية دائمة عبر كتابات ومناهج تربوية وخطب جمعية مسترسلة، تبين الآثار الخطيرة التي يمكن أن تصل الأقليات المسلمة في الغرب، حيث يجب التنصيص والتأكيد على أن وجودها الكلي وتقبلها من طرف شعوبها قد يصبح محل تشكيك. يجب إفهام هؤلاء أن أعمالهم تضع مصير مجموعة كاملة في خطر، وأن دفاعهم الكاذب عن الدين وأهله لا يصب إلا في خيانة هذا الدين وتدمير أهله.


ختــاما
إن مسار التاريخ يكاد يؤخذ به نحو اتجاه مفزع بين الديانات والثقافات والأمم، وأن صراع الحضارات المنظر له بين الكتب وداخل المراكز والجامعات، يكاد ينفلت من سراديبه ليلج واقع الناس وهمومهم وحراكهم، ويقع المحظور وتحل الطامة الكبرى حيث تكون نهاية التاريخ.
إن خطورة ما يحدث منذ سنوات إذا لم تستوعبه النخبة عندنا من مفكرين وفقهاء، والعامة من أسر وأفراد، وألزموا أنفسهم بالوقوف الصارم في وجه هذا الزيغ وهذا الانحراف فإن ما وقع في القرون الغابرة من طرد جماعي لمسلمي الأندلس في أيام حمراء، يمكن أن يعاد من شعوب أصبحت تعيش على الخوف والموت وهي داخل أوطانها من قبل من فتحت لهم أبوابها يوما ليعيشوا بينها بسلام.


*رئيس اللقاء الإصلاحي الديمقراطي (تونس)
[email protected]