انجلى غبار معركة الدستور المارثونية، واتضح الهدف الرئيسي لهذه المعركة التي مرت بجدال سفسطائي ومناورات كلامية عديدة، والمتجسد في الفيدرالية، تلك المعركة التي أخفت خلفها نوايا حقيقية،وأهداف مظللة، وأقنعة تسترت بعبارات رنانة ومنمقة لتخفي غرضها الرئيسي.
نعم اتضح ان المعركة الحقيقية،حول تلك الدجاجة (فيدرالية الجنوب)، التي لطالما انتجت ذهبا اسود،والتي كان جل ريعها يذهب لتكوين جمهورية الخوف بمؤسساتها الطائفية والعنصرية.
نعم ان نقطة الخلاف الرئيسية التي ظلت وحيدة في ارض الحرام هي الفيدرالية، فكل النقاط يمكن التنازل عنها مقابل حصة من غنائم تلك الدجاجة التي تبيض ذهبا اسود، حتى ولو كانت ذات قيمة سياسية وايدلوجية أومصيرية.
فالمتابع لتصريحات القوى التي اعدت ورقة مسودة الدستور، يتضح له ان غالبية الفقرات الرئيسية المختلفة عليها، يمكن أن تتحول من خطوط حمراء الى شرائط برتقالية،تزَين ادائهم السياسي في حراكهم الدستوري، فغالبية النقاط الحساسة والخلافية ممكن تجاوزها والتنازل عنها مادامت انها لا تغني ولا تسمن من جوع، الا فيدرالية الجنوب فهي الوحيدة التي يسيل اللعاب عيها وترخص الانفس لها.
فمثلا فقرة علاقة الدين بالدولة،واعتبار الاسلام مصدر اساسي او الوحيد او احد مصادر التشريع،حدث فيها نقاشات كلامية لم يتم حسمها الابعد ان حدد مقدار الغنيمة من الدجاجة التي تبيض ذهبا اسود لكل طرف من الاطراف الرئيسية، وحتى الذين لازال نقاشهم الدلياكتيكي مستمر حول مسودة الدستور كان ممكن ان ينتهي لو تم تحديد لهم حصة من تلك الفيدرالية التي تببض ذهبا، فمعظم القوى الفكرية سواء الدينية منها او العلمانية تعلم بشكل جيد، ان قيمة تثيبت تلك العبارات المتعلقة بثوابت الاسلام والديمقراطية، اصبح محدود بل شبه ملغي في زمن الانفتاح الثقافي والمعلوماتي والحضاري، فالفكر الذي خلفه كل هذا الانفتاح الثقافي والحضاري، واصحابه يخشون من تأثير فقرة مدونة هنا او هناك، فهؤلاء يحكمون على انفسهم بالهزيمة حين يصرون على جدلهم الدلياكتيكي.وهكذا للفكر الاخر،هم يعلمون بشكل جيدايضا ان الدول التي اطرت دساتيرها بتلك العبارات، لم تستطيع ان تقف امام تأثير الانفتاح الحضاري والثقافي على شعوبها رغم اعتبارها الاسلام مصدر وحيد،لتشريع القوانين،في تنظيم امور مجتمعاتها.
أما الجدل الساخر حول هوية العراق وعن ضرورة ذكر انتسابه للجامعة العربية، تلك المنظومة العربية التي صنفتها منظمات التنمية العالمية بالمراتب السفلى، هذا الانتساب الذي سيمنح الشعب العراقي العصا السحرية ويجعله في مصاف الدول الصناعية الكبرى وليس هابط في النمو الاقتصادي، هذا الانتساب الذي سينقل العراق من العالم السفلي لدول الجنوب الى العالم العلوي لدول الشمال.
هذا الانتساب الذي أستهزء القذافي منه وأفتخر بانضمامه للدول الافريقية رغم فقر البعض منها،والعجيب أنه رغم استهزاءه العلني امام زعماء غالبية الدول العربية الا أنه لم يثير غضب عمرو موسى ويطلب توضيح من زعيمه المدلل،بينما حين يحدد حكماء العراق الوضع الطبيعي للمجتمع العراقي، ترتعد فرائس امين الجامعة العربية صاحب التقرير العنصري الشهير الذي حذر فيه بزوال النظام العنصري وخطورة قيام نظام عراقي ديمقراطي اتحادي.
الغريب أنه حينما ينادون المصريين (مصر أولا) لا نجد من يتحفظ على من هذا النداء سواء من عمرو موسى أوغيره ؛ وحين ينادي الاردني (الاردن أولا) فلانجد من يتحدث عن هذا النداء، انه الغاء للدور القومي والانكفاء نحو الحالة القطرية، ولهذا تيقن المدافعين عن تلك الهوية الساحرة،أن هذه الورقة التكتيكية البالية، يمكن المقايضة بها في اللحظة المناسبة، لو تم التخلي فعلا عن الدجاجة التي تبيض ذهبا اسود.
اما التغاضي والاصرار على عدم ذكرفقرة جرائم البعث الفاشي وعمليات الاستئصال الارهابية التكفيرية، رغم كل تلك الويلات التي جلبها على الشعب العراقي لعهود طويلة،فتلك جريمة افضع وابشع مما أرتكبه الكيان العنصري البائد وعصابات التكفير، فكيف يمكن لعراقي يرغب أن يبني عقدا اجتماعيا مع اقرانه، وهو يضع يده بيد الارهابيين والمجرمين البعثيين، واليد الاخرىالتي يحاول ان يمزق بها اي شراكة لبناء عقد اجتماعي لعراق جديد، وذلك بأصراره على الحنين للماضي التعيس، الذي عان منه الجميع بدون استثناء، ولهذا كانت محاولة ذكية من خصوم الفيدرالية،باستخدامهم تلك الورقة الاجرامية، وجعلها عصا تأديبية للاخرين، للتخلي عن الدجاجة التي تبيض ذهبا اسود.
لم يبق في ساحة الوغى الدستورية غير تلك الفيدرالية وما يتعلق بها من تقسيم الثروات، نعم انها الغنيمة الكبرى والخط الاحمر الذي لايمكن تجاوزه، فخصومها يعتبرونها، القشة التي تقصم ظهر العراق، وتشتت بركة الدجاجة التي تبيض ذهبا اسود، فبعد ان كانت تلك الغنيمة، تستثمر لبناء جمهورية الخوف ومؤسساتها الامنية، ويعزل 5% من حصة الذهب الاسود لحزب البعث، حتى يمكنه من تحقيق حلم العروبة الخالدة حتى ولو على حساب اهل تلك الدجاجة وجعلهم يعيشون باكواخ بالية ضمن دائرتهم السوداء، اما الدائرة البيضاء، لعراق زعيم العروبة الخالدة، وعبد الله الصالح، ورئيس الحملة الايمانية الخالدة، فهي البقعة المباركة،التي من حقها التمتع من خيرات الذهب، للدائرة السوداء، في عراق البعث والزعيم الاوحد.
والغريب أنه حين يقسم العراق بتلك الدوائر الملعونة( السوداء والبيضاء )في زمن جمهورية الخوف فهي لا تعتبر دوائر تقسيمية وخطيرة، في عرف خصوم الفيدرالية، اما حين تثبت الفيدرالية حتى ولو لفظيا كحق طبيعي لكل العراقيين دون استثناء، فان قيامة العراق ستقوم، وتصبح وحدة العراق مهددة، وكأن وحدة العراق مرهونة بالفاظ وليس بالاعمال.
أن الذي يهدد وحدة العراق هو ذلك السلوك الارهابي الذي يقتل ابناء العراق الابرياء، ببهائمه الانتحارية،وتلك المجموعات التي سخرت له امكانات جمهورية الخوف في سبيل القضاء علىابناء العراق.
أن الذي يهدد وحدة العراق هو من يوفر الامكانات للمجرمين الطائفيين، حتى يمكنهم من قتل ابناء العراق علىالهوية وتدمير دور عباداتهم وحسينياتهم وكنائسهم.
أن الذي يهدد وحدة العراق هو هذا السلوك الطائفي الذي يقوم بعمليات التهجير العنصرية في تلعفر وبعض مناطق بغداد والمناطق الاخرى.
أن وحدة العراق هي ليست شعار ولقلقة لسان يخدع بها الاخرين، وأنما هي سلوك واداء سياسي يعبر عن حالة من المصداقية للمنادي بها، فلايمكن لشخص ان ينادي بوحدة العراق وهو يكيل بمكيالين.
أن وحدة العراق مرهونة بأمنه واستقراره ورفاهية اهله،وهذا لا يتم الا بالاستفادة من سد ثغرات الماضي القريب والبعيد، وتجارب الشعوب للخلاص من الفاشية والاستبداد والارهاب، وجعل حلول ناجعة لعدم تكرارها لكي لاتعود الماسي والويلات على الشعب العراقي المظلوم.
الفيدرالية هي الضمان الحقيقي لعدم عودة الفاشية والاستبداد العنصري والطائفي.
الفيدرالية هي الضمان الوحيد لعدم احتكار خيرات العراق لفئة وطائفة محددةوجعلها ملك لكل الشعب العراقي.
الفيدرالية هي الحافز الحقيقي لخلق حالة تنافسية بين اقاليم دولتنا الاتحادية الفتية وذلك في أنبثاق روح حضارية جديدة لعراقنا العظيم.
صلاح التكمه جي
[email protected] ; [email protected]




التعليقات