من محاسن الأمور أن يكون الإنسان قادرا على الاعتراف بالخطأ، ولا شك ان من يتخذ هذه الخطوة يزداد حكمة وتقديرا امام نفسه وأمام الآخرين، ضمن هذا الأطار يأتي اعتراف الرئيس الأمريكي بتحمل مسؤولية أخطاء الحرب على العراق شخصيا، بادرة شجاعة بكل معاني الكلمة، اعتراف جاء كخطوة مقتدرة يحسب لها بالاحترام والتقدير من قبل شعبه ومن قبل حكومته وأصدقائه وأعدائه، وهذا الاعتراف في كل الأحوال يكون دافعا قويا للمراجعة والتغيير وإعادة الحسابات للخروج بنتائج أفضل وأكثر ايجابية تسجل فيها أقل نسبة من الأخطاء، انطلاقا من هذا الأمر يتبين إن مبادرة التغيير التي تأتي من الاعتراف بالخطأ ومن بوادر فيها مصداقية لكشف الحقائق لبيان الأمر على من يهمه ومن يعنيه، تحمل في طياتها ايجابيات كثيرة تعمل على توفر مقومات أساسية لخدمة كل الأطراف المعنية بالأمر، ونأمل أن تنتهج هذا السبيل الصادق من قبل القيادات السياسية الكوردستانية والعراقية لاعادة النظر في الامور والمشاكل والأزمات الخانقة التي تحيط بالمواطن لمعالجتها وايجاد الحلول اللازمة لها.


استنادا الى هذه الحقيقة، من خلال عدد من المقالات، في لأيام الماضية ذهبنا الى كشف بعض الحقائق المؤسفة والأمور المؤلمة عن حالات الأزمات الخانقة التي يعيشها الشعب في اقليم كوردستان، وتطرقنا من خلال تلك المقالات الى مظاهر الدمار الذي ينخر بأجسام الكورد بفضل أعمال الفساد والسلوكيات الأنانية للزعماء والقادة والمسؤولين في السلطة على مستوى الحكومة والحزب والبرلمان والجيش لنهب خيرات الكورد من مال عام مخصص من الميزانية الفيدرالية والمساعدات والمنح الدولية ومن موارد داخلية، خيرات كثيرة وموارد هائلة بالمليارات لا تعرف أين تذهب ولا تعرف كيف تصرف، فكل ما نجده على الساحة ثراء فاحش تجاوز كل الحسابات والإمكانيات لطبقة حاكمة متسلطة خلقت لأفرادها عائلات إمبراطورية تملك مئات الملايين والمليارات من الدولارات المنهوبة من الشعب بفعل ممارسات فاسدة وأفعال مارقة لأربابها الذين خلقوا لأنفسهم مصالح وامتيازات خيالية لا يقدر أن يحلم بها أي أحد من الأغلبية الساحقة من الكورد الفقراء.


من خلال هذا المنظور، وعندما لجأنا من الباب التعبير عن المهام الإنسانية الصادقة لأي كاتب ومثقف حقيقي الى عرض الأمور بواقعية في تلك المقالات، تعرضنا الى مساءلات من القراء الأعزاء حول سبب اتخاذ هذا الموقف من قبلنا تجاه السلطة في اقليم كوردستان، وسبب التغيير وسر التحول الحاصل في مقالاتي من مدافع عن التجربة الكوردستانية برؤية عراقية ومن ناشط وداعي الى الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في كوردستان الى هذا التحول والموقف الجديد الذي طرأ في الكتابات السابقة برأي القراء والمهتمين والمتابعين الاعزاء، وللإجابة على هذه الأسئلة والاستفسارات التي وصلتني بالبريد الالكتروني والتعليقات التي وردت على المقالات المذكورة، أقول أن ما حصل لم يكن تغييرا في موقفي ولم يكن موقفا جديدا على قلمي لأن من يعرفني عن قرب لا يجد هذا الفرق في مواقفي، ولكن دفاعي وتحليلي المحايد والموضوعي عن التجربة الكوردية والنموذج العراقي الجديد ضمن إطار الإيمان بالمنهج الديمقراطي الذي جاء الى حيز الواقع بفضل التحرر من الطغيان الذي كان سائدا قبل التاسع من نيسان عام ألفين وثلاثة، والاهتمام بترتيب الوضع السياسي للبيت الكوردي وكذلك لترتيب البيت العراقي، والاهتمام بالمسائل الدستورية، والاهتمام بالمسائل الانتخابية، والدفاع عن كل هذه القضايا المهمة والحساسة لتحديد مصير العراق كدولة وكأمة وتحديد مصير الكيان الكوردستاني كإقليم ضمن العراق الاتحادي، جعلني أن أهتم بشكل جذري بكل هذه القضايا في مقالاتي وكتاباتي ومقابلاتي دون الاهتمام بالوضع المعيشي والحياتي للكوردستانيين والعراقيين، وأقر أني في هذا الأمر قد أخطأت لأن الأجدر كان بي أيضا التطرق الى تلك الأوضاع المأساوية الشاذة التي يعيشها الأغلبية الساحقة من أهل كوردستان والعراق وتسليط الأضواء عليها نتيجة فساد القيادات السياسية الحاكمة وانحطاط أرباب السلطة وغوصهم في دهاليز الفساد وإرهابه الذي خلق حالة طبقية قاتلة وجارحة في مجتمعاتنا، طبقة تتسم بالأقلية تملك كل مقدرات الشعب وتنهب كل ما فيها من موارد وأموال ونفوذ وامتيازات وإمكانيات، وطبقة تتسم بالأغلبية لا تملك أبسط المقومات الأولية لمعيشة فقيرة تقدر على توفير حياة تتسم بالبساطة للفقراء والمساكين من أبناء الشعب.


وبهذا الخصوص لابد أن اقر، بالرغم من دفاعي عن التجربة الكوردية والنموذج العراقي ككاتب كوردي عراقي مستقل مؤمن بالعراق الواحد الاتحادي من كورد وعرب وتركمان ومسيحيين كأمة واحدة مؤمنة بالتعايش المشترك والتعددية والديمقراطية والفيدرالية، ألا أني في كل الأحوال لم أكن مقربا لا من بعيد ولا من قريب من السلطة في اقليم كوردستان على جميع الأصعدة الحكومية والحزبية والنيابية، ولم أكن في أي يوم من الأيام مستفيدا أو منتفعا من السلطة الحاكمة من الحزبين الرئيسين الحزب الديمقراطي برئاسة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني برئاسة جلال طالباني، ولا اخفي وهذا قد يكون جديدا عليكم، أني بسبب مواقفي وارائي عن فساد الحكومة والحزبين والوضع العام في كوردستان العراق تعرضت الى مضايقات كثيرة على صعيد الوظيفة وعلى صعيد العمل وجوبهت بمحاربات لا حد لها، ولا انكر ان لارباب السلطة سياستة ماكرة في هذا المجال تتمثل بمحاربة أهل الكفاءة وإبعاد المستقلين وquot;قطع الارزاقquot; عن من لا يرغبون به بشكل غير مباشر، ولا شك إن انتهاج هذه السياسة الاضطهادية قد لعبت دورا كبيرا في تفشي الفساد أكثر فاكثر في القطاع الحكومي حتى وصل الى حد النخاع في السنوات الأخيرة، وحبل الفساد لا زال على الجرار، وأود أن أبين في حالة استمرار هذا الواقع على حاله ونتيجة للتأثيرات القاتلة لحالة الفساد في واقعنا ومجتمعنا فأن التجربة الكوردية تتعرض باستمرار الى انهيارات داخلية في البنية الوطنية والانسانية للمجتمع والكيان الكوردستاني، وباعتقادي في حالة استمرار هذه التحولات الهالكة على حالها فان الاقليم سيتعرض الى انهيار كامل خلال العقدين القادمين بسبب ارهاب فساد السلطة الحاكمة التي حطمت كل المقومات الاخلاقية التي كانت تتسم بها بنية الشخصية البسيطة للانسان والمجتمع الكوردي.


ونتيجة لشدة التأثيرات الحاصلة لحالة الفساد المتسمة بالخراب فأن المظاهر المدمرة التي أخذت طريقها بفعل هذه الحالة الى الواقع بفعل السلطة الحاكمة والتي ظهرت في المجتمعين الكوردستاني والعراقي بعد زوال حكم الطغيان، بدأت تشكل العامل الأكثر خطورة من الارهاب على كوردستان وعلى العراق، لأن الاخير لا بد ان ينتهي في يوم ما وهو في طريقه للزوال حتى وان اتخذت العملية سنين عديدة، ولكن مظاهر الفساد بدأت تترسخ وتتمدد وتتوسع وتتوغل الى البنية التحتية لكل شرائح وطبقات وقطاعات المجتمع الكوردستاني افرادا وجماعات، وبدأت تتوغل بعمق في مفاصل الحياة العامة خاصة المتعلقة منها بالمجالات الحكومية والحزبية.


ولا ينكر أن وقع تأثيرات هذا الفساد كما اشرنا اليه خلق طبقية رهيبة في حياة الكوردستانيين، طبقية قاتلة وصارخة، طبقة تعيش في بروج عالية تمثل اقلية صغيرة ولا تحمل اي بادرة او ايمان بمعاني العدالة الاجتماعية والمساواة والعدالة في توزيع الثروة فكل ثروة تعود للدولة ملك لهذه الطبقة الفاسدة وهي تحسبها ملك لها فتتصرف بها حيثما تشاء، وطبقة ساحقة فقيرة بدات تتسرخ فيها آهات الآلام والمعاناة والمأساة الكبيرة.


أجل لكل هذا، جعلت من القلم الذي اكتب به، واسطر به معاناة مئات الألوف من العوائل الكوردستانية، ليس بقلم عائد للسلطة، وليس بقلم مأجور ومرتزق يعمل لمسعود بارزاني ولا لجلال طالباني ولا لنيجيرفان بارزاني ولا لكوسرت رسول علي، ولا لأي حاكم او مسؤول يحكم حكوميا أو حزبيا او عسكريا في كوردستان العراق، ولكني جعلت منه قلما عائدا للأغلبية الساحقة الفقيرة التي تعيش بهمة لا حول ولا قوة لها، اغلبية لا تملك سكنا بسيطا ولا موردا للمعيشة ولا مدفاة ولا مبردة ولا محروقات لحماية اطفالهم من البرد في الشتاء القارص والحرارة في الصيف، أجل قلم للفقراء والمساكين والبؤساء الذين لا صوت لهم لسماع صرخاتهم وآلامهم التي تشق الجبال الكوردية ونقلها الى الراي العام، أجل قلم للفقير والأسير الكوردي الذي يرضخ تحت وطأة الحياة القاسية التي خلقتها الطغمة الفاسدة المتحكمة بالسلطة من خلال خلق أزمات خانقة لمقومات الحياة الاساسية كالمحروقات والوقود والكهرباء والعقارات والغلاء الفاحش في الاسواق للكورد لنهب جيوب المواطنين بالمئات والمليارات من الدولارات، بعد تمكنهم من نهب اموال الميزانية والمساعدات والمنح المخصصة للشعب الكوردستاني في وضح النهار جهارا ونهارا، دون وضع أية آلية للشفافية والمرافبة ولا حساب لأي مسؤول صغيرا كان او كبيرا.


أجل لكل هذا اكتب لاعبر عن هذه المعاناة للفقراء والمساكين من شعبي بمصداقية، أكتب لهؤلاء بقلم كوردي ولسان عربي، أكتب للرأي العام الكوردي والعراقي والانساني، اكتب هذه المعاناة واعبر عنها بالعربية لاني أدرك تمام الادراك لو كتبتها بالكوردية لما قرأها أي مسؤول كوردستاني ان كان كبيرا أو صغيرا، ولا اخفي ان بعض الصحف الكوردية مليئة بمثل هذه الكتابات من المقالات عن الفساد والاصلاح والعدالة المفقودة في المعيشة وغيرها ولكنها ليست مقروءة من المسؤولين، لهذا نكتب بالعربية في هذا الموقع النير لاننا نعرف انه يقرا من قبلهم.


أجل لهذه الاهداف الانسانية التي بدأت تتفرغ منها مجتمعاتنا الشرقية المحسوبة ضمن العالم الاسلامي شيئا فشيئا، حملت قلمي هذه المهمة المتواضعة، لان الاحوال المعيشية والحياتية في كوردستان قد بلغت حدا لا يطاق، وبلغ حال الفقير الكوردي حدا لا يمكن تحمله، وأملي ان تأتي مقالاتي بعمل خير ولو كان بحجم مثقال ذرة للفقراء من امتي، ولخدمة هذا الجانب أكثر اقول حان الوقت للاقلام التي تكتب للشعب بصدق ومصداقية ان ترفع أصواتها وتقول للظالم كفى جورا، كفى فسادا، حان الوقت للمراجعة واعادة النظر، أجل حان الوقت لاعادة حق الشعب واسترداد مقدراته وموارده الى العامة وتوفير حاجاتها المعيشية والحياتية الاساسية لكي يعيش الشعب بعموم أفراده في حياة لائقة لهم معززة بكرامة انسانية ومتسمة بمقومات الأخلاقية الكوردية والعراقية المعروفتين بالطيبة والشهامة.

د.جرجيس كوليزادة
[email protected]