صديقنا الماركسي النابه، عديد نصار، والذي أقدر فيه روح المثابرة بجانب النباهة، يكتب في السياسة بحبر الكراهية لأميركا التي ورثها من العهد الإمبريالي للولايات المتحدة. الكراهية تختلف اختلافاً جذرياً عن العداوة؛ الكراهية تأخذ المكروه وحدة واحدة بغض النظر عن مساوئه وحسناته، أما العداوة فإنها تأخذ العدو بأسباب العداء ليس أكثر. كنت نفسي من الذين يعادون أمريكا في طورها الإمبريالي عندما كانت تقف سداً منيعاً على طريق عبور الإشتراكية؛ وكان معياري لصحة الموقف السياسي هو معارضة التوجه الأميركي بزاوية 180 درجة. أما اليوم وبعد امتناع العبور الإشتراكي نهائياً في الأمد المنظور على الأقل وبعد أن لم تعد أمريكا تمثل سدّاً على طريق الإشتراكية، بل وبعد أن لم تعد إمبريالية بالمعنى الدقيق للكلمة، بعد كل ذلك لم يعد لدي مبرر لمعاداة أميركا كما سأوضح تالياً. أما الذين ذهب بهم العداء للولايات المتحدة خلال العهد الإمبريالي إلى حدود الكراهية، مثل صديقنا عديد، فإنهم اليوم عاجزون عن مقاربة السياسات الأميركية مقاربة علمية تستند إلى الحقائق على الأرض، وتراهم يبنون خطاباتهم بطينة الكراهية لأمريكا فيعيدون خطابات قديمة جرى عليها التقادم كما حال الأدوية القديمة.

صديقنا الماركسي النبيه كتب أمس يقول.. quot; أمريكا تحت حكم الطبقة الوسطى الصهيونية quot;!! ثمة أكثر من سؤال يثور حول هذه العبارة المفتقدة لكل المعايير العلمية والموضوعية ـ هل الصهيونية هي وسيلة إنتاج تأخذ بها طبقة إجتماعية عريضة تغطي أكثر من 80% من مساحة المجتمع الأميركي حتى يقال الطبقة الوسطى الصهيونية؟ أم هل الصهيونية شروط سياسية توفر مناخاً ملائماً لإنتاج الطبقة الوسطى؟ لئن كانت الإجابة على كلا السؤالين هي النفي فلماذا إذاً يدين حوالي 200 مليون أميركياً بالصهيونية؟ ـ لا أعتقد أن أخانا يمتلك إجابة على أي من هذه الأسئلة.

ثم يقول عن الأمريكان أنهم.. quot; جاءوا من أجل تبديد البلاد (العراق) quot;!!. ـ لنا هنا أن نتساءل.. هل كان العراق غير مبدد كي يجيء الأمريكان يبددونه مكلفين أمريكا مئات المليارات من الدولارات وآلاف الضحايا؟ ألم يكن العراق في غاية التبديد قبل مجيء الأمريكان؟ أربعة ملايين مواطن عراقي، 99% منهم غير سياسيين على الإطلاق، هاموا على وجوههم في أطراف الأرض دون سقف يؤويهم أو لقمة تسكت جوعهم. آلاف النسوة العراقيات كانت تزدحم بهن أرصفة الشوارع في مدينة عمان يتسولن أو يبعن سقط المتاع بعد أن ضاقت بهن بلادهن، بلاد الرافدين العائمة على بحر من النفط، علماً بأن نظام صدام كان (يبغشش) الأردن حوالي 300 مليون دولاراً سنوياً!! لماذا يبدد الأمريكان العراق بعد أن حمله الدكتاتور ديوناً دولية تصل إلى مئات المليارات من الدولارات ولا تكفي كل مداخيل النفط لخدمة الدين مدى الحياة. لماذا يبدد الأمريكان هكذا دولة ثم يبدأ قادة أميركا، بوش وبيكر، بالتطواف على العالم يستعطفونه مسامحة العراق بديونه؟! أي عراق بدده الأمريكان، أليس هو ذاك العراق الذي احتلت عاصمته دبابتان وقد جثمتا في أواسط العاصمة دون أن تواجههما طلقة واحدة؟

قال أخونا الماركسي النابه أن صدام حوّل الشعب العراقي إلى قطيع لكن الأمريكان..quot; شتتوا شمل القطيعquot;!! ـ هنا نذّكر فقط أن الحاكم العسكري الأميركي الأول بادر لدى وصوله العراق إلى تشكيل مجلس عراقي للحكم. لم يتدخل الأمريكان في تعيين أسماء أعضاء مجلس الحكم. كان أعضاء مجلس الحكم هم أنفسهم الذي حضروا مؤتمر لندن للمعارضة العراقية بل أحسب أن الحزب الشيوعي العراقي لم يحضر مؤتمر لندن فلم يسمّ ممثل للحزب في المجلس إلا بعد أن طالب الأكراد بذلك فكان أن سمّى الحاكم العسكري الأميركي الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي، حميد مجيد موسى، العضو الخامس والعشرين في مجلس الحكم. الذين تربوا على كراهية الولايات المتحدة الأميركية يزعمون بأن الأمريكان سمّوا زعماء الطوائف في مجلس الحكم بقصد إثارة الطائفية. لكن من حوّل الشعب العراقي إلى ملل وطوائف أليس هو النظام الدكتاتوري المتوحش فكان أن الذين اجتمعوا في مؤتمري لندن وصلاح الدين هم الذين قاوموا الدكتاتور وهم أنفسهم زعماء الطوائف؟!!

يدّعي صديقنا الماركسي النابه أن الأمريكان يريدون أن يبددوا بيروت مثلما كانوا قد بددوا يوغوسلافيا!! يقتفي صديقنا في هذا السياق أثر الرئيس سليم الحص، فعندما صرح السفير الأميركي في لبنان ، جيفري فلتمان، منادياً في حملة الإنتخابات العامة قبل سنتين.. quot; إرفعوا أيديكم عن لبنان quot; سارع الحص يومذاك بالاحتجاج مستنكراً.. quot; لماذا يتدخل السفير الأميركي في بلادنا؟ quot;!! لعل الصديق لم يتابع أخبار تحلل يوغوسلافيا باهتمام. الذين تدخلوا في شؤون يوغوسلافيا مستهدفين تفتيتها هم الأوروبيون ومنهم تحديداً الألمان أولاً وإنكلترا ثانياً وفرنسا ثالثاً. لم يقبل الأمريكان في البداية أن يزجوا بأنفسهم في صراع عسكري في يوغوسلافيا، إلا أن الأوروبيين لم يسكتوا فمارسوا نفوذهم في واشنطن وضغطوا على الرئيس كلنتون حتى تم لهم ما أرادوا وتدخل الأمريكان عسكرياً. كان للأمريكان ميل لتفتيت يوغوسلافيا لكن ليس بمقدار ما كان لدى دول غرب أوروبا حيث أن عقدة الصرب شكلت لها عبر التاريخ عائقاً لوصولها إلى قفقاسيا والشرق الأوسط.

أطرف ما في موضوع صديقنا الماركسي هو وصفه لأمريكا بالصهيونية مؤكداً في نفس الوقت أنه كتب كل ما كتب.. quot; ليس حقداً على أمريكا quot;!! لئن كان صادقاً في ما يقول، وأظنه صادقاً دائماً وأبداً، فأعتقد أنه كتب ما كتب كرهاً بأمريكا وليس حقداً عليها والفرق بين الحالتين دقيق ودقيق جداً. نعم ذهبت أمريكا الإمبريالية بعيداً في استخدام الحركة الصهيونية بين اليهود في تحقيق مصالحها وكانت حروب إسرائيل جميعها دون استثناء حروباً أمريكية كما أقرّ بذلك أرييل شارون في العام 82، وهو ما جعل العرب بمختلف مللهم ونحلهم يكرهون أمريكا كراهية شديدة، لكن هذا لا يبرر وصف أمريكا بالصهيونية مثلما لا يجوز وصف العقيد القذافي بالسيافي لأنه استخدام عصابة quot; أبو سيّاف quot; في الفلبين لتحقيق بعض أغراضه أو وصفه بالكاثوليكي، وهو يشتم المسيحية كلما تيسر الأمر، رغم استخدامه الجيش الجمهوري الكاثوليكي في إيرلندا في مفاوضة بريطانيا من موقع القوي. كان الأسلم لعديد أن يقول.. quot; إسرائيل الأمريكية quot; وليس quot; أمريكا الصهيونية quot;.

ويضلّ الماركسي الصديق أكثر فيتساءل.. quot; أليست هي (أميركا) التي ضربت الشعب الفيتنامي بطائرات ال ب 52 وقنابل النابالم الحارقة قبل رامبوييه وتفتك بالشعب العراقي بأحدث أنواع الأسلحة بعد قمة رامبوييه؟ quot;. لعلّي على جانب كبير من الثقة في أن عديد نفسه لا يؤمن بأن أمريكا قبل رامبوييه هي نفسها بعد رامبوييه، وله كتابات في هذا المعنى تحديداً، وإلا فعليه أن يفسر فشل إعلان رامبوييه في تغيير النظام الأمريكي فيما قبل 17 نوفمبر 1975 يوم صدور الإعلان. لا يا صديقي النابه، أميركا التي قصفت الشعب الفيتنامي بقنابل النابالم والسموم الكيماوية ليست هي أميركا التي احتلت العراق بعد ثلاثة عقود وسمحت للشعب العراقي أن يختار حكومته بالصورة الديموقراطية المثلى لأول مرة في تاريخه الطويل، والطويل جداً، إلا إذا كنت تعتقد أن صدام حسين هو في منزلة هوتشي منّه. ليست أميركا من يستأجر القاعديين لتفجير أنفسهم بين جماهير المدنيين العراقيين. ليست أميركا من دفع ثمن المركبات الأربع وفخختها لقتل الأزيديين بالجملة في سنجار. ليست أمريكا من لاحق الشيعة بالتفجيرات والاغتيالات إلى أن انقلب الشيعة لمثل نفس الإرهاب. أميركا هي التي تحاور وتضغط على الحكومتين الإيرانية والسورية من أجل أن تكفا عن تزويد عصابات القتلة بأدوات التدمير كي يتمكن العراقيون من بناء دولتهم كما يرتأوون ولتتمكن الجيوش الأميركية بالتالي من العودة إلى بلادها بسلام. أميركا تمدد بقاءها في العراق بطلب من الحكومة العراقية، التي يشكلها حزب متهم دائماً بالعمالة لنظام الملالي في إيران، وبقرار من مجلس الأمن أيضاً. ليس لدي أدنى شك في أن الرحيل المبكر للقوات الأميركية من العراق سيؤدي حتماً إلى تطهير مذهبي يغوص في بحر من الدماء حيث يقوم الشيعة وهم الأكثرية والسلطة بأيديهم بإبادة السنة عن بكرة أبيهم إن لم يتشيعوا، وسيرافق ذلك أو يسبقه تصفية جميع من انتسب يوماً لحزب البعث. أمريكا اليوم تمارس ضغطاً شديداً على الحكومة العراقية الحالية من أجل إعطاء السنة حصة أكبر في السلطة بل وتطلب مهاودة البعثيين؛ فكيف يزعم والحالة هذه بأن أميركا تعمل إلى تمزيق الشعب العراقي وإغراقه في الطائفية؟ أميركا اليوم هي القوة المؤثرة الوحيدة التي تحافظ على وحدة التراب العراقي وتحول دون تحقيق الانفصاليين الكورد والشيعة أغراضهم.

ويضلّ صديقنا أكثر فأكثر فيقول أن الأمريكان لو شاءوا لأقاموا الديموقراطية في العراق منذ اليوم الأول لسقوط النظام!! يقول هذا علماً بأنه يعلم تماماً أن الديموقراطية ليست وصفة طبية صالحة لكل الأمراض، بل هي عملية سياسية تاريخية تترافق مع تنمية إقتصادية ناجحة الأمر الذي ليس منه أثر في العراق بعد إحراقه من قبل عصابة صدام وتركه رماداً تعصف به رياح الصحراء. ورغم كل ذلك فقد ارتسمت في الأفق أولى خيوط ضوء الديموقراطية. فبعد أقل من عشرين ساعة بعد سقوط الصنم، في 10 نيسان نظم الشيوعيون مظاهرة كبيرة أمام فندق فلسطين رافعين صورة كبيرة لزعيمهم الأوحد عبد الكريم قاسم مطالبين برحيل القوات الأميركية. هل جرأ الشيوعيون على الخروج بمظاهرة طيّارة زمن صدام؟

يقول الكارهون للولايات المتحدة ما يشاءون من عبارات الكراهية لكن كل عباراتهم التي تنضح بالكراهية لم ولن تلامس الواقع وهم لذلك يقلبون الحقائق وأعنزهم تطير!! يفوت هؤلاء الكارهين أن البحث في العلاقات الدولية وفي العلوم السياسية لا يفسده شيء أكثر من التحريض السياسي خاصة ذلك التحريض المشوب بالكراهية وهو طينة خطاباتهم السياسية.

من المناسب جداً في مثل هذا المقام أن أذكر جملة الماركسيين الذين امتهنوا السياسة ففسدت ماركسيتهم، أذكرهم بما كتب لينين في كتابه القيّم quot; الإستعمار أعلى مراحل الرأسمالية quot; عن أفضال الامبريالية في تقدم المجتمعات المتخلفة كما كان حال المجتمعات العربية في مطلع القرن المنصرم، وهي كثيرة ليس أهمها اجتذاب قوى العمل على عرضها في تلك المجتمعات إلى الإنخراط في أساليب الإنتاج الحديثة واستبدال علاقات الإنتاج البدائية في الإقطاع بعلاقات بورجوازية سداتها قيمة العمل.

أميركا ومعها كل الدول الرأسمالية الكلاسيكية خرجت ومنذ سبعينيات القرن الماضي من طور الإمبريالية وفقدت بذلك كل فضائل الإمبريالية التي أشرنا إليها بصورة عابرة وانتقلت تبعاً لذلك لطور أسوأ بكثير من الطور الإمبريالي. كانت في طورها الإمبريالي تجهد وتجاهد للحيلولة دون عبور العالم برزخ الإشتراكية. وفي خضم هذه المعركة كان لأميركا الفضل الأول في بناء إقتصاد اليابان والنمور الأسيوية كما ألمانيا الغربية وإلى حد ما بريطانيا. أميركا في طورها ما بعد الإمبريالي انحطت إلى درك أسفل وغدت لصاً أو قاطع طريق يسرق العالم كل العالم وليس شعباً بعينه أو دولة بعينها فهي لم تأت إلى العراق لتسرق ثرواته
التي لا تشكل مطمعاً لها على غناها. تحارب أميركا اليوم حروباً معزولة ومطبوعة بالعدالة من أجل أن تؤكد ثقل دولاراتها بعبارة ldquo;IN GUN WE TRUSTrdquo; quot; نؤمن بالمدفعquot; بدلاً من ldquo;IN GOD WE TRUSTrdquo; quot; نؤمن بالله quot;. كارهو الولايات المتحدة يمتدحونها عندما يصفونها بالإمبريالية. حبذا لو بقيت إمبريالية! لو بقيت إمبريالية لما زالت إلى اليوم تحوّل جماهير الشعوب إلى بروليتاريا وبذلك تزيد من حفاري قبورها الإشتراكيين. إنها لم تعد إمبريالية ولم تعد مركزاً رأسمالياً بحاجة إلى أسواق جديدة لتصدير فائض الإنتاج لديها فتضطر إلى أن تغزو بعض البلدان لإلحاقها أسواقاً لها. إنها اليوم تعاني من شحّ في الإنتاج وتضطر إلى استيراد النقص من الصين.

الصورة التي أحملها في ذهني عن الولايات المتحدة الأميركية هي أكثر سوءاً من الصورة في ذهن ممتهني السياسة الذين ما زالوا يتحدثون عن الإمبريالية وعن التحرر الوطني والمشروع النهضوي القومي والذين يقتفي أثرهم للأسف الشديد صديقنا الماركسي النابه والمثابر عديد نصار. هم يعادون أميركا بزعم أن لديهم مشروعاً وطنياً قومياً جاهزاً لا يعيق بناءه إلا وقوف أميركا ضده!! هؤلاء ليسوا إلا كذبة!! أتحداهم أن يعلنوا ما الذي تمنعهم أمريكا من صنيعه! لن يقولوا إلا فلسطين، وفلسطين لا تخص مشروعهم الوطني وليست جزءاً منه في الحقيقة. فلسطين غدت المشجب الذي تعلق عليه البورجوازية الوضيعة في العالم العربي إفلاسها الفاضح بعد أن استعملتها طويلاً مادة للتجارة وتسببت بكل نكبات الشعب الفلسطيني.

قلت أن صورة الولايات المتحدة في ذهني أكثر إسوداداً من الصورة في أذهانهم إلا أنني وبكل صدق لا أعادي الولايات المتحدة الأميركية وذلك لأنني لا أملك مشروعاً إقتصادياً سياسياً حقيقياً وناجحاً أستبدل به النظام الدولي القائم اليوم، وهو نظام سرقة الطبقات العاملة في كل العالم ومبادلة إنتاجها من السلع بما يساوي أقل من عشر قيمتها من الخدمات. لأنني لا أملك مشروعاً يطيح بالطبقات الوسطى الحاكمة اليوم في كل العالم لتحل محلها طبقة البروليتاريا، لذلك حصراً فإنني لا أعادي الولايات المتحدة الأميركية. أن أعاديها يعني مباشرة أن أطيح بها؛ لكن أن أطيح بها دون أن أملك ما يحل محلها فهذا جريمة بحق البشرية جمعاء لا يجدر بأي إنسان إقترافها. ليأت ِلنا منظرو الوطنجية والقومجية بمشروع يعالج الأزمة الإجتماعية المستفحلة المتمثلة بافتراس منتجي السلع وهم العمال من قبل منتجي الخدمات وهم الطبقة الوسطى، ليأتوا لنا بمثل هذا المشروع لنشاركهم عندئذِ كراهية أميركا بما يزيد عن كراهيتهم. أما قبل ذلك فلن يرتفع صوتنا معادياً لأميركا لأن انهيار أميركا هو انهيار للعالم قبل أن يمتلك أسباب النجاة. وعلى الذين يبيعون شعوبهم سياسة فاسدة أن يفهموا ذلك بأهميته الحديّة.

www.geocities.com/fuadnimri01