كتبت في الصيف الماضي quot; الماركسيون الذين ألقوا براياتهم في الوحول quot; كاشفاً الإنحرافات الخطيرة لدى ثلة من قادة الفكر الماركسي في المنطقة العربية وأبرزهم الدكتور سمير أمين وهو أهم الدارسين للماركسية في العالم العربي بل وفي العالم أجمع حيث نجح في إضاءات على مناطق ظلت معتمة في العلم الماركسي لكنه مع ذلك، لربما بسبب استغراقه في الدراسة، لا يفطن لخروجه المتكرر خارج الدائرة الماركسية الأمر الذي يشكل خطورة فائقة على الحركة الشيوعية خاصة وأنها اليوم في جزر شديد، خطورة لعل الدكتور أمين لا يدركها. إن توجهه في تحشيد فرق شتى وخليط من البورجوازيات الوضيعة بقصد إقامة ما سماه quot; النظام البديل quot; (Alternative) والذي وصفه ب quot; مجتمع العدالة والديموقراطية quot; وتجاوز ذلك ليصفه بالنظام الإشتراكي بادعاء أن الطراز اللينيني في الثورة الإشتراكية لم يعد قائماً، كل ذلك يشكل إعاقة كبرى للعمل الشيوعي وتضليلاً للمتثقفين في الماركسية. ألا يرى الدكتور سمير أمين quot; الماركسي! quot; أنه يعارض منطلق ماركس الأولي القائل quot; يا عمال العالم اتحدوا quot; ليقول سمير أمين quot; يا شرائح البورجوازية الوضيعة اتحدوا! quot;. هل من الممكن أن يتشابه المجتمع الذي ستبنيه البورجوازية الوضيعة بذلك الذي ستبنيه البروليتاريا؟

اليوم تحاوره السيدة الماركسية المصرية المعروفة أمينة النقاش لتنقل لنا عنه جملة من الأفكار الجديدة المجافية لكل قوانين العلم الماركسي، والتي نشير إليها بالتالي..

(1) يقول الدكتور أمين أن النظرة التي كانت سائدة في الأحزاب الشيوعية قبل مؤتمر باندونغ (أبريل 1955) تقول بأن دور البورجوازية الوطنية قد إنتهى. لا أدري من أين أتى أمين بهذه الفكرة غير الحقيقية. ما نؤكده هو أن الأحزاب الشيوعية في الشرق العربي دعت لإقامة جبهات وطنية بالإشتراك مع البورجوازيات الوطنية من أجل التحرر وبناء الإستقلال قبل أن يدعى مؤتمر باندونغ إلى الإنعقاد. ما هو حي في الذاكرة حتى اليوم الجبهة الوطنية في إيران بقيادة محمد مصدق (1953) وكانت تضم حزب توده الشيوعي، والجبهة الوطنية في الأردن بقيادة عبد الرحمن شقير (1954) وكانت تضم الحزب الشيوعي. حزب البعث في سوريا والأردن رفض الإنضمام إلى جبهة وطنية تضم الشيوعيين لأنه كان يرى نفسه عدواً للشيوعية والشيوعيين!!
ثم أليس الوحدة العضوية غير القابلة للإنفصال بين ثورة التحرر الوطني والثورة الإشتراكية التي أشار إليها الدكتور أمين بقوة هي من المبادئ اللينينية الأساسية التي أرساها لينين في خطابه إلى مؤتمر قادة حركة التحرر الوطني في المشرق المنعقد في باكو 1920 وقال فيه.. quot; قال ماركس يا عمال العالم اتحدوا ونحن نقول يا عمال العالم ويا شعوبه المضطهدة إتحدوا quot;، وأكد لأولئك القادة أنهم لن ينجحوا في تحقيق شيء من طموحاتهم بدون التلاحم مع البلاشفة في ثورة أكتوبر الإشتراكية. كان ذلك مبدأ لينينياً راسخاً لم ينقضه أحد قبل خروشتشوف في المؤتمر العام الإستثنائي الحادي والعشرين في العام 1959.
لهذا وذاك فإن قول الدكتور سمير أمين بأن الأحزاب الشيوعية قبل مؤتمر باندونغ كانت ترى أن البورجوازية الوطنية قد انتهى دورها هو قول عار عن الصحة تماماً بل العكس هو الصحيح.

(2) يقول أمين أن النظام الناصري وأنظمة البعث في كل من سوريا والعراق وكذلك نظام بومدين في الجزائر لم تكن الديموقراطية على أجنداتها.
من المدهش حقاً ألا يميز أمين بين النظام الناصري والأنظمة الأخرى في العراق وفي سوريا وكذلك في الجزائر باعتبارها في موقف واحد رافض للديموقراطية. الأمانة اللازمة للماركسية ترفض مثل هذا الأسلوب، أسلوب البيع بالجملة. من المبادئ الأساسية في علم السياسة هو أن الديموقراطية بمفهومها الليبرالي لا تحتل حيزاً سياسياً إبّان الأنشطة الثورية. تجاهل المصالح الطبقية المتعارضة هو أمر واجب أثناء استعار الثورة ضد العدو الخارجي. منذ أن كان ناصر الرجل الأول في مصر (1954) لم تتوقف ثورته ضد الإمبريالية المحيطة يوماً واحداً؛ وفي مثل تلك الحركة الثورية الدائمة لن تلعب الديموقراطية الليبرالية الواسعة إلا دوراً سلبياً. قاد ناصر جبهة عالمية ضد الإمبريالية الدولية وما مطالبته بالديموقراطية في تلك الأثناء غير خلخلة بحد أو بآخر للجبهة التي تسند الثورة التحررية. أما نظام البعث في سوريا 1963 ـ 1966 وفي العراق 1963 ـ 2003 فإنما هو نظام عصابة فاشية مغتصبة للسلطة بخلاف نظام البعث التقدمي في سوريا 1966 ـ 1970 الذي لم يمنع الحريات إلا على أعداء التحرر والتقدم الإجتماعي. وبالنسبة لنظام بومدين في الجزائر (1964) وحافظ الأسد في سوريا (1970) فهما نظامان رتبتهما المخابرات (الكي جي بي) السوفياتية من أجل وقف المد الثوري في كلا البلدين عن طريق كم الأفواه وقمع الحريات بالحديد والنار وهو ما تم فعلاً.

(3) يقول أمين أنه في العام 1963 تنبأ بأن مصر ستعود إلى حظيرة الإمبريالية نتيجة لإدارة ناصر الإقصائية. وهو يفاخر بهذه النبوءة إذ عادت مصر بقيادة أنور السادات إلى حظيرة الإمبريالية.
الأمر ليس على النحو الذي طرحه أمين. في العام 1963 كنت تنبأت بأن الإتحاد السوفياتي سينهار في العام 1990 نتيجة للردة الخروشتشوفية واستفحالها المتوقع في عهود خلفائه. لكن أمين لم يقل بذلك ولذلك فإن نبوءته لم تستند إلى معطيات ذات صلة. في مايو 1971 قام أنور السادات بتصفية القوى اليسارية في الإتحاد الإشتراكي وهو ما سماه السادات (مراكز القوى). لكن السادات لم يقرر تبعاً لذلك فك الروابط مع الإتحاد السوفياتي. في خريف 1971 طلب أنور السادات من ضيفه نيقولاي بودغورني، رئيس مجلس السوفييت الأعلى، طلب منه أثناء زيارته لمصر أن يقوم الإتحاد السوفياتي بفتح قناة السويس وهي الشريان الحيوي لمصر، لكن بودغورني اعتذر لأن الإتحاد السوفياتي ليس قادراً على القيام بذلك. عندها استشاط السادات غضباً وأصدر أمراً بترحيل الخبراء العسكريين السوفييت. وفي حرب ال 73 أثبت الإتحاد السوفياتي عجزاً فاضحاً في دعم كل من مصر وسوريا عندما مالت كفة الحرب لصالح إسرائيل خاصة وأن معركة الدبابات الكبرى فيما بعد الشريط الشرقي لقناة السويس والتي انهزمت فيها القوات المصرية شر هزيمة كانت بأمر من القيادة السوفياتية بغرض حماية سوريا ولم تكن مقررة في الخطة المصرية. إذّاك فقط تحقق أنور السادات من تآكل قوى الثورة في الإتحاد السوفياتي وقفز إلى الحضن الأميركي أثناء محادثات مؤتمر جنيف 1974. ما كانت نبوءة سمير أمين لتتحقق بغير تدهور الحالة في الإتحاد السوفياتي وهو ما لم ينبأ به أمين. ثم الانزياح الكلي نحو اليمين الذي قام به عبد الناصر بعد الإنهيار العسكري في حزيران 67 لم يكن إلا بسبب تخاذل الإتحاد السوفياتي المعيب في دعم الثورة العربية في وجه المؤامرة الإمبريالية الكبرى بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل، بل هناك من يتهم القيادة السوفياتية بالتواطؤ مع الولايات المتحدة لضرب الثورة العربية في الصميم خاصة وأن تلك القيادة كانت قد تكفلت بأمن مصر قبل ساعات من بدء العدوان دون أن تقوم بأدنى حدود الكفالة.
وما يتوجب الإشارة إليه من جهة أخرى هو أن أنور السادات قفز إلى أحضان الإمبريالية الأميركية في الوقت الذي كانت الإمبريالية الدولية تعاني سكرات الموت وتم نعيها في إعلان رامبوييه 1975. الدول الرأسمالية الإمبريالية سابقاً لم تعد هي نفسها فنظام الإنتاج الرأسمالي إنهار وتوفى التاريخ الإمبريالية في السبعينيات. نمط الإنتاج السائد اليوم في كافة الدول الرأسمالية سابقاً هو نمط الإنتاج الفردي غير الرأسمالي في جميع الأحوال فما بالك بالإمبريالي؟

(4) يقول أمين ليس هناك ثورة ( ثورة يوليو 52) لتكون ثورة مضادة!!
لكنه يوافق على أن هناك إدارة مختلفة للإقتصاد بعد يوليو 52 والإدارة الجديدة اتجهت لتلبية احتياجات الطبقات الشعبية. إدارة الإقتصاد السابقة ليوليو 52 كانت تعمل لصالح الرأسماليين وبقايا الإقطاعيين. إذا لم يكن هذا ثورة فما الثورة إذاً؟! لا تتغير إدارة الإقتصاد بمثل هذا التغيير سوى عبر الثورة. وأهم ما في الثورة هو تغيير إدارة الإقتصاد وتوجيهه وجهة أخرى مختلفة. وإذا لم تكن سياسات أنور السادات بالانفتاح الإقتصادي وفتح أبواب السوق المصرية على مصاريعها أمام البضائع ورؤوس الأموال الأجنبية ثم بيع مؤسسات القطاع العام للقطاع الخاص بل نهبها من قبل رجال النظام الجديد فما عساها تكون الثورة المضادة؟!

(5) يقول الدكتور أمين أن التجارب الإشتراكية انهارت بسبب غياب الديموقراطية ويؤكد أن quot; الديموقراطية هي توفير الحرية للطبقات لتجهز نفسها للصراع الطبقي quot;. لكن لماذا على الحكومات الإشتراكية أن توفر الحرية للطبقات الأخرى غير الطبقة البروليتارية لتجهز نفسها لمصارعة الطبقة العاملة؟ هل تفشل الإشتراكية بسبب غياب هكذا ديموقراطية؟ جوابي هو العكس تماماً. تنهار الإشتراكية بسبب توفير الحرية للطبقات المعادية لطبقة البروليتاريا. لو جرى تفتيت مجمع الصناعات العسكرية قبل رحيل ستالين لما انهار المشروع اللينيني في الثورة الإشتراكية. ولنا أن نلاحظ هنا أن صيحة الديموقراطية في الإتحاد السوفياتي بدأت بزعيق التحريفي نيكيتا خروشتشوف في المؤتمر العام العشرين للحزب 1956 ومنذ ذلك اليوم بدأت الثورة الإشتراكية بالتقهقر وليس أدل على زيف تلك الصيحة الكاذبة من الإنقلاب العسكري الذي قام به quot; الديموقراطي quot; الجديد خروشتشوف وأدى إلى طرد كل البلاشفة (6) من المكتب السياسي للحزب، وكان ذلك بسبب قيام المكتب السياسي بسحب ثقته من خروشتشوف الأمر الذي رتب عليه الانزياح من الأمانة العامة للحزب ومن رئاسة الوزراء تبعاً للتقاليد الديموقراطية السائدة في الحزب حتى ذلك التاريخ، وكما كان قد انزاح جيورجي مالنكوف في العام 1954 من الأمانة العامة ومن رئاسة الوزراء.
لدى الدكتور أمين مفهوم عن الإشتراكية غريب تماماً على الإشتراكية العلمية لماركس. فماركس رأى أن الإشتراكية إنما هي البرزخ التي تعبر منه الأمة بقيادة دولة دكتاتورية البروليتاريا حصراً من النظام الرأسمالي إلى الشيوعية حيث يجري خلال العبور محو كافة طبقات المجتمع. ليس ثمة في الإشتراكية علاقات إنتاج متينة وثابتة ليستقر عليها المجتمع لمرحلة تاريخية مهما كانت قصيرة. تلغَى علاقات الإنتاج دون بناء علاقات أخرى بديلة. لو وافق ستالين على إلغاء طبقة الفلاحين الكولخوزيين في الإتحاد السوفياتي كما كان مطروحاً في قيادة الحزب عام 1950 لما استطاع خروشتشوف، على الأرجح، أن يدفع بالتجربة السوفياتية إلى الإنهيار.
أما القول بأن توحد الحركات المطلبية سيقود إلى الإشتراكية فهو يؤشر مباشرة إلى أن الدكتور سمير أمين، وهو الدارس الكبير للماركسية، قد تنازل كليّاً عن الماركسية رغم إعلانه عكس ذلك حتى لا نقول أنه لا يفهم شيئاً من الماركسية العلمية. شذاذ الآفاق من معارضي العولمة وجماعات الخضر من أنصار البيئة ومنظمات حقوق الإنسان وأمثالهم من مختلف أطياف البورجوازية الوضيعة ليسوا مؤهلين لتأسيس أية اشتراكية خلافاً لاشتراكية حافظ الأسد وصدام حسين!! أمثال هؤلاء لا يمحون سوى الطبقة العاملة مثلما محاها صدام حسين وإفقار الشعب كما أفقر الشعبان السوري والعراقي.

(6) وأخيراً يقول الدكتور أمين أن الطبقة الحاكمة في الصين ما تزال هي نفسها. هناك حزب شيوعي تهيمن عليه الدولة وينحرف إلى اليمين لكن الصين ما زالت صامدة.
هكذا أقوال يجب ألا تصدر عمن يعتبر الدارس الأول للماركسية في العالم العربي. إنها تعبيرات ميتة لا روح فيها. فالقول أن الطبقة الحاكمة في الصين ما تزال هي نفسها لا يحدد جنس الطبقة الحاكمة أهي طبقة العمال أم غيرها. والقول بأن الدولة تسيطر على الحزب فإن ذلك يعني أن الدولة تنتمي إلى طبقة أخرى غير طبقة الحزب ومثل هذا التضارب الفاضح يجب ألا يأتي من جانب أي ماركسي مبتدئ. وإذا كان الحزب هو حزب شيوعي يقود الطبقة العاملة ويعبر عن مصالحها فلا يجوز إذّاك القول بأنه ينحرف إلى اليمين؛ فعلامَ ينحرف حزب البروليتاريا إلى اليمين؟ ثم القول بأن الصين ما زالت صامدة يثير مباشرة التساؤل حول الجهة التي تصمد الصين بوجهها؟ علامَ يجري الصراع الطبقي في المجتمع الصيني، وأي جهة طبقية تصارع لاستلام السلطة من الطبقة الحاكمة؟

مع انهيار المشروع اللينيني والمعسكر الإشتراكي بالتالي انهار بذات الوقت البنيان النظري الماركسي لدى الشيوعي المناضل الدكتور سمير أمين. صحيح أن أسفنا لانهيار البنيان النظري لدى سمير أمين ليس بمستوى أسفنا وأسانا لانهيار المشروع اللينيني والمعسكر الإشتراكي إلا أنه مع ذلك فقدان الفكر الطليعي الماركسي لشخص من قامة الدكتور سمير أمين هو خسارة لا تعوض للقوى التقدمية في العالم العربي بل ولكل من يقرؤه باللغات الإنجليزية والفرنسية بالإضافة للعربية في العالم كله.

فـؤاد النمري
www.geocities.com/fuadnimri01