مع بدء العد التنازلي لأنسحاب القوات الأميركية المقاتلة من العراق خلال هذا العام والعام المقبل ومع اقتراب موعد الأستحقاق الانتخابي الحاسم نهاية العام الحالي ومطلع العام المقبل بانتخاب برلمان عراقي جديد وتشكيل حكومة جديدة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، مع اقتراب كل هذه الأستحقاقات بدأ سباق ماراثوني بين الفرقاء السياسيين العراقيين و حيث كل فريق يريد الوصول الى خط النهاية والظفر بالكنز : السلطة والدولة الثرية ومناصبها وكراسيها المغرية.

واذا علمنا ان الأطراف المشاركة في العملية السياسية في الوقت الحاضر مصممة على الأحتفاظ بمكاسبها ومواقعها من خلال اقامة العديد من التحالفات مما يتوقع ان تتغير قريبا خريطة التحالفات الطائفية الطابع التي سادت المشهد العراقي الى تحالفات مصالح ومراكز قوى لكنها لن تبتعد بالكامل عما هو طائفي..

في هذا الوقت يدخل على الخط وتستعد للماراثون اطراف اخرى ظلت الى وقت قريب مقاطعة للعملية السياسية بالكامل وترفض أي شكل من الحوار مع الأميركان، ومن هذه الأطراف الجهات التي تقود العمل المسلح في العراق ضد الحكومة العراقية وضد شرطتها وجيشها وضد الأميركان وقد كبدت الطرفين خسائر لايستهان بها في الأرواح لاسيما من بين العراقيين من افرد الشرطة والجيش الذين كان الكثير منهم ضحايا، اذ تطوعوا في صفوف الجيش والشرطة للحصول على مورد رزق شريف في بلد يعج بالبطالة لكن آلة المسلحين الحربية طالتهم واثكلت عائلاتهم وهم اليوم بعشرات الألوف..

وخلال هذا عاد الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين في العراق الى الواجهة مؤخرا بعد الأعلان عن مبايعة 13 جماعة مسلحة للضاري ناطقا باسمها او زعيما لها، حيث ان الضاري يرأس قبل ذلك هيئة علماء المسلمين السنة والتي يديرها هو وابنه ورهط من اقربائه والتي تغلب عليها الفتاوى الوهابية بسبب الخلفية الدينية للضاري المتأثر بشدة بالوهابية وحيث يتذكره من كان يعرفه قبل سقوط النظام السابق انه كان من انشط الدعاة للفكر الوهابي.

اذا عاد الضاري الى الواجهة وفورا اعلن عن النية لتشكيل الحكومة الأنتقالية المقبلة حال انسحاب الأميركان من العراق..

وقد اعلنت العديد من الجهات المسلحة انها اسندت هذه الزعامة للضاري لعدة اسباب يمكن اجمالها بمايلي :

اولا :تسعى هذه الجماعات المسلحة من خلال اختيار الضاري إلى الاستفادة من علاقاته مع المحيط العربي والإقليمي.
-ثانيا سعي هذه المجاميع من خلال اختيار الضاري إلى محاولة إلقاء الكرة في ملعب الإدارة الأميركية وبعض القوى المحلية التي كانت طالما تتحدث عن مجهولية الشخصيات الممثلة لهذه المجموعات، وبالتالي فإن على تلك الجهات إن رغبت بفتح حوار مع هؤلاء المسلحين في العراق أن تتجه إلى محاورة الشيخ الضاري إن هي أرادت ذلك.

- ثالثا : بسبب رسوخ العقلية العشائرية والقبلية في المجتمع العراقي فقد لجأت الجماعات المسلحة الى تكليف الضاري باعتباره من شيوخ او وجهاء منطقة زوبع وله العلاقات اجتماعية قبلية في المناطق المحيطة ببغداد.


رابعا - تحاول الجماعات المسلحة وهيئة العلماء التي يديرها الضاري أن تفتح نافذة من أجل تسهيل عملية الخروج الأميركي من العراق، بدعوى ان تلك الجماعات لم ترفع السلاح من أجل تلك الغاية وإنما من أجل دفع الاحتلال الأميركي للخروج من البلاد، وبعد نحو ست سنوات من الصراعات الدامية والخسائر الأميركية الهائلة التي تكبدتها القوات الأميركية والعراقية، فإنها تدرك جيدا أنه يتوجب عليها أن تفتح نافذة واسعة لخروج هذا الاحتلال، فكان اختيار الضاري في هذا التوقيت له مدلول واضح على جدية الجماعات المسلحة في إلقاء السلاح عقب خروج الاحتلال الأميركي وتسلم السلطة من قبل تلك الجماعات المسلحة وتحت زعامة الضاري.

هذه هي مسوغات المسلحين في اختيارهم للضاري.

ولعل هنالك بموازاة ذلك نقاطا عدة لابد من مناقشتها وتساؤلات لابد من طرحها من خلال هذه الطروحات :


اولا : ان الضاري كان ومايزال مطلوبا على ذمة قضايا جنائية في العراق وهو السبب الرئيس لهروبه واقامته في الخارج وتفريطه بمقرات هيئته ومبانيها الفخمة وتفريطه بدار الأذاعة والتلفزيون التي يملكها في بغداد وكلها صودرت للدولة ومنحت لجهات سنية اخرى ولدرجة عدم قدرته على القدوم للعراق لمواراة زوجته التي توفيت مؤخرا وعدم حضوره مراسم تشييعها ودفنها خوفا من القاء القبض عليه.


ثانيا : ان الكثير من العراقيين يحملون مايعرف بكتائب ثورة العشرين مسؤولية العديد من جرائم القتل والتهجير والأختطاف والأغتصاب في مناطق ابو غريب والنصر والسلام وخان ضاري والحصوة والغزالية وديالى وغيرها علما ان كتائب ثورة العشرين هي تنظيم مسلح يضم بقايا البعث والوهابية ونشأ في مناطق عرب زوبع في ابو غريب اسسه الضاري وابناءه وابناء عمومته في خان ضاري وكان هدفه الأول عند انشاءه ابان الحكومة العراقية الأولى هو ايقاف عجلة الدولة في تشكيل الجيش والشرطة وكانت تصريحات هذه الكتائب ان الجيش والشرطة هما السلم الذي تصعد عليه الحكومة فيجب تحطيم هذا السلم.


ثالثا : بالرغم من الهالة الأعلامية التي احيط بها الضاري ومن صنع قناة الجزيرة التي اطلقته ولمعت صورته عبر فضائيتها وصار ضيفا دائميا عليها يعلن مايشاء ويهاجم من يشاء ويمتدح من يشاء دون قيد او شرط الا ان العراقيين يتذكرون ايضا واقعة اليمة لاتنسى وهي مهاجمة كتائب الضاري في عرب زوبع لموكب تشييع الأعلامية الشهيدة اطوار بهجت التي قتلتها كتائب العشرين ايضا، وشاهد العالم عبر نقل حي ماكان ينقله المراسل (ضياء الناصري) مراسل العربية مباشرة من هجوم بكافة انواع الأسلحة على موكب التشييع في وقتها.


رابعا : ان هنالك اسئلة وعلامات استفهام حول الشيخ الضاري طرحتها عدة صحف امريكية مؤخرا ومنها مانشرته الواشنطن بوست الأسبوع الماضي، حيث ان السؤال يتلخص بأن اذا افترضنا ان الضاري هو في عداء تاريخي مع الأميركان، وان فتاواه ودعمه للفصائل المسلحة تسببت في قتل العديد من الجنود الأميركان والحاق اضرار بآلتهم العسكرية اضافة الى اتهامه من قبل العراقيين بجرائم جنائية، اذا كان الأمر كذلك..فكيف يتمكن الضاري من الأقامة في بلدان هي بالأصل حليفة للأميركان؟ وفيها يجري اعداد القوات الأمنية العراقية كما هي الحال مع الأردن ومصر، وكيف يجد كل هذا الترحيب من الحكومة التركية الحليف الأستراتيجي للولايات المتحدة والتي منحت قاعدة انجرليك التركية لأجتياح العراق؟ وكيف يجد كل هذا الترحيب في قطر الحليف الأستراتيجي الآخر للولايات المتحدة وحيث استخدمت قاعدتي السليلية والعديد لتدمير العراق سنة 2003 وحتى الآن؟


خامسا : بناءا على هذه الحقائق التي ذكرت..كيف تمكن الضاري من التنقل بحرية دون ان يمس او يرحل للعراق ليحاكم هناك حتى الآن؟ وكيف تقبلت الدول العربية الحليفة لأميركا والتي يتنقل الضاري بينها، كيف تقبلت تصريحاته المتكررة والمدوية ( نحن من القاعدة والقاعدة منا )؟

لعل هذه الأسئلة وعلامات الأستفهام هي التي دفعت السوريين خاصة الى الحذر من التعامل مع الضاري لوجود شكوك لدى اجهزتهم المعنية واستغرابها من هذا الكم من الغموض والتناقض الذي يحيط بشخصية الضاري.


وبعد..و نحن مع استعدادات الضاري الحثيثة لتشكيل حكومة انتقالية سيكون السؤال : ماشكل هذه الحكومة وما مكوناتها؟ وقبل الخوض في التفاصيل لابد من ادراك ان خصوم الحكومة العراقية الحالية هم خليط متنافر لايربطه رابط فهم من بقايا قيادات البعث المنحلة وضباط الجيش العراقي السابق وسياسيون آخرون من تيارات قومية وديموقراطية وعلمانية واخرى معادية للأميركان ومعادية لحكم الشيعة خاصة..فكيف للضاري ان يشكل هذه الحكومة بين هذه التناقضات؟

المترشح من ترتيبات الضاري انه بصدد تشكيل دولة تشبه ولاية الفقيه الأيراني ولكن بنسخة سنية وهابية بمعنى ان يكون هو مرشدا اعلى ورئيسا لمجلس شورى الدولة بينما يكلف احد اتباعه سواء ابنه مثنى او مساعده محمد بشار الفيضي او مساعده الآخر عبد السلام الكبيسي وهي شخصيات قوية ومؤهلة لتسلم هذه المناصب او ان يكتفي بكونه مرشدا اعلى للدولة ورئيسا لمجلس الشورى ويترك رئاسة الحكومة للأنتخابات ولكن بعد التخلص من كل من آمن او تعاون او عمل مع مايسمى (حكومات الأحتلال العميلة) وهي الحكومات العراقية المتعاقبة التي تشكلت بعد العام 2003.

لكن هنالك من يرى رأيا آخر وهو اعلان حال الطوارئ لمدة سنة او سنتين وتولي الجماعات المسلحة الحكم برئاسة الضاري ثم ترتيب الأوضاع بطريقة مازالت مبهمة وغامضة بالشكل الذي يحقق الكلام النظري اليومي الذي تطلقه هيئة الشيخ حارث الضاري منذ اكثر من خمس سنواتgt;

داوود السعيد